رذاذ عبدالله
5 - 6 - 2010, 12:30 PM
متى يتخلص مثقفونا من آثار نكسة 1967؟
من الانكسار إلى المقاومة
http://www.alkhaleej.ae/uploads/gallery/2010/06/04/101955.jpg
حزيران 1967 على الثقافة العربية، لم نتوقع أن تأتينا معظم الإجابات بهذا الحس المأساوي، البعض تحدث عن أدب النكسة وجيل الهزيمة، وآخرون تناولوا الرؤى الفكرية القلقة التي سادت الوسط الثقافي بعد النكسة، وفريق ثالث أرخ لمسار الثقافة العربية انطلاقاً من هذا الحدث، بمعنى أن الثقافة العربية عاشت مرحلتين: ما قبل وما بعد النكسة . . إلخ، لم نعثر على رؤية واحدة تتحدث عن ثقافة المقاومة أو طرح جريء يتجاوز الجرح الذي سببته النكسة في الذات العربية وفي إبداعاتها الثقافية على وجه الخصوص، وكأن النكسة قد حدثت منذ عام أو اثنين .
الثقافة تتأثر بالأحداث الأساسية التي تتعرض لها الأوطان، تتفاعل معها وتعبر عنها، ولكن الثقافة في أحد أوجهها أيضاً دعوة للتغيير إلى الأفضل، محاولة للتفاؤل وتجاوز الإحباط، قد يكون تحقيقنا لهذا العدد كاشفاً لذهنية جلد الذات، لثقافة تستوعبها جروحها وآلامها، لا العكس، وهنا وانطلاقاً ش بأدوات علمية، نضم صوتنا إلى بلال البدور في تفاؤله بقدرة الأجيال الجديدة على صياغة رؤى مغايرة لما هو سائد أو يتم استرجاعه وتثبيته .
بلال البدور المدير التنفيذي لشؤون الثقافة والفنون في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع انطلق في رؤيته لانعكاس نكسة يونيو/ حزيران على المثقف الإماراتي والعربي من الآمال العريضة التي كان يحملها المثقف حول نهضة الأمة قال: “لم تكن آمال المثقفين من جيلنا مقتصرة على المسائل السياسية أو الاقتصادية وحسب، وإنما كان هناك أحلام كبيرة حول نهضة الأمة وتطورها، ورغبته أن يكون للأمة العربية شأن عظيم على مستوى المنطقة والعالم، لكن النكسة جاءت لتغير الكثير من المفاهيم، خاصة وأنها أصابت الكثير من المثقفين بخيبة أمل كبيرة، لقد لعب الإعلام العربي قبل النكسة دوراً كبيراً في تضخيم القدرات الموجودة لدى العرب، ما جعل وطأة الانكسار أكبر سواء على المثقف أم المواطن” .
ورأى البدور أن نكسة يونيو تمخض عنها إعادة نظر حول الكثير من المفاهيم والممارسات والأشكال وقال: “لم تتخل الأمة عن مجمل المفاهيم والأفكار العامة التي كانت تحملها قبل النكسة، لكنه كان من الضروري أن تتم إعادة النظر في كيفية تجاوز الأمة لتلك الحالة من الانكسار التي أفرزتها النكسة، خاصة وأن الثقافة العربية بما تمتلكه من مخزون حضاري وإنساني كان لها أثر في تجاوز الكثير من تلك الآثار التي سببتها صدمة النكسة، وهو ما أفرز رؤى جديدة ومتنوعة في التعامل مع الواقع والمتغيرات التي استجدت، وهي رؤى لم تتنكر للمشترك العربي من ثقافة ولغة ودين وتاريخ، ولكن ما تغير هو كيفية التعاطي مع المستجدات . لقد كان المثقف العربي رغما من الإحباط الذي أصابه عقب النكسة أكثر قدرة على استعادة العافية من حيث عودته للعب دوره في صياغة العقل العربي، وتفعيل المشهد الثقافي والإبداعي من جديد، ونحن نرى اليوم أن هناك توجهات جديدة ومهمة على المستوى العام لدى الأجيال الجديدة في الأفكار، والاهتمام بالعلم والمعرفة، وهو ما يمكن التعويل عليه في صياغة المستقبل، الذي يحتاج المعرفة والعلم والثقافة في خوضه للتحديات” .
استمرارية
القاص إبراهيم مبارك رأى أن النكسة رغم أنها أصابت العرب في الصميم وأضعفت استعدادهم للمواجهة العسكرية مع العدو “الإسرائيلي”، إلا أنها على مستوى الثقافة لم تكن كذلك، فقد حركت الفكر العربي لفهم ما حدث، وإعادة التفكير في واقعنا، ودفعت إلى كتابة أدبيات ودراسات عميقة في الفكر، ومن شأن الهزات العنيفة التي تحرك المجتمعات أن تكون كذلك .
وقد ظهرت بعد النكسة أجيال من المثقفين والأدباء الواعين الحاملين للفكر المستنير، لكن وتيرة الفكر تراجعت تحت تأثير النكسات السياسية المتواصلة التي بدأناها منذ يونيو/ حزيران 1967 ومازالت متواصلة إلى اليوم، ففي طريق هذه النكسات المتلاحقة تغيرت مفاهيم كثيرة وأصيب الكثيرون بالإحباط وسيطرت العولمة على الإنسان العربي فسلبته أو كادت تسلبه هويته، وآل حال العالم العربي إلى طوائف دينية وعرقية وجزر جغرافية، وحال العراق أصدق مثال على واقعنا، ألم يكن العراق بلد الثقافة والعلم والقومية العربية والشعب الواحد، واليوم ها هو أصبح بلد الطوائف والمذاهب والأعراق والتناحر الذي لا يتوقف .
انهارت الآمال فانهارت الثقافة، وتضاءل شأنها، وضمرت قضية فلسطين والوحدة العربية في ما يكتب من أدب، وظهر جيل جديد من المثقفين والأدباء الذين لا يهتمون بتلك القضايا المصيرية، وربما لا يعرفون عنها أكثر من أسمائها إن كانوا سمعوا بأسمائها، ومع هذا فإنني أرى أن الأزمات العميقة التي تصيب الشعوب كثيراً ما تفيدها في إعادة التفكير في مسلماتها وتصحيح مساراتها الفكرية، وأشعر أن ما نعيشه من هذا اليوم يمكن أن يدفع مثقفينا وأدبائنا للتفكير فيها وطرح مقاربات فكرية وأدبية جديدة كما فعلت النكسة بالذين عاصروها .
“هناك ظاهرة واضحة ارتبطت بالنكسة” . . هكذا بدأ د . عماد أبو غازي حديثه للتعبير عن تجليات نكسة 1967 على مختلف حقول وقطاعات الثقافة، إذ أشار إلى أنه بعد سنوات قليلة من الهزيمة بدأ يسود المجتمع بشكل واضح مد للأفكار المتطرفة، فلحظة الهزيمة طرحت سؤالا على المثقفين والمبدعين والمفكرين وهو: “ما الذي آل بنا إلى هذا؟” .
فبعد حرب 1948 والتي سماها البعض بالنكبة حدثت مجموعة من المتغيرات السياسية، أهمها تصور أن الأنظمة السياسية القديمة التي دخلت الحرب هي التي قادت إلى الهزيمة، وعلى هذا فإن الأنظمة الجديدة عندما تتولى زمام الأمور سوف تقود بالقطع إلى الانتصار على إسرائيل، ولكن تأتي هزيمة ،67 التي سميناها بالنكسة، لتبدأ في إعادة طرح السؤال من جديد “أين الخطأ إذن؟”، فقد تم التخلص من الأنظمة الفاسدة التي رأى فيها الجميع سببا للهزيمة وها هي الأنظمة الجديدة التي وصفوها بالأحسن تصل إلى ما هو أسوأ .
بدأ السؤال يطرح نفسه في أوساط الصحافة العربية وبدأت الاستفهامات تدور حول ما إذا كان غياب الديموقراطية هو السبب، في ذلك أم أن عدم بناء دولة عصرية هو السبب، إلى آخر هذا الأسئلة، لنجد أنه بعد فترة تراجعت كل الطروحات المختلفة وبدأ الطرح المتطرف يفرض نفسه . كانت إجاباته هي الطرح الوحيد الذي تم التوصل إليه لتعد هذه هي أخطر نتيجة والتي هددت كيان المجتمعات كلها .
ربما اختلف تأثير النكسة في الإبداع فالنكسة خلقت شيئا إيجابيا في الإبداع كمحاولة منه لتجاوز الأزمة، وظهر ذلك واضحا في المسرح والشعر والرواية والقصة القصيرة والكتابات النقدية، فعام الهزيمة أعقبه عام ثورة الشباب في العالم كله، وفي مصر بشكل خاص، إذ شهدت مصر أول حركة معارضة للطلاب في فبراير/شباط ،1968 كانت الحالة الثقافية تحاول تحدي الهزيمة على كل المستويات .
أما الجواب الإبداعي على الهزيمة فقد تفاوت من مبدع لآخر، فهناك من استحضر الماضي البعيد من خلال الأغاني التي انطلقت إبان ثورة 1919 حتى إن كلمات الأغاني نفسها أصبحت أكثر وطنية عما قبل النكسة وهناك من ارتبطت أعماله بهذه اللحظة الدامية مثل نزار قباني في قصيدته “هوامش على دفتر النكسة” وفيلم العصفور ليوسف شاهين . كانت الأعمال الإبداعية آنذاك تحاول أن تقدم قراءات ناقدة ومختلفة للحظة والحدث .
النخبوية
د . محمد بدوي يتفق مع “أبو غازي” في أن التأثير المخيف للنكسة كان في أنها منحت التيارات غير العقلانية أسباب الوجود والشرعية لكي تتوغل في عقلية العرب والمصريين، فمع عبد الناصر كان هناك شعور بالزهو القومي وبإمكانية تحقيق دولة الوحدة وتحرير فلسطين قبل أن تلطمنا نكسة 67 لطمة قاسية وتحبطنا . كان المجتمع قبل ذلك أكثر تفتحا ويميل إلى الحداثة أما بعد النكسة فحدث تراجع وردة إلى الخلف .
لقد منحت النكسة أكثر فئات الثقافة ضعفا وتخلفا وعداء للعقلانية الشرعية وأشاعت هذا الجو بين الناس في الوقت الذي لجأ فيه المبدعون إلى التجريب والغموض بسبب الشعور بأن العالم مفكك .
فعلى صعيد الرواية يقول د . بدوي قاد التجريب بدوره إلى النخبوية ما أدى إلى فقدان القراء التقليديين للأدب، أما باقي القطاعات فقد تعثرت هي الأخرى، مثل السينما والمسرح والنحت باعتبارها من المحرمات، فبعد أن كانت السينما تعرض لنا رائعة شادي عبد السلام “المومياء” نجد أن هناك عملية عزل قام بها الرافضون للهزيمة فمثلا يوسف شاهين والأجيال التالية له حاولوا من خلال التجريب أن يؤسسوا لسينما ورواية جديدة ومختلفة، ولكنهم وقعوا في فخ النخبوية، فالتشدد فرض نفسه على خطاب الدولة (المصرية) ولذلك حاول جيل الستينات أن يصنع أدبا غير تابع للدولة، ومع الوقت أصبح هذا الأدب نخبويا، ففي مواجهة التخلف واحتكار المعرفة والفن أصبح الفنان أكثر انغلاقا على نفسه، وبالتالي لم يعد هناك قراء للأدب، ولعل تلك هي أخطر آثار النكسة، التي لم يستطع المجتمع الخروج منها إلى الآن .
غربة
الكاتب بدي ولد أبنو قال “إن النكسة كحدث سياسي عسكري تبلور على الصعيد الفكري والثقافي بطريقة غير مباشرة، إذ تمت صناعة النكسة بمفهومها الحالي من طرف الكتاب والإعلاميين، أكثر من العامل العسكري .
فالحدث العسكري الذي وقع سنة ،1967 حتى ولو كان فيه احتلال أراض عربية وما نتج عن ذلك من صدمة، لم يكن ليتخذ كل هذه المأساوية وما ترتب عليها بعد ذلك، لولا أربعة أمور مهمة حدثت لاحقا على النكسة بسنوات . . وهذه الأمور هي: تراجع حجم الدور المصري في العالم العربي، وهيمنة القطب الغربي الأمريكي الإسرائيلي على الساحة الدولية، والثورة البترولية في بلدان عربية متعددة منها خصوصا دول الخليج والعراق، والحدث الآخر هو بداية انهيار المعسكر الشرقي . ولهذا صنعت هذه الأحداث أو التحولات الكبيرة بشكل ما صورة النكسة التي ستلاحق الثقافة العربية خلال العقود التالية للحدث العسكري .
هذه الأحداث اللاحقة على الحدث العسكري ساهمت في كون اليسار العربي، بكل أطيافه القومية وغير القومية، بدأ يشعر بنوع من الغربة شيئا فشيئا، وفي الخلاصة بدأ بحث اليسار عن مسند يقف إلى جانبه، وهو ما لم يجده، فعاد ليتخذ من النكسة نقطة مرجعية يعلق عليها هموم الواقع العربي .
حتى إن الأغلبية من المفكرين غير الاستراتيجيين تحولوا بقدرة قادر إلى منظرين عسكريين ليعطوا بعدا أسطوريا للنكسة يجعل من كتاباتهم محط أنظار . بل وقدم البعض من تيارات سياسية وفكرية أدلة على إنذارات ادعى أنه أشهرها لمنع النكسة، هو ما لا يخفى طغيان البعد الادعائي فيه .
وهكذا اتخذت النكسة العسكرية كمبرر لبكائية مناحية لا حد لها من طرف اليسار العربي الذي بدا وكأنه من خلال هذه المناحة أراد تبرير استقالته من الدور الذي لعبه في العقود الثلاثة السابقة على النكسة، إذ تحول الكثير من اليساريين العرب إلى شيوعيين وشيوعيين ماويين حتى في موريتانيا .
المراجعات التراثية التي جرت بعد ذلك اتخذت من النكسة ذريعة لتبرير أحقية طرحها مثل ما يلمس في “الثابت والمتحول” لأدونيس ونقديات الدكتور محمد عائد الجابري للعقل العربي، وغيرهم .
الشاعر الموريتاني محمد ولد الطالب قال “أنا اعتقد أن النكسة تركت ظلالا كثيفة على الحضارة العربية بصفة عامة وليس الثقافة فحسب . فقد كانت المرة الأولى التي تخون فيها العرب فراستهم . وتسقط أوراقهم في وحل الهزيمة .
لكن بعبارة أخرى، إذا جاز أن نعتبر للنكسة وللهزيمة من حسنات، فهي تتمثل في أنها خلقت قطيعة بين الذات العربية وسلبيات تاريخها، فمثلت نقطة تحول على المستوى الأدبي والفني والشعري والفكري، وقطيعة ثقافية بين العربي الرسمي والعربي الشعبي . وهنا وجد الشعر بالذات مرتعا للتعبير بشكل مختلف عما كان عليه قبل النكسة، ما كان عليه من الصيغ القديمة، فخرج من عباءة الأمل المؤكد الذي لا ينهزم والواقع الذي غالبا ما تكون نهايته للأسف عندنا مأساوية .
أصبح للشاعر خيارات تدفعه للبحث عن سلطة للشعر، لا سلطة تتبنى الشعر، وهنا أعتقد جازما أنه حدث طلاق بين البلاط وبين الشاعر حتى إشعار جديد .
وما يحدث من مغازلات من حين لآخر لا يعدو كونه فقاقيع أو إرهاصات غير ذات بال دافعها الوحيد هو الحنين إلى ذلك الماضي الذي لن يعود . ومع كل ذلك بقي مكان في الذاكرة العربية يسع قادتها ورموزها بعيدا عن ذلك المكان الذي تخزن فيه سماسرتها وعملائها ومخنثيها .
لقد أدت نكسة 1967 إلى هزات عميقة في كيان الثقافة العربية، لكن من أهم نتائجها الإصرار غير المسبوق على ترسيخ ثقافة المقاومة ورفض ثقافة الإذلال . وتجلى ذلك في تقييم الوقائع التي أدت للهزيمة العسكرية، وتشخيص الواقع السياسي والمجتمعي الذي تسبب فيها وسبل التغلب عليها .
الشاعر الموريتاني حسني ولد شاش: الحقيقة أن هذا السؤال جيد في هذا التوقيت الحساس من حياة الأمة العربية . وأظن أن المسؤولين في “الخليج الثقافي” أحسوا بأن الأمة العربية في هذه الظروف تمر بنكسة جديدة، أو بشكل أدق حلقة جديدة من مسلسل النكسات التي توالت على هذه الأمة المنكوبة . فأرادوا من خلال ذلك استنطاق المستقبل أكثر من الواقع .
عند مراجعتي للأحداث السابقة والتالية للنكسة يظهر لي أنه قبل هذه النكسة كان هناك جيل عربي يثق في قدراته في النهوض بالأمة وتوحيدها، فجاءت النكسة ليخرج جيل جديد من المثبطين والمنهزمين وفاقدي القدرة على تشخيص الذات، أي باختصار ظهر تيار التغريبيين الذين يشرئبون بأعناقهم للثقة في الغرب، وبدأت حلقة جديدة من التشرذم في القرار العربي، تحث بشكل مخيف نحو تعزيز القطرية السلبية .
وقد مهدت نتائج ذلك لاستفادة تيارات أخرى من واقع ما بعد النكسة كالتيار الإسلامي والتيار الليبرالي العربي . ويمكن القول إن النكسة أثرت بشكل جوهري وواضح على جميع مكونات الثقافة العربية من شعر ومسرح وفن وفكر، وهذا التأثير قد يرافق الأمة لعدة أجيال لارتباطه الوثيق بالعامل السياسي المعاش حاليا.
جرح
الشاعر حسن عبد الله قال: لا شك في أن النكسة تركت آثاراً رهيبة في الوعي العربي كما في ممارسات هذا الوعي من خلال الكتابة والفن وصنوف الإبداع المختلفة، والأرجح أن هذه الآثار لا تزال تحتفظ ببقاياها في أعماق الفرد العربي سواء كان هذا الفرد مثقفاً أم مجرد مواطن عادي . ولعل الأثر الأهم والأكثر حضوراً يتجلى في الانقلاب الكبير الذي حدث على صعيد أساليب وتقنيات وطموحات الإبداع الثقافي العربي .
في أحداث مفصلية وتاريخية مثل هذه، يصبح المثقفون والكتاب والفنانون في واجهة الحدث، فهم الأقدر على ترجمة المشاعر العامة للمجتمع وإظهارها على شكل نصوص ولوحات وأفلام وأطروحات فكرية وفلسفية . هناك مسؤولية أخلاقية واجتماعية تقع على عاتق هؤلاء باعتبارهم نخبة قادرة على الوقوف أمام التحديات والمصاعب التي تواجه مجتمعاتهم . لقد غيرت نكسة حزيران مسار الكتابة العربية والفن العربي . وبات المبدع العربي يشعر بالعار إن كان منجزه الثقافي بعيداً عما يشغل الجماهير من هموم وقضايا كبرى . كانت هناك أحلام عربية كبرى، وجاءت الهزيمة لتكسرها .
هزيمة يونيو/حزيران بهذا المعنى أشبه بجرح نفسي، والمشكلة أن التطورات السياسية اللاحقة لم تسمح لهذا الجرح بالاندمال والشفاء . كانت النكسة الحزيرانية زلزالاً جاءت بعده زلازل ارتدادية من النوع نفسه ولكنها أقل حدة . هكذا، ساهمت النكسات المتلاحقة في تخليد هذا الجرح داخل المواطن العربي والمثقف العربي بحيث يعيق أي تطلعات أو طموحات أخرى . وقد ظهرت نتائج ذلك الجرح في المجمل الشعري والفني والفكري العربي، وخصوصاً في الأدب الفلسطيني وفي الأدب المنجز في ما يُسمى دول الطوق حيث كانت آثار الهزيمة باهظة أكثر على كل المستويات وليس على المستوى الثقافي فقط .
الناقد محمد دكروب قال: بمناسبة الحديث عن تجليات النكسة في الثقافة العربية، لا بد من الإشارة إلى أن تأثير النكسة على الثقافة كان ذا وجهين، الأول هو الاستجابة السريعة التي حدثت لدى المبدع العربي أمام هول الكارثة التي حدثت، والثاني أن هذه الاستجابة ترافقت مع تخلي الكاتب والمثقف العربي عن معايير الأدب والكتابة والإبداع لصالح الانغماس في أدب القضية والأيدلوجيا المسبقة . التعاطف أو الانخراط في القضايا النبيلة والعادلة ليس عيباً بالطبع، ولكن المشكلة أن هذا الانخراط غالباً ما يحدث على حساب القيمة الإبداعية للعمل الفني والثقافي . لقد كتب الكثير من النصوص، وخصوصاً الشعرية، عقب النكسة ووقع معظمها في فخ التسرع العاطفي والوجداني . كان هناك الكثير من الصدق في تلك النصوص ولكن الصدق والنوايا الطيبة لا تكفي وحدها لصناعة كتابة جيدة . بشكل عام، يمكن القول إن تاريخ الثقافة العربية والإبداع العربي انقسم إلى ما قبل النكسة وما بعدها . صارت الثقافة محكومة بالنظرة السياسية والأيديولوجية للمثقف والمبدع الذي بات مطالباً بأن يكون عمله انعكاساً مباشراً وشبه حرفي للواقع وأزماته . من هنا تفاقمت الدعوات إلى الأدب الملتزم والفن الملتزم . وبات على الكاتب أن يدافع عن قضايا ومشكلات عاشت طويلاً خارج النص الثقافي والإبداعي . باختصار، بعد هزيمة حزيران، صار الكاتب مسؤولاً مسؤولية مباشرة عن قضايا وطنه ومجتمعه، وباتت مقولة “الفن للفن” تذكر مع كمية كبيرة من الازدراء .
الشاعر حسين بن حمزة قال: ليس سهلاً الحديث عن تجليات النكسة في الثقافة العربية، فقد شكلت هزيمة يونيو/ حزيران 1967 صدمة مدوية في العقل والخيال والإبداع العربي، بحيث باتت شرخاً مفصلياً بين ما قبل الهزيمة وما بعدها . بعد الهزيمة، لم تعد الكتابة ترفاً أو ممارسة فنية وجمالية وحسب . لقد أنزلت الهزيمة المثقف العربي والمبدع العربي من برجه العاجي إلى وحول الواقع وأزماته ومشكلاته وقضاياه المصيرية . بات الأدب جزءاً من عمليات “إزالة أثار العدوان” حسب التسمية السياسية التي شاعت في ذلك الوقت . لنتذكر قصيدة الشاعر نزار قباني الشهيرة “هوامش على دفتر النكسة” التي نعى فيها اللغة القديمة والفكر الذي قاد إلى الهزيمة، معترفاً بأن النكسة حولته من شاعر يكتب الحب والحنين إلى شاعر يكتب بالسكين .
لنتذكر آلاف الصفحات التي سطرها الكتاب، ومئات اللوحات التي رسمها الفنانون، وعشرات الأفلام التي قدمها المخرجون، لقد تحولت النكسة على يد المبدع العربي إلى جرح مفتوح ودائم النزف . لقد أسهمت الثقافة في جعل الهزيمة حدثاً جوهرياً وراسخاً في الوجدان العربي والتايخ العربي . لم يكن قباني أول وآخر المنضمين إلى لائحة الكتّاب الذين أفاقوا على هول الهزيمة التي حدثت . لقد تسرب الحدث الحزيراني إلى أغلب النصوص الشعرية والقصصية والروائية والمسرحية التي أنجزت في تلك الفترة وما تلاها . نتذكر الشاعر أمل دنقل في ديوان “بين يدي زرقاء اليمامة” الذي تنبأ فيه بالهزيمة المقبلة . وكذلك مسرحية “المخاض” لممدوح عدوان الذي كتب أيضاً مسرحية “محاكمة الرجل الذي لم يحارب” . المسرح يأخذنا إلى الحديث عن تجربة أكثر أهمية تمثلت في أعمال سعد الله ونوس، وأهمها مسرحية “حفلة سمر من أجل 5 حزيران” التي كُتبت بعد سنتين على الهزيمة، وهو ما قاده لاحقاً إلى تبني فكرة “تسييس المسرح” .
وفي الرواية قدم نجيب محفوظ مثالاً ساطعاً على استقالة أو الأحرى إقالة الفرد العربي من المشاركة في صناعة الحاضر والمستقبل، وهو ما ظهر في روايته الشهيرة “ثرثرة فوق النيل” . لقد طبعت الهزيمة الحزيرانية مرحلة أدبية وفكرية كاملة . شاعت تسمية “جيل الهزيمة” على كتاب ومبدعي تلك اللحظة المريرة، وبات لدينا “أدب النكسة” و”فكر الهزيمة”، وهو ما يُحيلنا إلى كتاب “الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة” للمفكر ياسين الحافظ .
باختصار، كل ما كتب وأنتج من إبداع عربي بعد النكسة مباشرة وحتى اليوم مدينٌ بطريقة ما لتلك الصدمة التي هزت الوعي العربي، وغيرت المسار الثقافي للأجيال التالية في ثقافتنا العربية.
* الملحق الثقافي
من الانكسار إلى المقاومة
http://www.alkhaleej.ae/uploads/gallery/2010/06/04/101955.jpg
حزيران 1967 على الثقافة العربية، لم نتوقع أن تأتينا معظم الإجابات بهذا الحس المأساوي، البعض تحدث عن أدب النكسة وجيل الهزيمة، وآخرون تناولوا الرؤى الفكرية القلقة التي سادت الوسط الثقافي بعد النكسة، وفريق ثالث أرخ لمسار الثقافة العربية انطلاقاً من هذا الحدث، بمعنى أن الثقافة العربية عاشت مرحلتين: ما قبل وما بعد النكسة . . إلخ، لم نعثر على رؤية واحدة تتحدث عن ثقافة المقاومة أو طرح جريء يتجاوز الجرح الذي سببته النكسة في الذات العربية وفي إبداعاتها الثقافية على وجه الخصوص، وكأن النكسة قد حدثت منذ عام أو اثنين .
الثقافة تتأثر بالأحداث الأساسية التي تتعرض لها الأوطان، تتفاعل معها وتعبر عنها، ولكن الثقافة في أحد أوجهها أيضاً دعوة للتغيير إلى الأفضل، محاولة للتفاؤل وتجاوز الإحباط، قد يكون تحقيقنا لهذا العدد كاشفاً لذهنية جلد الذات، لثقافة تستوعبها جروحها وآلامها، لا العكس، وهنا وانطلاقاً ش بأدوات علمية، نضم صوتنا إلى بلال البدور في تفاؤله بقدرة الأجيال الجديدة على صياغة رؤى مغايرة لما هو سائد أو يتم استرجاعه وتثبيته .
بلال البدور المدير التنفيذي لشؤون الثقافة والفنون في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع انطلق في رؤيته لانعكاس نكسة يونيو/ حزيران على المثقف الإماراتي والعربي من الآمال العريضة التي كان يحملها المثقف حول نهضة الأمة قال: “لم تكن آمال المثقفين من جيلنا مقتصرة على المسائل السياسية أو الاقتصادية وحسب، وإنما كان هناك أحلام كبيرة حول نهضة الأمة وتطورها، ورغبته أن يكون للأمة العربية شأن عظيم على مستوى المنطقة والعالم، لكن النكسة جاءت لتغير الكثير من المفاهيم، خاصة وأنها أصابت الكثير من المثقفين بخيبة أمل كبيرة، لقد لعب الإعلام العربي قبل النكسة دوراً كبيراً في تضخيم القدرات الموجودة لدى العرب، ما جعل وطأة الانكسار أكبر سواء على المثقف أم المواطن” .
ورأى البدور أن نكسة يونيو تمخض عنها إعادة نظر حول الكثير من المفاهيم والممارسات والأشكال وقال: “لم تتخل الأمة عن مجمل المفاهيم والأفكار العامة التي كانت تحملها قبل النكسة، لكنه كان من الضروري أن تتم إعادة النظر في كيفية تجاوز الأمة لتلك الحالة من الانكسار التي أفرزتها النكسة، خاصة وأن الثقافة العربية بما تمتلكه من مخزون حضاري وإنساني كان لها أثر في تجاوز الكثير من تلك الآثار التي سببتها صدمة النكسة، وهو ما أفرز رؤى جديدة ومتنوعة في التعامل مع الواقع والمتغيرات التي استجدت، وهي رؤى لم تتنكر للمشترك العربي من ثقافة ولغة ودين وتاريخ، ولكن ما تغير هو كيفية التعاطي مع المستجدات . لقد كان المثقف العربي رغما من الإحباط الذي أصابه عقب النكسة أكثر قدرة على استعادة العافية من حيث عودته للعب دوره في صياغة العقل العربي، وتفعيل المشهد الثقافي والإبداعي من جديد، ونحن نرى اليوم أن هناك توجهات جديدة ومهمة على المستوى العام لدى الأجيال الجديدة في الأفكار، والاهتمام بالعلم والمعرفة، وهو ما يمكن التعويل عليه في صياغة المستقبل، الذي يحتاج المعرفة والعلم والثقافة في خوضه للتحديات” .
استمرارية
القاص إبراهيم مبارك رأى أن النكسة رغم أنها أصابت العرب في الصميم وأضعفت استعدادهم للمواجهة العسكرية مع العدو “الإسرائيلي”، إلا أنها على مستوى الثقافة لم تكن كذلك، فقد حركت الفكر العربي لفهم ما حدث، وإعادة التفكير في واقعنا، ودفعت إلى كتابة أدبيات ودراسات عميقة في الفكر، ومن شأن الهزات العنيفة التي تحرك المجتمعات أن تكون كذلك .
وقد ظهرت بعد النكسة أجيال من المثقفين والأدباء الواعين الحاملين للفكر المستنير، لكن وتيرة الفكر تراجعت تحت تأثير النكسات السياسية المتواصلة التي بدأناها منذ يونيو/ حزيران 1967 ومازالت متواصلة إلى اليوم، ففي طريق هذه النكسات المتلاحقة تغيرت مفاهيم كثيرة وأصيب الكثيرون بالإحباط وسيطرت العولمة على الإنسان العربي فسلبته أو كادت تسلبه هويته، وآل حال العالم العربي إلى طوائف دينية وعرقية وجزر جغرافية، وحال العراق أصدق مثال على واقعنا، ألم يكن العراق بلد الثقافة والعلم والقومية العربية والشعب الواحد، واليوم ها هو أصبح بلد الطوائف والمذاهب والأعراق والتناحر الذي لا يتوقف .
انهارت الآمال فانهارت الثقافة، وتضاءل شأنها، وضمرت قضية فلسطين والوحدة العربية في ما يكتب من أدب، وظهر جيل جديد من المثقفين والأدباء الذين لا يهتمون بتلك القضايا المصيرية، وربما لا يعرفون عنها أكثر من أسمائها إن كانوا سمعوا بأسمائها، ومع هذا فإنني أرى أن الأزمات العميقة التي تصيب الشعوب كثيراً ما تفيدها في إعادة التفكير في مسلماتها وتصحيح مساراتها الفكرية، وأشعر أن ما نعيشه من هذا اليوم يمكن أن يدفع مثقفينا وأدبائنا للتفكير فيها وطرح مقاربات فكرية وأدبية جديدة كما فعلت النكسة بالذين عاصروها .
“هناك ظاهرة واضحة ارتبطت بالنكسة” . . هكذا بدأ د . عماد أبو غازي حديثه للتعبير عن تجليات نكسة 1967 على مختلف حقول وقطاعات الثقافة، إذ أشار إلى أنه بعد سنوات قليلة من الهزيمة بدأ يسود المجتمع بشكل واضح مد للأفكار المتطرفة، فلحظة الهزيمة طرحت سؤالا على المثقفين والمبدعين والمفكرين وهو: “ما الذي آل بنا إلى هذا؟” .
فبعد حرب 1948 والتي سماها البعض بالنكبة حدثت مجموعة من المتغيرات السياسية، أهمها تصور أن الأنظمة السياسية القديمة التي دخلت الحرب هي التي قادت إلى الهزيمة، وعلى هذا فإن الأنظمة الجديدة عندما تتولى زمام الأمور سوف تقود بالقطع إلى الانتصار على إسرائيل، ولكن تأتي هزيمة ،67 التي سميناها بالنكسة، لتبدأ في إعادة طرح السؤال من جديد “أين الخطأ إذن؟”، فقد تم التخلص من الأنظمة الفاسدة التي رأى فيها الجميع سببا للهزيمة وها هي الأنظمة الجديدة التي وصفوها بالأحسن تصل إلى ما هو أسوأ .
بدأ السؤال يطرح نفسه في أوساط الصحافة العربية وبدأت الاستفهامات تدور حول ما إذا كان غياب الديموقراطية هو السبب، في ذلك أم أن عدم بناء دولة عصرية هو السبب، إلى آخر هذا الأسئلة، لنجد أنه بعد فترة تراجعت كل الطروحات المختلفة وبدأ الطرح المتطرف يفرض نفسه . كانت إجاباته هي الطرح الوحيد الذي تم التوصل إليه لتعد هذه هي أخطر نتيجة والتي هددت كيان المجتمعات كلها .
ربما اختلف تأثير النكسة في الإبداع فالنكسة خلقت شيئا إيجابيا في الإبداع كمحاولة منه لتجاوز الأزمة، وظهر ذلك واضحا في المسرح والشعر والرواية والقصة القصيرة والكتابات النقدية، فعام الهزيمة أعقبه عام ثورة الشباب في العالم كله، وفي مصر بشكل خاص، إذ شهدت مصر أول حركة معارضة للطلاب في فبراير/شباط ،1968 كانت الحالة الثقافية تحاول تحدي الهزيمة على كل المستويات .
أما الجواب الإبداعي على الهزيمة فقد تفاوت من مبدع لآخر، فهناك من استحضر الماضي البعيد من خلال الأغاني التي انطلقت إبان ثورة 1919 حتى إن كلمات الأغاني نفسها أصبحت أكثر وطنية عما قبل النكسة وهناك من ارتبطت أعماله بهذه اللحظة الدامية مثل نزار قباني في قصيدته “هوامش على دفتر النكسة” وفيلم العصفور ليوسف شاهين . كانت الأعمال الإبداعية آنذاك تحاول أن تقدم قراءات ناقدة ومختلفة للحظة والحدث .
النخبوية
د . محمد بدوي يتفق مع “أبو غازي” في أن التأثير المخيف للنكسة كان في أنها منحت التيارات غير العقلانية أسباب الوجود والشرعية لكي تتوغل في عقلية العرب والمصريين، فمع عبد الناصر كان هناك شعور بالزهو القومي وبإمكانية تحقيق دولة الوحدة وتحرير فلسطين قبل أن تلطمنا نكسة 67 لطمة قاسية وتحبطنا . كان المجتمع قبل ذلك أكثر تفتحا ويميل إلى الحداثة أما بعد النكسة فحدث تراجع وردة إلى الخلف .
لقد منحت النكسة أكثر فئات الثقافة ضعفا وتخلفا وعداء للعقلانية الشرعية وأشاعت هذا الجو بين الناس في الوقت الذي لجأ فيه المبدعون إلى التجريب والغموض بسبب الشعور بأن العالم مفكك .
فعلى صعيد الرواية يقول د . بدوي قاد التجريب بدوره إلى النخبوية ما أدى إلى فقدان القراء التقليديين للأدب، أما باقي القطاعات فقد تعثرت هي الأخرى، مثل السينما والمسرح والنحت باعتبارها من المحرمات، فبعد أن كانت السينما تعرض لنا رائعة شادي عبد السلام “المومياء” نجد أن هناك عملية عزل قام بها الرافضون للهزيمة فمثلا يوسف شاهين والأجيال التالية له حاولوا من خلال التجريب أن يؤسسوا لسينما ورواية جديدة ومختلفة، ولكنهم وقعوا في فخ النخبوية، فالتشدد فرض نفسه على خطاب الدولة (المصرية) ولذلك حاول جيل الستينات أن يصنع أدبا غير تابع للدولة، ومع الوقت أصبح هذا الأدب نخبويا، ففي مواجهة التخلف واحتكار المعرفة والفن أصبح الفنان أكثر انغلاقا على نفسه، وبالتالي لم يعد هناك قراء للأدب، ولعل تلك هي أخطر آثار النكسة، التي لم يستطع المجتمع الخروج منها إلى الآن .
غربة
الكاتب بدي ولد أبنو قال “إن النكسة كحدث سياسي عسكري تبلور على الصعيد الفكري والثقافي بطريقة غير مباشرة، إذ تمت صناعة النكسة بمفهومها الحالي من طرف الكتاب والإعلاميين، أكثر من العامل العسكري .
فالحدث العسكري الذي وقع سنة ،1967 حتى ولو كان فيه احتلال أراض عربية وما نتج عن ذلك من صدمة، لم يكن ليتخذ كل هذه المأساوية وما ترتب عليها بعد ذلك، لولا أربعة أمور مهمة حدثت لاحقا على النكسة بسنوات . . وهذه الأمور هي: تراجع حجم الدور المصري في العالم العربي، وهيمنة القطب الغربي الأمريكي الإسرائيلي على الساحة الدولية، والثورة البترولية في بلدان عربية متعددة منها خصوصا دول الخليج والعراق، والحدث الآخر هو بداية انهيار المعسكر الشرقي . ولهذا صنعت هذه الأحداث أو التحولات الكبيرة بشكل ما صورة النكسة التي ستلاحق الثقافة العربية خلال العقود التالية للحدث العسكري .
هذه الأحداث اللاحقة على الحدث العسكري ساهمت في كون اليسار العربي، بكل أطيافه القومية وغير القومية، بدأ يشعر بنوع من الغربة شيئا فشيئا، وفي الخلاصة بدأ بحث اليسار عن مسند يقف إلى جانبه، وهو ما لم يجده، فعاد ليتخذ من النكسة نقطة مرجعية يعلق عليها هموم الواقع العربي .
حتى إن الأغلبية من المفكرين غير الاستراتيجيين تحولوا بقدرة قادر إلى منظرين عسكريين ليعطوا بعدا أسطوريا للنكسة يجعل من كتاباتهم محط أنظار . بل وقدم البعض من تيارات سياسية وفكرية أدلة على إنذارات ادعى أنه أشهرها لمنع النكسة، هو ما لا يخفى طغيان البعد الادعائي فيه .
وهكذا اتخذت النكسة العسكرية كمبرر لبكائية مناحية لا حد لها من طرف اليسار العربي الذي بدا وكأنه من خلال هذه المناحة أراد تبرير استقالته من الدور الذي لعبه في العقود الثلاثة السابقة على النكسة، إذ تحول الكثير من اليساريين العرب إلى شيوعيين وشيوعيين ماويين حتى في موريتانيا .
المراجعات التراثية التي جرت بعد ذلك اتخذت من النكسة ذريعة لتبرير أحقية طرحها مثل ما يلمس في “الثابت والمتحول” لأدونيس ونقديات الدكتور محمد عائد الجابري للعقل العربي، وغيرهم .
الشاعر الموريتاني محمد ولد الطالب قال “أنا اعتقد أن النكسة تركت ظلالا كثيفة على الحضارة العربية بصفة عامة وليس الثقافة فحسب . فقد كانت المرة الأولى التي تخون فيها العرب فراستهم . وتسقط أوراقهم في وحل الهزيمة .
لكن بعبارة أخرى، إذا جاز أن نعتبر للنكسة وللهزيمة من حسنات، فهي تتمثل في أنها خلقت قطيعة بين الذات العربية وسلبيات تاريخها، فمثلت نقطة تحول على المستوى الأدبي والفني والشعري والفكري، وقطيعة ثقافية بين العربي الرسمي والعربي الشعبي . وهنا وجد الشعر بالذات مرتعا للتعبير بشكل مختلف عما كان عليه قبل النكسة، ما كان عليه من الصيغ القديمة، فخرج من عباءة الأمل المؤكد الذي لا ينهزم والواقع الذي غالبا ما تكون نهايته للأسف عندنا مأساوية .
أصبح للشاعر خيارات تدفعه للبحث عن سلطة للشعر، لا سلطة تتبنى الشعر، وهنا أعتقد جازما أنه حدث طلاق بين البلاط وبين الشاعر حتى إشعار جديد .
وما يحدث من مغازلات من حين لآخر لا يعدو كونه فقاقيع أو إرهاصات غير ذات بال دافعها الوحيد هو الحنين إلى ذلك الماضي الذي لن يعود . ومع كل ذلك بقي مكان في الذاكرة العربية يسع قادتها ورموزها بعيدا عن ذلك المكان الذي تخزن فيه سماسرتها وعملائها ومخنثيها .
لقد أدت نكسة 1967 إلى هزات عميقة في كيان الثقافة العربية، لكن من أهم نتائجها الإصرار غير المسبوق على ترسيخ ثقافة المقاومة ورفض ثقافة الإذلال . وتجلى ذلك في تقييم الوقائع التي أدت للهزيمة العسكرية، وتشخيص الواقع السياسي والمجتمعي الذي تسبب فيها وسبل التغلب عليها .
الشاعر الموريتاني حسني ولد شاش: الحقيقة أن هذا السؤال جيد في هذا التوقيت الحساس من حياة الأمة العربية . وأظن أن المسؤولين في “الخليج الثقافي” أحسوا بأن الأمة العربية في هذه الظروف تمر بنكسة جديدة، أو بشكل أدق حلقة جديدة من مسلسل النكسات التي توالت على هذه الأمة المنكوبة . فأرادوا من خلال ذلك استنطاق المستقبل أكثر من الواقع .
عند مراجعتي للأحداث السابقة والتالية للنكسة يظهر لي أنه قبل هذه النكسة كان هناك جيل عربي يثق في قدراته في النهوض بالأمة وتوحيدها، فجاءت النكسة ليخرج جيل جديد من المثبطين والمنهزمين وفاقدي القدرة على تشخيص الذات، أي باختصار ظهر تيار التغريبيين الذين يشرئبون بأعناقهم للثقة في الغرب، وبدأت حلقة جديدة من التشرذم في القرار العربي، تحث بشكل مخيف نحو تعزيز القطرية السلبية .
وقد مهدت نتائج ذلك لاستفادة تيارات أخرى من واقع ما بعد النكسة كالتيار الإسلامي والتيار الليبرالي العربي . ويمكن القول إن النكسة أثرت بشكل جوهري وواضح على جميع مكونات الثقافة العربية من شعر ومسرح وفن وفكر، وهذا التأثير قد يرافق الأمة لعدة أجيال لارتباطه الوثيق بالعامل السياسي المعاش حاليا.
جرح
الشاعر حسن عبد الله قال: لا شك في أن النكسة تركت آثاراً رهيبة في الوعي العربي كما في ممارسات هذا الوعي من خلال الكتابة والفن وصنوف الإبداع المختلفة، والأرجح أن هذه الآثار لا تزال تحتفظ ببقاياها في أعماق الفرد العربي سواء كان هذا الفرد مثقفاً أم مجرد مواطن عادي . ولعل الأثر الأهم والأكثر حضوراً يتجلى في الانقلاب الكبير الذي حدث على صعيد أساليب وتقنيات وطموحات الإبداع الثقافي العربي .
في أحداث مفصلية وتاريخية مثل هذه، يصبح المثقفون والكتاب والفنانون في واجهة الحدث، فهم الأقدر على ترجمة المشاعر العامة للمجتمع وإظهارها على شكل نصوص ولوحات وأفلام وأطروحات فكرية وفلسفية . هناك مسؤولية أخلاقية واجتماعية تقع على عاتق هؤلاء باعتبارهم نخبة قادرة على الوقوف أمام التحديات والمصاعب التي تواجه مجتمعاتهم . لقد غيرت نكسة حزيران مسار الكتابة العربية والفن العربي . وبات المبدع العربي يشعر بالعار إن كان منجزه الثقافي بعيداً عما يشغل الجماهير من هموم وقضايا كبرى . كانت هناك أحلام عربية كبرى، وجاءت الهزيمة لتكسرها .
هزيمة يونيو/حزيران بهذا المعنى أشبه بجرح نفسي، والمشكلة أن التطورات السياسية اللاحقة لم تسمح لهذا الجرح بالاندمال والشفاء . كانت النكسة الحزيرانية زلزالاً جاءت بعده زلازل ارتدادية من النوع نفسه ولكنها أقل حدة . هكذا، ساهمت النكسات المتلاحقة في تخليد هذا الجرح داخل المواطن العربي والمثقف العربي بحيث يعيق أي تطلعات أو طموحات أخرى . وقد ظهرت نتائج ذلك الجرح في المجمل الشعري والفني والفكري العربي، وخصوصاً في الأدب الفلسطيني وفي الأدب المنجز في ما يُسمى دول الطوق حيث كانت آثار الهزيمة باهظة أكثر على كل المستويات وليس على المستوى الثقافي فقط .
الناقد محمد دكروب قال: بمناسبة الحديث عن تجليات النكسة في الثقافة العربية، لا بد من الإشارة إلى أن تأثير النكسة على الثقافة كان ذا وجهين، الأول هو الاستجابة السريعة التي حدثت لدى المبدع العربي أمام هول الكارثة التي حدثت، والثاني أن هذه الاستجابة ترافقت مع تخلي الكاتب والمثقف العربي عن معايير الأدب والكتابة والإبداع لصالح الانغماس في أدب القضية والأيدلوجيا المسبقة . التعاطف أو الانخراط في القضايا النبيلة والعادلة ليس عيباً بالطبع، ولكن المشكلة أن هذا الانخراط غالباً ما يحدث على حساب القيمة الإبداعية للعمل الفني والثقافي . لقد كتب الكثير من النصوص، وخصوصاً الشعرية، عقب النكسة ووقع معظمها في فخ التسرع العاطفي والوجداني . كان هناك الكثير من الصدق في تلك النصوص ولكن الصدق والنوايا الطيبة لا تكفي وحدها لصناعة كتابة جيدة . بشكل عام، يمكن القول إن تاريخ الثقافة العربية والإبداع العربي انقسم إلى ما قبل النكسة وما بعدها . صارت الثقافة محكومة بالنظرة السياسية والأيديولوجية للمثقف والمبدع الذي بات مطالباً بأن يكون عمله انعكاساً مباشراً وشبه حرفي للواقع وأزماته . من هنا تفاقمت الدعوات إلى الأدب الملتزم والفن الملتزم . وبات على الكاتب أن يدافع عن قضايا ومشكلات عاشت طويلاً خارج النص الثقافي والإبداعي . باختصار، بعد هزيمة حزيران، صار الكاتب مسؤولاً مسؤولية مباشرة عن قضايا وطنه ومجتمعه، وباتت مقولة “الفن للفن” تذكر مع كمية كبيرة من الازدراء .
الشاعر حسين بن حمزة قال: ليس سهلاً الحديث عن تجليات النكسة في الثقافة العربية، فقد شكلت هزيمة يونيو/ حزيران 1967 صدمة مدوية في العقل والخيال والإبداع العربي، بحيث باتت شرخاً مفصلياً بين ما قبل الهزيمة وما بعدها . بعد الهزيمة، لم تعد الكتابة ترفاً أو ممارسة فنية وجمالية وحسب . لقد أنزلت الهزيمة المثقف العربي والمبدع العربي من برجه العاجي إلى وحول الواقع وأزماته ومشكلاته وقضاياه المصيرية . بات الأدب جزءاً من عمليات “إزالة أثار العدوان” حسب التسمية السياسية التي شاعت في ذلك الوقت . لنتذكر قصيدة الشاعر نزار قباني الشهيرة “هوامش على دفتر النكسة” التي نعى فيها اللغة القديمة والفكر الذي قاد إلى الهزيمة، معترفاً بأن النكسة حولته من شاعر يكتب الحب والحنين إلى شاعر يكتب بالسكين .
لنتذكر آلاف الصفحات التي سطرها الكتاب، ومئات اللوحات التي رسمها الفنانون، وعشرات الأفلام التي قدمها المخرجون، لقد تحولت النكسة على يد المبدع العربي إلى جرح مفتوح ودائم النزف . لقد أسهمت الثقافة في جعل الهزيمة حدثاً جوهرياً وراسخاً في الوجدان العربي والتايخ العربي . لم يكن قباني أول وآخر المنضمين إلى لائحة الكتّاب الذين أفاقوا على هول الهزيمة التي حدثت . لقد تسرب الحدث الحزيراني إلى أغلب النصوص الشعرية والقصصية والروائية والمسرحية التي أنجزت في تلك الفترة وما تلاها . نتذكر الشاعر أمل دنقل في ديوان “بين يدي زرقاء اليمامة” الذي تنبأ فيه بالهزيمة المقبلة . وكذلك مسرحية “المخاض” لممدوح عدوان الذي كتب أيضاً مسرحية “محاكمة الرجل الذي لم يحارب” . المسرح يأخذنا إلى الحديث عن تجربة أكثر أهمية تمثلت في أعمال سعد الله ونوس، وأهمها مسرحية “حفلة سمر من أجل 5 حزيران” التي كُتبت بعد سنتين على الهزيمة، وهو ما قاده لاحقاً إلى تبني فكرة “تسييس المسرح” .
وفي الرواية قدم نجيب محفوظ مثالاً ساطعاً على استقالة أو الأحرى إقالة الفرد العربي من المشاركة في صناعة الحاضر والمستقبل، وهو ما ظهر في روايته الشهيرة “ثرثرة فوق النيل” . لقد طبعت الهزيمة الحزيرانية مرحلة أدبية وفكرية كاملة . شاعت تسمية “جيل الهزيمة” على كتاب ومبدعي تلك اللحظة المريرة، وبات لدينا “أدب النكسة” و”فكر الهزيمة”، وهو ما يُحيلنا إلى كتاب “الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة” للمفكر ياسين الحافظ .
باختصار، كل ما كتب وأنتج من إبداع عربي بعد النكسة مباشرة وحتى اليوم مدينٌ بطريقة ما لتلك الصدمة التي هزت الوعي العربي، وغيرت المسار الثقافي للأجيال التالية في ثقافتنا العربية.
* الملحق الثقافي