تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة في التشكيل والرؤية نضال القاسم



رذاذ عبدالله
29 - 5 - 2010, 11:15 AM
قراءة في التشكيل والرؤية نضال القاسم

الدستــور الاردنيـــة


http://www.addustour.com/NewsImages/2010/05/960_239928.jpg


قبل الدخول

تفاجئ شهلا العجيلي القارئ الذي تعود نمطاً محدداً من الكتابة القصصية والروائية للمرأة العربية: نمطاً متكوناً ، فى كثير من محاور خطوطه ، من مناغاة الحبيب والشكوى من غيابه أو هجره أو خيانته ، بأن روايتها الأولى ـ "عين الهر" ـ محملة برؤية مميزة ومختلفة ، وتشكل إضافة قوية وجديدة في المدونة السردية الروائية للكاتبة العربية. وقد اعتمدت الكاتبة ، في كتابة روايتها ، أسلوب التجريب والتمكن والاحتراف: فالرواية تنضح بخبرة ونضج فني اكتسبته شهلا من سنوات طويلة في كتابة القصة القصيرة.




لقد اشتغلت الدكتورة شهلا العجيلي في رواية "عين الهر" على أكثر من جانب معرفيّ ، كما ضمّنت روايتها حكايات من الواقع ، والتاريخ ، ثم إنها لم تبتعد عن الشعر بأشكاله المختلفة ، والذي وظفته من أجل خدمة النص ، حيث استعانت بالشعر الشعبي وبالقصيدة الكلاسيكية ، وشعر التفعيلة. أما بخصوص طرح التجربة الصوفية ، والتي بدت جلية في العمل: فقد اشتغلت العجيلي على الخطاب العرفانيّ ، والتصوّف في الثقافتين: العالمة ، وغير العالمة.



ومن الواضح أن مجرد الاطّلاع على التجربة الصوفيّة عن بعد ، وفي الكتب وحدها ، ما كان ليكوّن نصّاً من مثل "عين الهر" ، وأن المرور بمحاذاة التجربة ، ومراقبتها ، ثم الانخراط فيها ، أنتج هذا النصّ: فكما يقول المتصوّفة: من ذاق عرف ، ومن عرف اغترف. وأما التصوف في شخصية بطلة الرواية (أيوبة) ، فقد بدا أنه نتاج خبرة حياتية وليس مجرد تصوف فني. لقد غرقت الرواية بحلّةْ شاعريةْ قوامها الأسلوب الرومانسي الذي يعمل على تفجير الأعماق الذاتية للشخصيات ، وهي تُظهر جهد العجيلي في صوغ الرواية بشعريةْ عاليةْ جداً ، ولغةْ معتنىً بها ، واستعاراتْ ذكيةْ ، ومفرداتْ تكشف عن معجمْ ثريّ تتألّق فيه العبارة الشعرية مكتسبةً وقعاً مستمدّاً من بلاغةْ تحمل نكهتها التصويرية الناجمة عن استخدام ألفاظْ غير مستعملةْ في الرواية المعاصرة. وهي تهرب من عالمها بلغة تقترب من لغة الصوفية ، لكنها ـ هنا ـ صوفية منهزمة مكسورة بلا أمل في الوصول. وبتلاعب فني جميل تسبغ العجيلي على روايتها حس واقعي ثم تنهيها نهاية مفتوحة ، تاركةً القارئ في حالة دهشة ومحاولة إجابة عن الأسئلة المعلقة التي تركتها الرواية في ذهنه ، بحيث تعمد إلى نقل فكرة مجتزأة من الحياة ، ثم تترك النهايات مفتوحة أمام فكر وذهن القارئ.


البناء النفسي للشخصيات


تصوّر الكاتبة ، بأسلوب المنولوج الداخلي ، عملية الصراع النفسي للشخصيات. وقد اعتمدت ، في سردها ، الوصف الذاتي لدواخل شخصيات الرواية ، والوصف الداخلي لمراياها المتكسّرة والمحطّمة. وقد طال هذا الصراع ، بين المرأة وبين الرجل ، حتى تُرك مفتوحاً على مصراعيه في النهاية ، ليتيح المجال للقارئ لتكملته بما تسعفه به المخيّلة ، وهي تمسك بزمام حركة شخصياتها ، وتتحكّم بسلوكها ، بوصفها العارفة بحدود كل شخصيةْ ، في ماضيها وحاضرها ، ومكمن قوتها ، ودوافعها النفسية ، وأسباب ضعفها ومسوّغاته. وقد منحت الساردة مهمّة توصيف الحدث ، الأمر الذي خوّلها الهيمنة على السرد ، فأخذت تحكي عن نفسها ، وعن الشخصيات الأخرى التي ترتبط بها لملء مساحة الحدث ، وتفتح حدث القصة المنتزع من أحداث روايةْ طويلةْ على عالمْ جديدْ عابقْ بالحياة.



ومع أن العجيلي لم تنجز عملاً يحوي بطلاً ذكورياً ، إلا أن ما قدمته كان رسماً لمجتمع نسائي فاعل يتواجد حول شخصية ذكورية واحدة (الزوج الغائب والخائن ، والعاشق الغائب). ولذلك ، فمن السهل أن نصف ذلك المجتمع النسائي بكونه البطل ، ونهمل شخصية الرجل المفترض في العمل. وتبدو هموم الأنثى وانكساراتها هاجساً مباشراً تتم مراجعته في الرواية: إذ يلاحظ أن الرواية قدمت شخصيات نسائية فاعلة ، فلا تقدم تلك الروايات أنموذجاً واحداً للأنثى ، بل تميل إلى توظيف نماذج عدة يرضخ كل أنموذج أنثوي لتجربته المختلفة. لكن تلك النماذج تتفق في كونها تعاني وأحياناً قد تكون معاناتها صادرة من الرجل: فالنماذج النسائية التي طرحتها العجيلي في روايتها ، تعاني الخيبة وإن اختلفت الطرق ، وهن جميعاً ينتمين إلى نتيجة واحدة هي الفشل: فهي تشير إلى ما تعانيه المرأة في المجتمعات العربية من بؤس وتهميش ، الأمر الذي ينعكس عليها ويجعلها تشعر ـ دوماً ـ أنها تعاني الحزن والشجن. وما هذه النماذج التي تم طرحها في الرواية إلا مجرد(عينات) عشوائية من المجتمع الذي يتكون من أنساق دينية ، مسلمة ومسيحية ، ومن طبقات برجوازية وفقيرة ، وهي شخصيات من هذا الزمان ، مشظاة بأفكارها وتفاصيلها الحياتية ، ولكنها ـ أيضاً ـ غير منبتة عن الماضي بما يحمله من تراث غني قد يثقل الكاهل ، أحياناً ، وقد يكون عوناً في أحيان أخرى.



وقد حاولت الساردة إيهام القارئ بأن هناك خيوطاً كثيرة من تفاصيل حياتها في الرواية ، حيث نجد واقع الساردة الشخصي مختلطاً بخطاب الراوية في حالات كثيرة ، وهي تعمد إلى تبيان ذلك في الفصل التاسع من الرواية من خلال الإشارة إلى سفرها إلى مدينتها لإنجاز بعض المعاملات الرسمية المتعلقة ببعض الأملاك ، وتجديد جواز سفرها ، ومن خلال الإشارة التي بدأت بها الفصل الثالث عشر من الرواية ، والتي تقول فيها: "كانت أيوبة تحكي ، وأنا أصوغ روايتي بمشاعرنا معاً ، وبلغتينا معاً." وكذلك من خلال الفصل السادس عشر ، والذي ابتدأته بالحديث عن إيميلات صديقها المقتضبة والغامضة ، ومن ثم تحدثت عن طريقة إعداد أكلة (الشيكا) ، وهي من الأكلات الشعبية الشائعة في (الرقة) ، ومن ثم تعود إلى الحديث عن مدينتها (الرقة) من دون أن تشير إليها بالإسم ، إلا أنها تكتفي بالإشارة إليها من خلال الحديث عن سهولها الواسعة المنبسطة ، وعن تلالها ومزارعها وأشجار الحور التي بدأت تختفي ويظهر مكانها "فيلات" ضخمة.



وأعتقد ، أن العجيلي نجحت ، إلى حد كبير ، في هذه اللعبة الفنية التي لجأت إليها من خلال اللجوء إلى صيغة المتكلم ، والتقاطع الواضح بين صوت الساردة وسيرتها الذاتية ، وطغيان صوت المؤلفة الشخصي على صوت بطلاتها ، ليصير المتلقي ـ في النهاية ـ أسيراً لنصها ، ولكي يزداد تعلّقه وشغفه في تحصيل المعارف الحياتية التي يقدّمها النص الروائي له: فالقارئ ، غالباً ، يرغب في الإطلاع على السيرة الذاتية للمبدع ، ويريد أن يحدد مكانه بالضبط في سياق العمل الروائي.



وأما شخصية "أيوبة" ، وهي الشخصية الرئيسة في الرواية ، فقد خصّصت لها الكاتبة مساراً سردياً مستقلاً ، كي تعرض فيه تلك التجربة الاجتماعية التي خاضتها هذه الفتاة محاطة بآلامها وآمالها من خلال إبراز تأثير الزمن السلبي على جسدها ، وطريقة تفكيرها. وأما الاستغراق في أعماق وجه "أيوبة" ، من خلال خيال الكاتبة ، فقد جعلنا نتصل بالحياة الداخلية لهذه الشخصية عبر الخيال السردي الذي قدّمته لنا الكاتبة ، فكانت الصور السردية المتحوّلة من العادي إلى غير المألوف في صورة الجسد المميّز الممشوق ، حيث تتحرّك الصورة السردية. وقد استطاعت العجيلي أن تبلور صورةً نمطيةً جديدةً تليق بهذه المرأة التي لا تشبه الآخرين. وأما بخصوص تركيز الكاتبة على إبراز مفاتن "أيوبة" ، فكان له دلالاته المؤثّرة ، بوصف الشكل الخارجي خزاناً مادياً روحياً لدواخل الإنسان. وقد استطاعت الصورة الجميلة أن تقدّم "أيوبة" بما هي أهل له ، فكانت ترميزات الصورة الفنية للفتاة متناسقةً ، : فمن بعد الزي المميز وملامح الجسد ، أتت الكاتبة على ترميز مهنة "أيوبة" ، ومن ثم انتقلت للحديث عن الحادثة الأبرز في حياتها ، والتي شكلّت انعطافة في مسارها ، وهي حادثة المرأة الثرية (المًثليّة) ذات النفوذ والمال ، والتي دعتها إلى ممارسة الرذيلة معها ومع صويحباتها اللواتي على شاكلتها ، فما كان من أيوبة إلا أن جابهتها برفض اقتراف المعصية ، ولم تقايض على شرفها بحفنة شعير ، ما أثار عليها سخط هذه المرأة المتنفذة ، والتي اتهمتها بأنها سارقة ، وبأنها تقوم بإغراء ابنها ، وتريد إيقاعه في حبائلها. ولكن هذا لم يثن "أيوبة" عن قرارها ، ففضلت ضيق العيش وشظفه بعيداً عن عفونة هؤلاء الناس العصاة ووخمهم الآدمي ، ليظل هذا النور الذي يضيء داخلها متألقاً طوال الوقت ، ولتبقى تشع بالنقاء والصفاء والطهر ، وروائح المسك والكافور ، وتعطرها روائح الجنائن ونشوة التكبير المتناغمة مع مزامير الوجد الصوفي. وكأني بشهلا ، وقد أرادت أن تقول لنا ، على لسان أيوبة ، إن الغنى الحقيقي هو تلك الحرّية الداخلية ، التي تسمح للطبيعي في كل وقت بالتعبير عن نفسه ، وتسمح أن يجرفك الهوى من دون أن تخون نفسك.



لقد بدت الرواية أشبه بحلمْ مزعجْ ، أو كابوسْ ثقيلْ ، ترويه الساردة ، وتعرض من خلاله سيرة حياة بطلتها المثقلة بالخيبات والهزائم المنذورة للشقاء ، فترمز للأحداث الواقعية التي عبرت في حياتها بوقفاتْ جسّدتها من خلال الحلم الكبير الذي يحكي قصة أيوبة. وهي رواية تندرج تحت عنوان الأدب الملتزم الذي يُظهر معاناة الإنسان في منبته الطبقي مما يحوطه ، وقد تجلّى ذلك في الصورة الاجتماعية الحادّة التي ابتدأت بها الرواية ، حيث سلّطت الضوء على معاناة أيوبة ، منذ أن أخرجها والدها من المدرسة لمجرد أنها كانت تلعب مع الصبيان في الحارة ـ وهذا الأمر يعيدني إلى سيرة الشاعرة الكبيرة فدوى طوقان "رحلة جبلية..رحلة صعبة" ، والتي ذكرت فيها حادثة حرمانها من المدرسة ، ولا أستبعد أن تكون العجيلي قد أفادت منها في بناء شخصية أيوبة ـ وحتى المشاهد الأخيرة من حياة الرواية ، والتي تسلط الضوء على (غرفة) أيوبة في جامع العادلية ، وعلى مهنة (ضمّ السُّبَح) ، التي احترفتها ، بالإضافة إلى عملها "مسؤولة عن قسم النساء ، تراقب الدروس ، وجلسات الذكر الخاصّة بهن ، وتقوم على خدمتهنّ ، فتعدّ ثياب الصلاة ، وتنظّف المكان المخصّص لهنّ ، وتقوم بإعداد الضيافة في المناسبات الخاصّة ، وترتّب المصاحف ، والكتب ، وغير ذلك من الأعمال المنوطة بها ، فضلاً عن ضم السُّبَح ، وبيعها لأصحاب المناسبات الذين يوزّعونها عن أرواح موتاهم ، أو للتبرّك بتسبيح الله في المناسبات السعيدة." لقد رصدت هذه الرواية الصورة الحادّة للفساد الاجتماعي الذي ضرب بقوته جذور شخصياتْ بدت سلبيةً عاجزةً مندفعةً للتفريط حتى في شرفها ، بغية العيش ، تجلّى ذلك بصورةْ منفّرةْ في شخصية (سعاد) موظفة الصحة ، والتي تسكن في الحارة المجاورة لحارة أهل أيوبة التي أغنتها الكاتبة بموقف الرجل الانتهازي (والد أيوبة) تعبيراً عن إدانةْ شموليةْ للجميع ، وإن كان الرجل الذي كشّر عن أنيابه ، لاستغلال ضعف المرأة وحاجتها ، هو المسؤول المباشر عن سقوطها. وقد كانت الغريزة الجنسية هي المحرّك للحدث ، وكشفت الكاتبة بذلك عن الوجه القبيح لهذا الزوج الخائن الذي تصاغرت نفسه وتضخمت شهوته ، والذي فقد توازنه الداخلي ، واستكان لأعمال دنيئة في سبيل حصوله على لذته ، وترك بناته وزوجته تندحر آمالهن ، ويعشن موت حلمهن ، وسواد زمنهن ، بعد أن دفعهن إلى الاستسلام للواقع ، وبعد أن فقدن القدرة على المقاومة. ويبدو اشتغال الكاتبة ـ في هذه الرواية ـ على المعاناة النفسية التي تنعكس على الصورة المشهدية ، حيث يمكن معاينة المشهد المرسوم بصرياً ، أيْ: تحويل الصورة الذهنية التي تنتج عن تصوير الحالة النفسية إلى صورةْ حسيةْ ماديةْ ، وأيقونيةْ متحرّكةْ: لأن السرد الوصفي يمكن تخيّله وتحويله إلى فعلْ مرئي ، وقد حقّق السرد إنجاز معادلْ بصريّْ مقنعْ ، نظراً للتوافق المنطقي بين شكل تمثيل الموقف الدلالي في النصّ ، وبين الهدف الذي جمع بين الشابّة (الساردة) ، و(أيوبة) التي تُبرز شدّة المعاناة الحياتية. إن التفات الكاتبة إلى هذه الخصوصيات الصغيرة ، والإشارات النوعية التي تهمّ أيوبة في ريعان شبابها ، إنما هي صورّ حيةّ ناطقةّ ترسم حياة الفتاة بالجزئيات والترميزات ، بعيداً عن المباشرة ، وتستمرّ الكاتبة في التعبير العفوي البارع عن نفسية أيوبة ، وترسم بالحوار والحركة تصرّفاتها ، وقد سكبت معاناة الفتاة في لوحةْ مشهديةْ مؤثّرةْ عزّ نظيرها في الرواية المعاصرة ، سواء بالمفهوم المادي أو النفسي أو التعبيري ، كوصف حالة الموات النفسي ، وذبول الأنوثة ، واليأس ، وعدم ترميم آثار الوجع والشجن بالأمل ، وعدم الإصرار الداخلي في الرغبة على التجاوز ، وفقدان الشعور بالمسؤولية التي حلّ محلّها شعورّ بالتأفّف ، والغيرة ، والشعور بالإحباط. وأما انصراف "أيوبة" إلى التصوف ، فقد جاء لإخفاء معاناتها التي حدت بها إلى عدم الاكتراث بالواقع والاستسلام للقدر من جهةْ ، وتسكيناً لخيباتها وانكساراتها التي تحفر في القلب من جهةْ ثانيةْ. وهذا ما يؤكّد أن الرواية رُسمت بإتقان ، وقد امتصّت الكاتبة فيها حالةً إنسانيةً من حالات الشجى الأنثوي من الصعب الوصول إليها من دون قلمْ مجرّبْ ، وريشةْ نسويةً الطعم ، واللون ، والهوى.

RAK-boy
29 - 5 - 2010, 02:19 PM
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

رذاذ عبدالله
30 - 5 - 2010, 01:00 PM
شاكــرة تواجدك بين أروقة المقهى الادبي،،
دمت بود،،