تسجيل دخول

عام زايد 2018

عدد الضغطات : 1,156

الملاحظات

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 9 - 4 - 2014, 03:12 PM
ديمة بعاج ديمة بعاج غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: 22 - 3 - 2014
المشاركات: 8
معدل تقييم المستوى: 0
ديمة بعاج is on a distinguished road
التحنيط حيّاً

التحنيط حيّاً
بعد عمرٍ لستُ أذكر كميته، لأني لم أعد أعيش إلاّ الكمّ والثقل، جئتُ أعتذر للورق، لأنّ تفاهتي لا يحقّ لها أن تُعَكِّر تلك البراءة البيضاء، ولماذا لا يحقّ لها ؟
لأني كلما أردتُ أن أصنع عاصفة ينتابني الهدوء، وهدوء الأعصاب ليس مكانه الورق، وليس القلم من أدواته .
أنا اليوم موظّف إداري، ومع ذلك أشتاقإلى قلمي، فقد اعتقدتُ أنّي انتصرتُ عندما كسرته، واستعملت أقلامهم لأبدأ الحياة العملية، وها أنا مريض نفسيّ بدونه، وكل مهدئات الدنيا لا تنفعني ....أذهب كلّ يوم إلى الدوام منذ سنة ضوئية، إلى أن استيقظتُ يوماً ووجدتني لا أقرأ، ولا أكتب، أعمل فقط، وأصنّف الناس ضمن ملفات، وأفشل في تكنيس الغبار داخلي تبّاً للحياة العملية إذا كانت مع خمسة محنّطين، لا أدري كم يدفعون ثمن أكياس الدم التي تمدّهم بالطاقة خلال ثماني ساعات، للتحرك بالقدر الكافي لتمييزهم عن الدمى، والتي قد تبادلك الابتسامة، وتردّ تحيّتك أحياناً، بينما هم لا يبتسمون لك حتى لو دفعتَ لهم نصف راتبك ! والأكثر من ذلك أنهم حقدوا عليّ منذ اليوم الأوّل للدوام، بحثتُ عن الأسباب، وعندما لم أجد أي مبرر، استدنتُ مبلغاً من المال، واشتريتُ شجرة النسب لعائلة كل واحد منهم، قلتُ في نفسي : ربما يكون جدّي الأوّل قد أخطأ بحقّ جدّهم، أو لعله خطف منه زوجته وأغواها .
وذهبتُ إلى أبعد من ذلك : قد يكون ضَربها، وعَذّبها قبل أن يهجرها وأولادها اليوم ينتقمون منّي ؛ لكن وإن يكن فما ذنبي أنا ؟ !
وسألتُ المحايد الوحيد في الغرفة، وإن كانوا لا يقيمون له وزناً لأنه لا يفهم نكاتهم ونظراتهم الملغومة، يصلي باستمرار، ينهي عمله، ويأكل كثيراً عندما يجوع، لكنه في النهاية إنسان، وقد أجابني بأني الأذكى، وهم يخافون التفوّق .
لم أقتنع كثيراً، وأحسست بعد فترة أني قماش زائد ومقصهم لا يرحم، بدأتُ أستعير ألوانهم، وعندما أعود للبيت أراني حائل اللون .
قلتُ لهم :
أستطيع أن أكون موظّفاً وإنساناً بنفس الوقت .
وعندما وجدتُ أنّه لا مبرر للأمل ـ فهم يحتقرونه، ولا شيء يُقَرّبني منهم سوى التعاسة ـ بدأت أخترع قصصاً حزينة ولفرط ما رويتها صدّقتها : أوّل البارحة ماتت جارتنا حزناً بعد أن قُتل أولادها الثلاثة بحادث، وصباح البارحة اعتدى ثلاثة شبّان على فتاة عمياء تسكن قربنا، وفي المساء احترقت البناية المجاورة، واليوم سأتوفّى أنا إن استمررت على هذا الشكل .
فأنا أفتقد أوراقي ومقعداً، نعم أحسّ أنّي لم أجلس طوال عمري، فقط أتعامل معهم، وآكل، وأنام، وأنا واقف . يا إلهي أوَليس من المقبول أن يحلم الإنسان بالجلوس ؟!
ـ عليكَ أن تستنشق الهواء المحيط بمكتبك فقط .
ـ يجب أن تنتقل ضمن الدائرة الأرضيّة المخصصة لكَ، وإيّاك أن تتعداها
لكن كيف؟ وأنا مضطر للمرور أمامهم أثناء دخولي وخروجي من الغرفة ، فالباب لا يمكن تجزئته، ولم يتمّ بعد اختراع نافذة ذات درج.
إلى أن باتت عملتي الوحيدة في التعامل معهم أعصابي، والغريب أنّي طالما اقتنعت بأنّ الإنسان يرسم الشخصية التي يريدها في عيون الآخرين ولكن أن يرسم التحنيط، ويسأل الناس التعامل معه، فهذا أكثر من اللامعقول، وليس من جواب سوى أنّي رفضت وما زلت أرفض
التحنيط حيّاً .......
بقلم : ديمة بعاج
سوريا - حلب
اعلانات
موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:55 AM


Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc.
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi
المواضيع و المشاركات المطروحة بمجالس الرمس الحوارية لا تمثل رأي الموقع او ادارته بل تمثل وجهة نظر كاتبها