تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : (تحقيق خاص) السياب وعبد الصبور خاتم الشعر في أصبع الحقيقة



رذاذ عبدالله
5 - 6 - 2010, 05:06 PM
السياب وعبد الصبور خاتم الشعر في أصبع الحقيقة





ممدوح السكاف : برحيل صلاح عبد الصبور الشاعر المصري الصميم عام 1981 يهوي الجذع الثاني من جذوع الحداثة الشعرية على أرض الموت.




http://thawra.alwehda.gov.sy/images/694/49.jpg



الجذع الأول الذي هوى قبله كان هو السياب، والسياب ليس رائداً فقط، مكتشف طريق، بل هو الخلية الأولى، الهيولى الأساسية في تجديد جسد الشعر العربي الذي مرت عليه مئات السنين وهو رازح تحت نير شكل واحد وموضوعات متكررة وأدوات توصيلية متشابهة صدئت من تكرار استعمالها، أما عبد الصبور فهو الدم الذي غذىَّ هذه الخلية - الهيولى، بفيض من الألوان والإيقاعات والنسج المحبوك بعناية حتى دب رونق الحياة فيها فأخذت تزدهر وتنمو وتتألق الى ان صار لها مريدون وأنصار ومحبذون، فاستوت على أرض الواقع زهرة ناضرة يفوح منها أريج شذي دفاق استجلب إليه أنوف من يحبون استياف العطر الفاغم المعتصر من أزهار غريبة.‏


أُولع السياب بالرموز والأساطير، إغريقية وفينيقية ووظفها في شعره، وفي رأي نقاده أَنه قليلا ما أفلح في هذا التوظيف وكثيرا ما فشل، لأن استعماله لهذه الأداة الشعرية، أقصد الرموز والأساطير، جاء تركيبياً، تفسيرياً في سياق القصيدة، ولم يذب في كيان العمل الشعري، كان قشرة على السطح ولم يكن بذرة في الأعماق، من هنا جاء الطعم الناشز لهذا الاستخدام المفتعل خاصة أنه حدث في بداية حركة التجديد، فكان تَقَبُّل القراء، بله النقاد، له محدوداً، قليل الفاعلية، أما عبد الصبور فلم يلجأ لمثل هذه الأداة إلاّ نادراً، وإنما استقى الروح المصري، الشارع، الناس، الهموم، أغوار النفس،‏




http://thawra.alwehda.gov.sy/images/694/26.jpg



طموحات الإنسان إلى عالم الفرح،التفكير بالزمن، والموت، والعلاقات العاطفية الرومنسية، أبجدية الغيوم الروحية، إيقاع الحياة اليومي للمواطن المصريّ الطيّب القدري، المفارقات الطبقية وسوى ذلك، وصاغ منها نشيداً عذباً بلغة إنسانية شفافة واستعمالات شعرية تترواح بين ترسبات التراث والموروث في النسج الشعري لنصِّه وآفاق الحداثة في الموسيقى والإيحاء والرمز الموضوعي _ اللفظي، المتواصل مع ثقافة القارئ.


جاء حزن السياب في شعره نتيجة أوضاعه الاجتماعية البائسة وبالتالي أوضاع العراق خلال فترة الحكم الملكي والإقطاع والاستغلال، ونتيجة مرضه المزمن الذي كان يحت جسده حتّاً ويشلّه تدريجياً، ونتيجة إخفاقه في الحب وعالم المرأة والحلم بإقامة علاقة معها، وحتى نتيجة الإشكالات الشعرية والأيديولوجية التي صاحبت حياته، وتذبذب قناعاته ومصالحه بين التيار الماركسي، وتيار حركة مجلة _ شعر _ وتيار القومية العربية، مما طبع شعره بالألم الروحي والجسديّ النازف وحالات القهر والاستلاب والمعاناة، بينما جاء حزن عبد الصبور حاصل فلسفة صوفية ووجد عميق تجاه الكون والطبيعة والإنسان والأشياء والموجودات... ويدافع شاعرنا الراحل صلاح عن حزنه قائلا «يصفني النقاد بأنني حزين، ويدينني بعضهم بحزني طالباً إبعادي عن مدينة المستقبل السعيدة بدعوى أنني أُفسد أحلامها وأمانيها بما أبذره من بذور الشك في قدرتها على تجاوز واقعها المزدهر إلى مستقبل أزهر. وقد ينسى هذا الكاتب أو ذلك أن الفنانين والفئران هم أكثر الكائنات استشعاراً للخطر ولكن الفئران حين تستشعر الخطر تعدو لتلقي نفسها في البحر هرباً من السفينة الغارقة. أما الفنانون فإنهم يظلون يقرعون الأجراس ويصرخون بملء الفم حتى ينقذوا السفينة أو يغرقوا معها « بهذا الكلام كان يرد صلاح عبد الصبور على النقاد الذين يأخذون عليه _ حزنه _ غير أنه يستطرد في مكان آخر ليقول: _لست حزيناً ولكنني أتألم _إلى أن توقف قلب الشاعر عن النبض، ولعل هذا التوقف كان الوسيلة الأخيرة لصراخه من اجل إنقاذ السفينة فيأتي الموت بديلاً من الصراخ وبديلاً من قتل الربان ومشاهدة العلم المنتصب في أعلى السارية ممزقاً بأنياب القرش...‏


السياب وعبد الصبور كلاهما تأثر بالثقافة الإنكليزية في جناحها الشعري وكلاهما تأثر بـ « ت. س. إليوت « على وجه الخصوص شاعراً وناقداً، لكن بينما اتجه السياب في تأثره إلى مفهوم الرموز و الأساطير المختلفة وإِدخالها إلى الشعر العربي الحديث كان تأثر عبد الصبور بإليوت منصباً على استعمال لغة الحياة اليومية، والبساطة الموحية للسان الشعبي في شعره، لذا جاءت لغة السياب الشعرية أقرب إلى الجزالة والفحولية والتراثية المعمقة مصبوبة في غابات من استخدام الرموز والأساطير غير العربية على الأغلب، على حين جاءت لغة عبد الصبور في أكثر قصائده أقرب إلى العفوية والسيولة والتخاطب العادي البعيد عن خشونة البلاغة القديمة مصبوبة في إطار شبكة العلاقات الحياتية للإنسان المحبط المنكسر المتهاوي كقوله مثلا « وشربت شاياً في الطريق، ورتقت نعلي « الذي أثار عليه غضبة النقاد اللغويين المتعصبين للقديم، إضافة إلى غيره من التعابير السائدة في الحديث اليومي للناس.‏


وإذا كانت مغامرة الرموز والأساطير هي المعلم الرئيس والتجربة الجديدة في جماع أعمال السياب الشعرية إضافة إلى كونه الرائد الأول والمفجر الحقيقي لحركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر، فإن عبد الصبور كان له تميزه هو الآخر في مسار رحلته الشعرية إذ خطا خطوة نحو التصوف عن طريق _ الحلاج _ مرةً وعبر نقاط الالتقاء المتلبسة بين علم النفس الحديث والتصوف مرة ثانية لكن عبد الصبور، كما يقول دارسه سمير الصايغ، بقدر ما تقدم ابتعد فظل التصوف في شعره مغلقاً على ذاته وبدلاً من أن يكشف الحجب أسدلها، ذلك أن التصوف جاء في شعره خصوصا في الحلاج _ بديلاً عن الأسطورة التي يتطلع إليها الشعر العربي الحديث واستجابة لمنطلقات وشعارات ثقافية نادت بمزيد من تواصل هذا الشعر الجديد مع ماضيه.. وقد يحق للناقد القول إن تصوف عبد الصبور كان من زاويةٍ ما مادّة ثقافية تراثية لا تجربة ذاتية عيانية مستمدة من معاناة شخصية. أي لا ذوقاً وكشفاً ووارداً وتمثُّلاً عميقاً لتجربة حلولية وذلك على حساب شطحات المصطلحات الصوفية المتوارثة وحالات أعلامها، فعبد الصبور أخذ من الحلاج الخبر والحادثة ولكنه لم يأخذ الرؤيا الروحية، إن بين الخبر والرؤيا مسافة ليست طويلة فحسب بل هي حجاب، ثم إنه أسقط هذا الخبر وتلك الحادثة في دلالتيهما الثقافيتين على الواقع الراهن، أي قام بما يسمى في المصطلح النقدي الحديث بعملية _ الإسقاط التاريخي _ فانغلق التصوف عنده من جديد، أما في اقترابه الثاني فقد كان صلاح عبد الصبور يدور في مدار الوجد الصوفي ويروي أوضاع النفس في أحزانها وآلامها وإحباطاتها وتشوقاتها، وهكذا التبست في تجربته هذه الحدود الفاصلة بين موارد علم النفس وخصائصه وبين أمراض التصوف...ومقاماته العرفانية.‏


لم يتح للسياب في عمره القصير نسبياً أن يدخل المسرح الشعري بل اكتفى بالريادة: أولاً في تفجير الثورة على الشكل السلفي للشعر، وبمغامرة استعمال الرموز والأساطير في شعره ثانيا، بينما خاض عبد الصبور معركة المسرح الشعري فقدم مسرحياته الشعرية الأربع _ «مأساة الحلاج»، «مسافر ليل»، «الأميرة تنتظر» ، «ليلى والمجنون» _ فحقق بذلك إضافة إلى تجربة التصوف تميزاً ثانياً هو الكتابة للمسرح بلغة الشعر متابعاً في هذا الطريق أحمد شوقي الرائد الأول لهذا الفن الجديد في الأدب العربي الحديث وقد يعاب كثير من العيوب على مسرح عبد الصبور كأن يقال عن نصه المسرحي إنه جاء في الجو الشعري _ الفكري وتسرَّبَ إليه من دون أن يحقق المواقف الدرامية التي تشق الورق وتخرج إلى الحياة، وأنه غلّب التقرير على التصوير، وأنه أغرق شخصياته في ضباب الحلم ونأى بها عن نبض الواقع، وأنه استرسل في الحوار الشعري وأطال فغدا هذا الحوار أحياناً كأنه قصائد شعرية قائمة بذاتها وليس حواراً يعبر عن واقع الشخصية المسرحية في إطار النص المكتوب فترهل العمل المسرحي لديه وتراخت أجزاؤه وفقد وحدته العضوية وشحنته العاطفية، قد يقال كل ذلك وأكثر منه، لكن يبقى أن عبد الصبور في تجربته الشعرية المسرحية هذه أضاف إلى محاولات الكتابة للمسرح، إضافة معقولة على طريق التطور إلى الأمام في ميدان الأدب العربي المُحَدَّث وخاصة في استخدامه « شعر التفعيلة « وتطويعه لهذا الغرض الشّاق على النثر فكيف بالشعر، وإن تكن محاولات الشعراء العرب في التصدي للمسرح بدءاً من _ مصرع كليوباترة _ لأحمد شوقي، مروراً بمأساة «الفتى مهران» لعبد الرحمن الشرقاوي وصولا إلى _ ليلى والمجنون _ لعبد الصبور لم تستطع أن تخلق مسرحاً شعرياً حقاً كما هو في إبداعه لدى الغربيين. لكن من المفيد أن نقول إن شاعرنا كتب للمسرح بلغة الشعر متأثراً بقولة ت.س إليوت: _ إن الوساطة المثلى للشعر والوسيلة الأكثر مباشرة من أجل « المنفعة» الاجتماعية للشعر هي المسرح _.‏


لا ريب أن السياب، وخاصة بعد مماته، قد نال حقه من الدراسة والنقد والقراءة المستحدثة لشعره. فما أكثر البحوث التي كتبت حول تجربته الشعرية، بل إن كتباً مطولة ورسائل ماجستير، ودكتوراه في الأدب العربيّ الحديث بله الأجنبيّ نشرت عنه، قد يكون في مقدمتها كتب الدكتور إحسان عباس وكمال بلاطه والدكتور عبد الكريم الحسن، ولا ريب أيضاً أن صلاح عبد الصبور نال من الباحثين والدارسين والنقاد الاهتمام نفسه الذي ناله السياب إن لم يكن أكثر خاصة أن عبد الصبور قد كتب في ثلاثة فنون أدبية أولها فن الشعر، وثانيها فن المسرحية الشعرية، وثالثها فن الدراسات الأدبية إن لم نقل النقد الأدبي.‏


وللذكرى السنويّة الأولى لممات عبد الصبور نُشرت تباعاً شهادات فيه وفي شعره لعدد من الشعراء العرب كان في مقدمتهم مجايل عبد الصبور الشاعر السوداني محمد مفتاح الفيتوري الذي كتب يقول: «لم يفاجئني رحيله. إنه لا يرحل وحده. جيل من الشعراء، يرحل معه، جيل من الأرواح المنكسرة « وبعد أن يستعرض الفيتوري صعود حركة الفن والأدب في مصر خلال بداية الخمسينيّات ومشاركة عبد الصبور وفعاليته في رفدها، يختتم شهادته بصديقه الشاعر الراحل قائلاً: «علي أن ألقي بعض الضوء على علاقتي المبكرة بشاعر الحزن المصري النبيل، شاعر الانكسار الرائع صلاح عبد الصبور. هل كان في إمكانه أن يكون غير ما كان عليه؟.. أن تخلو أعماله الشعرية، على أصالتها وعمق تجربتها، من كبرياء التحدي وعنف المواجهة؟.‏


كان شعره أبعد ما يكون عن الضجيج. كان نقشاً مصرياً فوق شفتين جافتين. كنت أعرف أن همه الكبير يكمن في داخله. لا يمتلك القدرة على البوح به، وليست لديه القدرة على نسيانه..


شعراء آخرون من جيله تقمصوا رداء البطولة، وكان في إمكانه ادعاؤه، إلا أنه آثر الصدق والبراءة، إنه حبة في عنقودٍ أنتمي إليه. وانفراطه يعني بداية انفراط جميع حبات العنقود «.وقد صدق حدس الفيتوري فتتالى رحيل الروّاد العمالقة في أجيال شعر الحداثة: خليل حاوي، البياتي، أمل دنقل، نزار قباني، محمود درويش، وسواهم.. وسواهم ممن غابت أسماؤهم عن الذاكرة.‏


يموت السياب بعد رحلة عذاب مضنية أمضّه خلالها الألم العارم في عموده الفقري وفي ساقيه إضافة إلى الفقر اللافح يثقب جيبه شبه الخاوي وتنقّله بين المستشفيات العربية والأجنبية للمعالجة،مات جسداً موتاً مادياً يصيب جميع الناس ولكنه ذكراً وشعراً سيبقى شعلة مضيئة سطعت في ليلٍ من التقليد الاجتماعي والشعري، فأنارت بلهبها ولهيبها عصراً جديداً من حداثة لا مثيل لها في الابتكار وفي شعر الحداثة العربية.‏


يموت صلاح عبد الصبور ويترك لنا الأسئلة الهائمة قابعة في مكانه الموحش الحزين ومكانها الرَّمادي القلق.. كيف نثبت خاتم الشعر في إصبع الحقيقة، وكيف نستردّ الغبار الذي أثرناه ذات يوم بأيدينا وقصّرنا عنه وعن استبيان مراميه وأهدافه النبيلة.‏


* الثورة السوريــة،،