رذاذ عبدالله
27 - 6 - 2010, 06:36 PM
خوسيه ساراماغو قبل رحيله:
أكتب بطريقة الشجرة التي تنمو
http://www.alkhaleej.ae/uploads/gallery/2010/06/25/105239.jpg
القرن الواحد والعشرين والجائز على جائزة نوبل في عام ،1998 عن 87 عاماً، لم يتم استقبال نتاجه الأدبي، ذي الأصالة الكبرى وأحياناً ذي نبرة تحريضية، بصورة طيبة في بلاده .
عاش ساراماغو في منفاه الإسباني في جزر الكناري، ملتزماً بمواقفه السياسية، جعلت منه وعياً أخلاقياً بلا منازع، ولكنه مسموع في العالم بأسره .
ولد خوسيه دو سوزا ساراماغو في عام 1922 لعائلة فقيرة في ريباتيخو، في الثانية من عمره، انتقلت العائلة إلى ليشبونة، لعمل والده كشرطي . دوماً، يذكر الكاتب الفلاحين وجده ذا الجذور الأمازيغية، في مراهقته، اضطر إلى ترك الدراسة لأسباب مادية وتابع تكويناً مهنياً، وكعصامي، مارس العديد من المهن (رسام صناعي، مصحح . .)، عمل أكثر من اثنى عشر عاماً في العديد من دور النشر، قبل أن يتجه إلى الصحافة .
نشر أولى رواياته “أرض الخطيئة” في عام 1947 . تبعها برواية، سرعان ما رفضتها كافة دور النشر . حتى إن ديوانه الأول “القصائد الممكنة”، الذي أتمه في الفترة نفسها، لم ير النور إلا في عام 1966 .
وفي سن الثامنة والخمسين، ولج ساحة الأدب بروايته: “مرفوعاً عن الأرض عام ،1976 غير أن روايته “الاله الأكتع” هي التي منحته سمعة أدبية طيبة ونجاحا عالمياً: ساراماغو بدأ متأخراً للغاية في الكتابة، لأنه لم يملك شيئاً يقوله، على الرغم من روايته الأولى المنشورة في عام 1947بعنوان “أرض الخطيئة” . رواياته الحقيقية، المنشورة في بداية الثمانينات، تنتمي إلى ازدهار الرواية التاريخية البرتغالية المفاجئ . اليوم، يعمل التاريخ على محوها، ولكن ليس الذاكرة . يقول: “للتاريخ علاقة حميمية بالذاكرة ولا يمكن أن نتحدث به ونحن نعمل على أن نتناسى ليس فقط الموت وإنما على وجه الخصوص الموتى في كافة رواياتي، هناك مقبرة، كأنني أقول في نفسي: هو ذا البحر، هي ذي الأمواج التي تأتي بصحبته، والزبد أيضاً، والشمس التي تغسل كل شيء، ونحن، أحياء اليوم، هذه الموجة التي يدفعها البحر .
تتملكني هذه الفكرة منذ زمن كأنني موجود هنا اليوم، البارحة، قبل البارحة، في القرن التاسع عشر، في القرن الرابع عشر، كأنني كنت هنا منذ بدء الخليقة . أحمل في دواخلي الزمن بكامله، وهكذا عبر الموتى، الذاكرة، الذاكرة” (عن ستيفان بوكيه، ليبراسيون، 16 مايو/أيار 2000) .
مناصر متحمس للقضية الفلسطينية، وسبب الكثير من الجدل حول أرائه المضادة للسياسات “الإسرائيلية” .
(المترجم)
روايتك التاسعة عشرة تصدر هذه الأيام في البرتغال، وقبلها السابقة (“رحلة الفيل”، دار سوي 2009) المترجمة إلى الفرنسية: في السادسة والثمانين، أنت مؤلف نتاج غزير، بما أنك عصامي . كيف قدمت الى الكتابة؟
ولدت في قرية صغيرة من قرى البرتغال لعائلة من المزارعين، لا تملك أرضاً وأمية، لم أدرس دراسات جامعية، لظروف اقتصادية، ولكن أيضاً إنه من غير المعقول، وقتذاك، أن يحققها فرد في مثل ظروفي . تحصلت على تكوين حداد، وهي مهنة مارستها لفترة لا بأس بها في ليشبونة، ومع ذلك، أتذكر أنني لما كنت شاباً في سن الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة - قلت لأقراني خلال المحادثات المتبادلة بيننا إنني أتمنى أن أكون كاتباً، كانت مزجة في المنزل، لم أكن أمتلك كتاباً، لم أنشأ وسط الكتب، وكان لزاماً عليّ الذهاب إليها، أمضيت حياتي أتردد كل مساء على المكتبة البلدية لليشبونة حيث من دون أن يفرضها أحد علي أو أن يكون لدي معلم يرشدني أو يوجه قراءاتي رحت أقرأ، قراءة، قراءة، قراءة . حقاً، أنا عصامي لست خجلاً ولا فخوراً - وإنما قرأت كثيراً، والقراءة دوماً هي الوسيلة الوحيدة لتعلم الكتابة، حتى وإن لم يصبح كافة القراء الكبار، بالتأكيد، كتاباً .
وفي سن الثالثة والخمسين قررت أن تكون الكتابة مهنتك، لماذا هذا الكشف المتأخر؟
ليس لدي أي تفسير، دوماً كتبت، منذ المراهقة، حتى إنني أصدرت رواية في سن الخامسة والعشرين، ثم كتبت قصائد عندما بلغت الرابعة والأربعين، ولكن علمتني بداياتي أنني ليس لدي ما أقوله، وفي هذه الحالة، من الأفضل الصمت، وبدأ الانعطاف فجأة، في نهاية السبعينات، من دون أن أعرف لماذا ولا كيف، كنت بصدد كتابة “مرفوعاً عن الأرض”، بعد أن مكثت سنوات عديدة في اقليم آلينتجو الخالي والقروي، شيء ما بداخلي قال لي إن هذا الكتاب لن يكون كتاباً زائداً، توقعت أنه سوف يحقق شيئاً مختلفاً .
وشرعت أكتب، كانت الصفحات الأولى مكتوبة بلغة توافقية كلياً، مثل التي أستخدمها حتى اليوم: توجد كافة علامات الوقف المألوفة، ثم وفجأة، نحو الصفحة العشرين، أخذت أكتب بالطريقة التي أصبحت مع الوقت طريقتي، جملاً طويلة تمتزج فيها أصوات مختلف الأبطال، ويتشابك الخطاب غير المباشر للراوي وحوارات الشخصيات في جملة واحدة، بل وفي الجملة نفسها، في تدفق سردي موزون بفرادة عبر فواصل ونقاط، كما الوقفات الطويلة نوعاً ما .
وهذا ما شكل منعطفاً في حياتي ككاتب: إغراء دفعني فجأة إلى هجر نمط سردي لكي يوجهني إلى هذا البعد من الكتابة، مثلما نجتاز حدوداً، حرر انبثاق هذه اللغة شيئاً ما عميقا في داخلي .
جعل القراء مني كاتباً في الحقيقة، لم أصبح كاتباً إلا في اللحظة التي أصبح لي فيها جمهوراً، مع “مرفوعاً من الأرض” . هذا الوعي بقراءة الآخرين حدد بصورة من الصور عملي . إنها العلاقة العاطفية الغريبة التي تتوطد بين القراء والكاتب التي تدخله إلى مهنة الكتابة .
بالتالي، في شيء من الغاء علامات الوقف، وجد جوزيه ساراماغو صوته؟
لا يتعلق الأمر بالغاء علامات الوقف، أعتقد أننا نتحدث بالعناصر نفسها التي نتعامل بها مع الموسيقا، أصوات ووقفات، قصيرة أو طويلة .
طبقت هذا المبدأ الشفاهي والموسيقي على أسلوب من دون المحافظة إلا على الكلمات والوقفات والفواصل والنقاط . هذه الطريقة الكتابية تمنح القيمة النغمية للجملة، حيث يقارب التنظيم المكتوب من الشفاهي، ولكن حذار، من اللازم ألا يتعلق الأمر بنقل الخطاب الشفاهي إلى المكتوب، الذي لا يعمل أبداً، وإنما نقل آلية اللغة المنطوقة إلى المكتوب في الواقع، هذه النبرة ليست نبرة ملفوظة، وإنما بالمعنى الذي يمكن من أن تكون كلماتي مسموعة جيداً .
كيف جاءتك فكرة حكي ، في روايتك الأخيرة، قصة فيل، اسمه سليمن، مُهدى من ملك البرتغال جواو الثالث إلى آرشيدوق فيينا، واجتاز كافة أنحاء أوروبا في 1555؟
أثناء العشاء في فيينا، حيث كنت أعطي محاضرة، حكوا لي هذه القصة العجيبة، وإنما الحقيقية، في هذا الشأن، “رحلة الفيل” عمل استثنائي . هذا الموضوع جاءني من الخارج .
عادة، الحكايات التي أحكيها توجد داخلي . بمعنى أنها توجد من قبل وتحتاج فقط إلى أحد ما لكتابتها . مسعى تداعي الأفكار مهم جداً في طريقة إبداعي . أنا تابع للغاية للأفكار التي تجتازني . لا أجلس إلى المنضدة قائلاً لنفسي إنني من اللازم أن أكتب كتاباً وأفكر في الموضوع . أنتظر في صبر أن تنبجس فكرة في أعماق داخلي . بالنسبة لروايتي “العمى”، كنت في مطعم، مكان غير ملهم إلى حد ما . وفجأة، طرأ سؤال في ذهني: “ماذا لو كنا جميعاً من العميان؟”، أجبت من فوري: “ولكننا جميعاً عميان!”، ومن هذه النواة التافهة، تطورت الحكاية .
والباقي ينساب من المنبع؟
لست من الذين يعيشون الكتابة كمعاناة، ولكنها ليست بالأمر الهين . الكتابة عمل . من الضروري أن تصارع، تصارع لأجل التعبير الصحيح، لأجل التعبير الأكثر نجاحاً من وجهة النظر الجمالية . أحياناً، هناك لحظات صعبة .
وهناك لحظات تمضي كأن عضلاتك ساخنة جيداً . هذه المقاطع غامضة إلى درجة أن القارئ سيمنحها انطباعاً بسيطاً . هذا الغموض، غموض الكتابة، لا يصنع أو بالأحرى أنه موجود، أو غير موجود، لست من النوع الذي يكتب تخطيطات ولا مسودات رواياته، أكتب بطريقة الشجرة التي تنمو . تكبر، تكبر، تكبر، حتى تبلغ القامة التي يجب أن تكون قامتها . بالمثل، الحكاية التي أكتبها تكبر حتى تبلغ القامة التي يجب أن تكون عليها، حينما يقول الكتاب كل ما لديه للقول ولا يشير إلى أنه من الضروري الوقوف هنا .
ما الذي أثار اهتمامك في هذه الطرفة الراجعة الى القرن السادس عشر؟
يجب أن أعترف أن الطرفة التاريخية البسيطة لا يمكن أن تستحق رواية . بيد أن النهاية التراجيكو - هزلية لهذا الفيل حفزتني إلى كتابتها . بعد أن قدم من الهند، واجتاز أوروبا من البرتغال إلى فيينا، وانتصر على جبال الألب، توفي بعد عام في حديقة الحيوان الخاصة بالآرشيدوق، قرروا أن يقطعوا قوائمه كي يصنعوا حاملات مظلات على مدخل القصر . يا للسخرية، بعد كل هذه الرحلة السياحية، حاملات مظلات، يا للاستعارة الرائعة عن عبثية الوجود: تفاهة السلطة، خواء حياتنا حيث تنتشر العجرفة والطموح والابتذال والزهو . وبدقة، لماذا كل هذا؟ من دون هذه الخاتمة العجيبة، لم أكتب هذه الرواية أبداً . لا أحكي أبداً حكايات فقط لكي أحكي حكايات . هذا هدف مشروع أدبيا فعلاً، وهنا ليس السؤال، ولكنني لست من أنصاره .
في الحقيقة، نتاجك ملتزم . كيف ترى إلى العلاقة بين الأدب والالتزام؟
ككاتب، لا أشعر بوجوب دفاعي عن بعض الأفكار . بيد أنني كاتب وأيضاً مواطن، من دون ضرورة الفصل بين هذين البعدين . هنا حيث يذهب الكاتب يذهب مواطن العالم أيضاً، وإذا كان المواطن الكاتب، الذي أكونه، ينشغل بالمجتمع الذي يحيطه، إذا اهتم بالسياسة جدياً، بالتالي سينعكس كل هذا على نتاجه، وهذا لا يعني أنني أمضيت حياتي أكتب منشورات سياسية . لم أخدم الأدب بنهايات سياسية مباشرة . بالتأكيد، أفكاري موجودة بصورة ما في كتاباتي، ولكن الحكايات التي أرويها تدرك أشياء أخرى .
بالتالي، بالنسبة لك، الأدب غير وهمي؟
ليس لدي إجابة عن هذا السؤال . الأدب ليس وهمياً . غير أنه لن ينقذ العالم . ولو كان كفؤاً، لحققته منذ زمن . بالتأكيد، أثر بعض الكتب في مجرى التاريخ:رأس المال لماركس، الانجيل .
غير أنهما ليس كتابين أدبيين . ثم، من الضروري عدم نسيان أن القراء الحقيقيين، الذين يجعلون من القراءة شيئاً مهماً في حياتهم، قليلون . لا أعرف إذا كان على الكاتب أن يوقظ ظروف مواطنيه، غير أنني أعتقد أن القارئ يقرأ في الحقيقة، لكي يرفه عن نفسه . بعيداً عن أن يغيرنا، الشخصيات التي تلازم حياتنا فترة من الزمن، تسمح لنا بالقول: “أنا أيضا هكذا” .
في سن السادسة والثمانين . ما الذي يدفعك إلى الكتابة؟
الشيء نفسه لدى الجميع: الحاجة الإنسانية الملحة للتواصل . في إحدى قصائد شبابي،كتبت هذه الجملة: “أن أحداً يصمت مثلما صمت . لن يموت من دون أن يقول كل شيء” . كنت دوماً متحفظاً، سهل المعاشرة إلى حد ما . ولكن هذا صحيح، أستطيع أن أنبس بها اليوم: في سن السادسة والثمانين، بما أنني أعرف سنوات عمري، نجحت في قول كل شيء، كتابي القادم، الذي سوف يصدر في البرتغال خلال الخريف ولا أستطيع الكلام عنه، من الممكن أن أعده نقطة النهاية لنتاجى . كل ما سأقوله بعد ذاك لن يزيد من الأمر شيئاً .
أكتب بطريقة الشجرة التي تنمو
http://www.alkhaleej.ae/uploads/gallery/2010/06/25/105239.jpg
القرن الواحد والعشرين والجائز على جائزة نوبل في عام ،1998 عن 87 عاماً، لم يتم استقبال نتاجه الأدبي، ذي الأصالة الكبرى وأحياناً ذي نبرة تحريضية، بصورة طيبة في بلاده .
عاش ساراماغو في منفاه الإسباني في جزر الكناري، ملتزماً بمواقفه السياسية، جعلت منه وعياً أخلاقياً بلا منازع، ولكنه مسموع في العالم بأسره .
ولد خوسيه دو سوزا ساراماغو في عام 1922 لعائلة فقيرة في ريباتيخو، في الثانية من عمره، انتقلت العائلة إلى ليشبونة، لعمل والده كشرطي . دوماً، يذكر الكاتب الفلاحين وجده ذا الجذور الأمازيغية، في مراهقته، اضطر إلى ترك الدراسة لأسباب مادية وتابع تكويناً مهنياً، وكعصامي، مارس العديد من المهن (رسام صناعي، مصحح . .)، عمل أكثر من اثنى عشر عاماً في العديد من دور النشر، قبل أن يتجه إلى الصحافة .
نشر أولى رواياته “أرض الخطيئة” في عام 1947 . تبعها برواية، سرعان ما رفضتها كافة دور النشر . حتى إن ديوانه الأول “القصائد الممكنة”، الذي أتمه في الفترة نفسها، لم ير النور إلا في عام 1966 .
وفي سن الثامنة والخمسين، ولج ساحة الأدب بروايته: “مرفوعاً عن الأرض عام ،1976 غير أن روايته “الاله الأكتع” هي التي منحته سمعة أدبية طيبة ونجاحا عالمياً: ساراماغو بدأ متأخراً للغاية في الكتابة، لأنه لم يملك شيئاً يقوله، على الرغم من روايته الأولى المنشورة في عام 1947بعنوان “أرض الخطيئة” . رواياته الحقيقية، المنشورة في بداية الثمانينات، تنتمي إلى ازدهار الرواية التاريخية البرتغالية المفاجئ . اليوم، يعمل التاريخ على محوها، ولكن ليس الذاكرة . يقول: “للتاريخ علاقة حميمية بالذاكرة ولا يمكن أن نتحدث به ونحن نعمل على أن نتناسى ليس فقط الموت وإنما على وجه الخصوص الموتى في كافة رواياتي، هناك مقبرة، كأنني أقول في نفسي: هو ذا البحر، هي ذي الأمواج التي تأتي بصحبته، والزبد أيضاً، والشمس التي تغسل كل شيء، ونحن، أحياء اليوم، هذه الموجة التي يدفعها البحر .
تتملكني هذه الفكرة منذ زمن كأنني موجود هنا اليوم، البارحة، قبل البارحة، في القرن التاسع عشر، في القرن الرابع عشر، كأنني كنت هنا منذ بدء الخليقة . أحمل في دواخلي الزمن بكامله، وهكذا عبر الموتى، الذاكرة، الذاكرة” (عن ستيفان بوكيه، ليبراسيون، 16 مايو/أيار 2000) .
مناصر متحمس للقضية الفلسطينية، وسبب الكثير من الجدل حول أرائه المضادة للسياسات “الإسرائيلية” .
(المترجم)
روايتك التاسعة عشرة تصدر هذه الأيام في البرتغال، وقبلها السابقة (“رحلة الفيل”، دار سوي 2009) المترجمة إلى الفرنسية: في السادسة والثمانين، أنت مؤلف نتاج غزير، بما أنك عصامي . كيف قدمت الى الكتابة؟
ولدت في قرية صغيرة من قرى البرتغال لعائلة من المزارعين، لا تملك أرضاً وأمية، لم أدرس دراسات جامعية، لظروف اقتصادية، ولكن أيضاً إنه من غير المعقول، وقتذاك، أن يحققها فرد في مثل ظروفي . تحصلت على تكوين حداد، وهي مهنة مارستها لفترة لا بأس بها في ليشبونة، ومع ذلك، أتذكر أنني لما كنت شاباً في سن الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة - قلت لأقراني خلال المحادثات المتبادلة بيننا إنني أتمنى أن أكون كاتباً، كانت مزجة في المنزل، لم أكن أمتلك كتاباً، لم أنشأ وسط الكتب، وكان لزاماً عليّ الذهاب إليها، أمضيت حياتي أتردد كل مساء على المكتبة البلدية لليشبونة حيث من دون أن يفرضها أحد علي أو أن يكون لدي معلم يرشدني أو يوجه قراءاتي رحت أقرأ، قراءة، قراءة، قراءة . حقاً، أنا عصامي لست خجلاً ولا فخوراً - وإنما قرأت كثيراً، والقراءة دوماً هي الوسيلة الوحيدة لتعلم الكتابة، حتى وإن لم يصبح كافة القراء الكبار، بالتأكيد، كتاباً .
وفي سن الثالثة والخمسين قررت أن تكون الكتابة مهنتك، لماذا هذا الكشف المتأخر؟
ليس لدي أي تفسير، دوماً كتبت، منذ المراهقة، حتى إنني أصدرت رواية في سن الخامسة والعشرين، ثم كتبت قصائد عندما بلغت الرابعة والأربعين، ولكن علمتني بداياتي أنني ليس لدي ما أقوله، وفي هذه الحالة، من الأفضل الصمت، وبدأ الانعطاف فجأة، في نهاية السبعينات، من دون أن أعرف لماذا ولا كيف، كنت بصدد كتابة “مرفوعاً عن الأرض”، بعد أن مكثت سنوات عديدة في اقليم آلينتجو الخالي والقروي، شيء ما بداخلي قال لي إن هذا الكتاب لن يكون كتاباً زائداً، توقعت أنه سوف يحقق شيئاً مختلفاً .
وشرعت أكتب، كانت الصفحات الأولى مكتوبة بلغة توافقية كلياً، مثل التي أستخدمها حتى اليوم: توجد كافة علامات الوقف المألوفة، ثم وفجأة، نحو الصفحة العشرين، أخذت أكتب بالطريقة التي أصبحت مع الوقت طريقتي، جملاً طويلة تمتزج فيها أصوات مختلف الأبطال، ويتشابك الخطاب غير المباشر للراوي وحوارات الشخصيات في جملة واحدة، بل وفي الجملة نفسها، في تدفق سردي موزون بفرادة عبر فواصل ونقاط، كما الوقفات الطويلة نوعاً ما .
وهذا ما شكل منعطفاً في حياتي ككاتب: إغراء دفعني فجأة إلى هجر نمط سردي لكي يوجهني إلى هذا البعد من الكتابة، مثلما نجتاز حدوداً، حرر انبثاق هذه اللغة شيئاً ما عميقا في داخلي .
جعل القراء مني كاتباً في الحقيقة، لم أصبح كاتباً إلا في اللحظة التي أصبح لي فيها جمهوراً، مع “مرفوعاً من الأرض” . هذا الوعي بقراءة الآخرين حدد بصورة من الصور عملي . إنها العلاقة العاطفية الغريبة التي تتوطد بين القراء والكاتب التي تدخله إلى مهنة الكتابة .
بالتالي، في شيء من الغاء علامات الوقف، وجد جوزيه ساراماغو صوته؟
لا يتعلق الأمر بالغاء علامات الوقف، أعتقد أننا نتحدث بالعناصر نفسها التي نتعامل بها مع الموسيقا، أصوات ووقفات، قصيرة أو طويلة .
طبقت هذا المبدأ الشفاهي والموسيقي على أسلوب من دون المحافظة إلا على الكلمات والوقفات والفواصل والنقاط . هذه الطريقة الكتابية تمنح القيمة النغمية للجملة، حيث يقارب التنظيم المكتوب من الشفاهي، ولكن حذار، من اللازم ألا يتعلق الأمر بنقل الخطاب الشفاهي إلى المكتوب، الذي لا يعمل أبداً، وإنما نقل آلية اللغة المنطوقة إلى المكتوب في الواقع، هذه النبرة ليست نبرة ملفوظة، وإنما بالمعنى الذي يمكن من أن تكون كلماتي مسموعة جيداً .
كيف جاءتك فكرة حكي ، في روايتك الأخيرة، قصة فيل، اسمه سليمن، مُهدى من ملك البرتغال جواو الثالث إلى آرشيدوق فيينا، واجتاز كافة أنحاء أوروبا في 1555؟
أثناء العشاء في فيينا، حيث كنت أعطي محاضرة، حكوا لي هذه القصة العجيبة، وإنما الحقيقية، في هذا الشأن، “رحلة الفيل” عمل استثنائي . هذا الموضوع جاءني من الخارج .
عادة، الحكايات التي أحكيها توجد داخلي . بمعنى أنها توجد من قبل وتحتاج فقط إلى أحد ما لكتابتها . مسعى تداعي الأفكار مهم جداً في طريقة إبداعي . أنا تابع للغاية للأفكار التي تجتازني . لا أجلس إلى المنضدة قائلاً لنفسي إنني من اللازم أن أكتب كتاباً وأفكر في الموضوع . أنتظر في صبر أن تنبجس فكرة في أعماق داخلي . بالنسبة لروايتي “العمى”، كنت في مطعم، مكان غير ملهم إلى حد ما . وفجأة، طرأ سؤال في ذهني: “ماذا لو كنا جميعاً من العميان؟”، أجبت من فوري: “ولكننا جميعاً عميان!”، ومن هذه النواة التافهة، تطورت الحكاية .
والباقي ينساب من المنبع؟
لست من الذين يعيشون الكتابة كمعاناة، ولكنها ليست بالأمر الهين . الكتابة عمل . من الضروري أن تصارع، تصارع لأجل التعبير الصحيح، لأجل التعبير الأكثر نجاحاً من وجهة النظر الجمالية . أحياناً، هناك لحظات صعبة .
وهناك لحظات تمضي كأن عضلاتك ساخنة جيداً . هذه المقاطع غامضة إلى درجة أن القارئ سيمنحها انطباعاً بسيطاً . هذا الغموض، غموض الكتابة، لا يصنع أو بالأحرى أنه موجود، أو غير موجود، لست من النوع الذي يكتب تخطيطات ولا مسودات رواياته، أكتب بطريقة الشجرة التي تنمو . تكبر، تكبر، تكبر، حتى تبلغ القامة التي يجب أن تكون قامتها . بالمثل، الحكاية التي أكتبها تكبر حتى تبلغ القامة التي يجب أن تكون عليها، حينما يقول الكتاب كل ما لديه للقول ولا يشير إلى أنه من الضروري الوقوف هنا .
ما الذي أثار اهتمامك في هذه الطرفة الراجعة الى القرن السادس عشر؟
يجب أن أعترف أن الطرفة التاريخية البسيطة لا يمكن أن تستحق رواية . بيد أن النهاية التراجيكو - هزلية لهذا الفيل حفزتني إلى كتابتها . بعد أن قدم من الهند، واجتاز أوروبا من البرتغال إلى فيينا، وانتصر على جبال الألب، توفي بعد عام في حديقة الحيوان الخاصة بالآرشيدوق، قرروا أن يقطعوا قوائمه كي يصنعوا حاملات مظلات على مدخل القصر . يا للسخرية، بعد كل هذه الرحلة السياحية، حاملات مظلات، يا للاستعارة الرائعة عن عبثية الوجود: تفاهة السلطة، خواء حياتنا حيث تنتشر العجرفة والطموح والابتذال والزهو . وبدقة، لماذا كل هذا؟ من دون هذه الخاتمة العجيبة، لم أكتب هذه الرواية أبداً . لا أحكي أبداً حكايات فقط لكي أحكي حكايات . هذا هدف مشروع أدبيا فعلاً، وهنا ليس السؤال، ولكنني لست من أنصاره .
في الحقيقة، نتاجك ملتزم . كيف ترى إلى العلاقة بين الأدب والالتزام؟
ككاتب، لا أشعر بوجوب دفاعي عن بعض الأفكار . بيد أنني كاتب وأيضاً مواطن، من دون ضرورة الفصل بين هذين البعدين . هنا حيث يذهب الكاتب يذهب مواطن العالم أيضاً، وإذا كان المواطن الكاتب، الذي أكونه، ينشغل بالمجتمع الذي يحيطه، إذا اهتم بالسياسة جدياً، بالتالي سينعكس كل هذا على نتاجه، وهذا لا يعني أنني أمضيت حياتي أكتب منشورات سياسية . لم أخدم الأدب بنهايات سياسية مباشرة . بالتأكيد، أفكاري موجودة بصورة ما في كتاباتي، ولكن الحكايات التي أرويها تدرك أشياء أخرى .
بالتالي، بالنسبة لك، الأدب غير وهمي؟
ليس لدي إجابة عن هذا السؤال . الأدب ليس وهمياً . غير أنه لن ينقذ العالم . ولو كان كفؤاً، لحققته منذ زمن . بالتأكيد، أثر بعض الكتب في مجرى التاريخ:رأس المال لماركس، الانجيل .
غير أنهما ليس كتابين أدبيين . ثم، من الضروري عدم نسيان أن القراء الحقيقيين، الذين يجعلون من القراءة شيئاً مهماً في حياتهم، قليلون . لا أعرف إذا كان على الكاتب أن يوقظ ظروف مواطنيه، غير أنني أعتقد أن القارئ يقرأ في الحقيقة، لكي يرفه عن نفسه . بعيداً عن أن يغيرنا، الشخصيات التي تلازم حياتنا فترة من الزمن، تسمح لنا بالقول: “أنا أيضا هكذا” .
في سن السادسة والثمانين . ما الذي يدفعك إلى الكتابة؟
الشيء نفسه لدى الجميع: الحاجة الإنسانية الملحة للتواصل . في إحدى قصائد شبابي،كتبت هذه الجملة: “أن أحداً يصمت مثلما صمت . لن يموت من دون أن يقول كل شيء” . كنت دوماً متحفظاً، سهل المعاشرة إلى حد ما . ولكن هذا صحيح، أستطيع أن أنبس بها اليوم: في سن السادسة والثمانين، بما أنني أعرف سنوات عمري، نجحت في قول كل شيء، كتابي القادم، الذي سوف يصدر في البرتغال خلال الخريف ولا أستطيع الكلام عنه، من الممكن أن أعده نقطة النهاية لنتاجى . كل ما سأقوله بعد ذاك لن يزيد من الأمر شيئاً .