المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تقلـّبُ الجمْرَ وتنثرُ أوراق الذاكرة لــ: د إبراهيم خليل



رذاذ عبدالله
3 - 7 - 2010, 02:13 PM
تقلـّبُ الجمْرَ وتنثرُ أوراق الذاكرة
د. إبراهيم خليل
* الدستــور الاردنيـة


http://www.addustour.com/NewsImages/2010/07/995_248316.jpg


تقوم رواية معجب الزهراني "رقص" على حبكة بسيطة جداً ، لكن هذه الحبكة تزداد اتساعاً وتعقيداً كلما مضى القارئ في تتبع حوادث الحكاية التي صاغ منها روايته.



في البداية يستوقفنا الراوي زهراني الذي يعتزم مغادرة منزله في الرياض متوجهاً إلى فرنسا ، حيث سنوات عدة قضاها هناك ، وذكريات كثيرة عطرة خلفها عن أيام دراسته بباريس ، وعلاقات حميمة تربطه فيها لا بالأمكنة حسب ، بل بالأشخاص ، على أن أكثر الأمكنة إثارة هي رويان ، التي يلتقي فيها صديقه ، وقريبه "سعيد" الذي درس هو الآخر في باريس ، وأقام في مدن عدة ، منها هذه المدينة بالذات ، التي تعرفه فيها الفنادق والشقق.

ويتصل السارد بسعيد ، ويخبرنا قبل ذلك أن سعيداً هذا رجل أعمال يملك شركات متعددة ، لها فروع ومكاتب في أقطار كثيرة: في أوروبا ، والشرق الأوسط ، وآسيا ، ولكنه قبل أن يصل إلى هذه الدرجة من الثراء كان قد سجن مدة سبع سنوات ، خرج على إثرها محطماً ، تاركاً لعتمة السجن أفكاره السياسية والحزبية ، وما تتضمنه من شعارات عن العمل ، والعمال ، والمساواة ، والحقوق. لقد قرر بعد خروجه مزاولة الأعمال مستثمراً مبلغاً من المال مع شريكين آخرين ، ثم ما لبث أن أنشأ شركة مقاولات مستقلة فتفتحت أمامه الطرق.


فالسارد يريدُ ، أولاً ، أنْ يعرف من صديقه سعيد كيف توصل إلى هذا المستوى من الثراء ، وهل لماضيه السياسي النضالي علاقة بذلك؟ ما الذي آل إليه هذا الماضي؟ وهل تبخّر من حياته ، وتلاشى ، أم إنّ في النفس بقية من ذلك؟ وتالياً ، ما الذي حدث بالضبط؟ وكيف سجن؟ وكيف عذب؟ ثم كيف تجلد طوال تلك المدة ، واحتمل ، إلى أن أطلق سراحه بشكل مفاجئ؟.


أخيراً ، ما الذي بقي لديه من تلك المعتقدات التي جعلت الناس يظنونه جيفارا مرة ، و كاسترو مرة أخرى؟.


وزع الكاتب معجب الزهراني روايته في قسمين اثنين: أولهما نصوص السفر ، والثاني نصوص رويان. في الأول يروي لنا حكاية الراوي مع السفر الذي أرادهُ ، ولو على "جمل" كي لا يكون ضحية الصراع بين الحكومة وأبناء البلاد ممن يُسمَّوْن "الفئة الضالة" الذين لا يطيب لهم أن يصفوا أحداث سبتمبر 2001 إلا بكلمة "غزوة" تأكيداً لخطابهم السلفي: فالحياة مع هؤلاء لم تعُد تطاق ، إذن هو يبحث عن مكان آخر يدفن فيه أساه ، ويتهرب مما يعانيه من قلق. وهل يجد ذلك إلا في باريس؟ هناك ستعود (الشلة) نفسها للالتقاء مجدداً ، وسيقيم من الحفلات ما يشاء.. هذا يرقص رقصة الشامي.. وأخر يرقص رقصة المغربي.. حتى الياباني لا بد أن يؤدي رقصته التي تشبه لعبة الكراتي. الرقص - هنا - تعبيرّ عن احتجاج الذات ، وعن اندماجها في الآخر. لا يعرف الراوي من هو الذي قال: "أنا أرقص إذاً أنا حي". ذلك لا يهمّ ، يكفي أن يرقص زوربا السعودي إلى ما شاء الله: لأنّ الرقص - في نظره - يحرّر الإنسان من الداخل ، ويمنحه شجاعة تجعله لا يحسب حساباً لأي خصم أبداً.


وهذا كله لا يعدو أن يكون عتبة تفضي بنا إلى القبو ، فعندما يتذكر سعيداً ، رفيق صباه ، الذي كاد أن يتورط معه في لعبة السياسة ، يهاتفه قبيل اللقاء ، مذكراً بالرقص الذي شاهده يوم خروجه في البلدة ، "ليتني رأيت أمي وهي ترقص. أخبرتني زوجتي أنها فعلتْ ما لم تفعله يوم عرسي..". وهذه الإشارة تنبه القارئ على أهمية الدور الذي يؤديه سعيد في الرواية. فقد ولد بعد خروجه من السجن ولادة جديدة ، وها هو الآن يتسلم دفة القيادة في سفينة السارد الذي يتحول من راو إلى مروي له ، أو عليه ، في القسم الثاني. فما هي إلا بضعة أيام حتى تلاقيا ، وتتسع نوافذ الذاكرة بحجم الأسئلة التي تؤرق المروي عليه ، "سيصل الغائب المنتظر ، ويسرد أخباره بنفسه. أخباره الصحيحة. هذه الزيارة لا تتكرَّر. لن أفرًّط في فرصة العمر." ، و"كم أنا محظوظ؟ ها هي الفرصة تطلُّ مثل فاتنة."


والحق أنَّ فرصته التي ينبغي عليه أن ينتهزها هي تبديل الأدوار ، فبدلاً من أن يؤدي دور شهرزاد يسكت عن الكلام المباح ، متخذاً ، إلى حين ـ دور شهريار ، فيما يواصل سعيد سرد الحوادث ، والحكايات ، غيْرَ معنيّ بما إذا صاح الديك أو لم يصح. فالسرد يقتل الصمت بالكلام ، والماضي لا يفتأ يلاحق الراوي ، والمروي عليه ، كليهما ، وكتابة هذا الماضي هي الحلُّ الأمثل ، والوحيد ، للتخلص منه ، ومما يثيره في الروح ، والبدن ، من أوجاع: "حين يكتب كل منا حكايته ، يتخفّف من التعب ، ويرتاح."


السرد المؤطـّر

ولا يطول الأمر بالقارئ - تبعاً لذلك - حتى يكتشف أن سرديات الزهراني ، ومروياته ، من النوع المؤطر. وهو الذي يكتنف فيه السرد الرئيس حكاياتْ سردية أصغر ، تندرج في إطار أكبر منها ، على النحو الذي عرفناه في رواية "النهايات" لعبد الرحمن منيف. فالحكاية الرئيسة في "رقص" هي قصة سعيد الذي ولد في (الفرعة) سنة 1944 ، ودرس في مدارس شركة أرامكو ، ثم أرسل في بعثة إلى فرنسا ، وكان من أوائل المبعوثين إلى المعهد الذي التقى فيه أول مرة بنتالي ، التي تصفها تقارير المعهد بالجميلة ، المثقفة ، التي تفيده في دروس اللغة الفرنسية. أما هو فتصفه التقارير بالذي يحب السفر كثيراً ، والموسيقى ، والغناء ، والسينما ، والرقص. وفي الأثناء يقترب سعيد من اليسار الفرنسي ، ويعود إلى بلاده لينخرط في التيار المعارض ، ويسهم في توزيع منشورات سياسيّة ، لا تخلو من تحريض. يجري إلقاءُ القبض عليه ، وتفتيش البيت ، ما يُسْفر عن ضياع "صندوق الفتنة" الذي يحتوي رسائل نتالي ، وصوراً لهما ، ثم يقضي في السجن سبع سنين ، يعود بعدها إلى القرية ، فتستقبله بالغناء ، والرقص ، والولائم ، التي تستمر شهراً. بعد ذلك يحاول سعيد تجربة حظه في المال ، وإدارة الأعمال.


فشارك صديقين في شركة للمقاولات ، واستطاع أن يرفع رأس مال الشركة من الآلاف إلى ثلاثة ملايين في وقت قياسي ، ما شجعه على إنشاء شركة خاصة مستقلة ، توسعت أعمالها في أقطار شتى ، وانثالت عليه الثروة من حيث يحتسب ، ولا يحتسب. أما علاقته بالسياسة ، فبقيت على الهامش ، يتنقل مسافراً لا يكاد يعود من سفر حتى يتجهَّز لسفر آخر ، كأنّ الشاعر القديم عناه في البيت:

كأنه بين تجوالْ ، ومُرْتحَل مُوَكَّلّ بفضاء الله يَذْرَعُهُ.

شيمة ورثها عن أبيه ، القروي ، الذي يحبّ السفر كثيراً. وبرغم البذخ الذي هو فيه لم ينس أيام السجن ، وما لاقاه فيه من تعذيب. وحتى لو أنه نسي ذلك ، فالزهراني جاء من أقصى الأرض يسعى لمعرفة ما جرى ، بادئاً بطرح الأسئلة: ما الذي حدث؟ اروً ذلك لي بالتفصيل المُملّ. وهل كان عضواً في حزب أممي ، أم إن الأمر لا يعدو أن يكون تهمة ، و محض تلفيق؟ باعترافه ليس ثمة تلفيق ، فقد مرت عليه أوقات تخيل نفسه جيفارا ، ولكن ليس في كوبا ، ولا في بوليفيا ، وإنما في المناطق القروية الممتدة بين الطائف واليمن: فهو ، ومن كانوا معه ، مناضلون - في رأيه - لا فرسان قبائل ، أو عشائر. وحرْصُهمْ على الوطن أكبر من حرص غيرهم ممن يشترون الأتباع بالهبات ، والمنح ، بتعبيره.


ومع ذلك فإن هذا الماضي ينتهي بالتوبة: "نحن مجتمع قبلي محافظ ، ولا أتمنى أن نصبح جمهورية يستبد بها عسكري بعد آخر ، باسم حزب لا يحلّ ، ولا يربط." وحكاية سعيد مع السياسة انتهت هذه النهاية ، لكن الرواية لم تنته ، فهي فيض من الذكريات لا يفتأ المروي عليه يستفزّ الراوي ليتذكـّرَ ما هو أكثر ، ويتحدث بما هو أكثر.. وعلى هذا النحو تنفتح أقواسّ ، وتنغلقُ ، لتستوعب الحكاية الرئيسةُ حكاياتْ فرعية إذا جاز التعبير ، تطّرد واحدة تلو الأخرى ، في علاقة لافتة وهي تشابك هاتيك القصص مع قصة (سعيد) الذي خرج من الحبس ليدخل عالم الأثرياء ، ورجال المال.


قد تبدو هذه الحكاياتُ مظهراً من مظاهر الاستطراد الذي لا ينفكُّ يخلُّ بقواعد اللعبة ، غير أن المروي عليه ، بتدخلاته الماكرة ، المتكررة ، يساعد على تجنب هذا الانطباع ، واستبعاده.


فمن الحكايات التي وردت عرضاً هيامه بالمصرية شيرين ، وحكاية العبد مسرور ما غيره ، وحكاية(الهواوي) أو إبراهيم الريحانة ، الذي عرف بغير اسم ، لوسامته ، أما (الهواوي) فلقب أطلق عليه لشدة ولعه بالنساء. وحكاية الإهانة التي تعرض لها عمّ سعيد عندما ربط بذيل حماره ، وجره منْ ربطوه إلى مقر الأمير ، وحكاية البدوي والجمل التي احتلت مساحة كبيرة من غير أن يكون لها هدف سوى إمتاع القارئ بالغريب والعجيب. وأخيراً حكاية "صندوق الفتنة" وهو الذي كان يحتفظ فيه بصور نتالي. وهي حكاية تختلف عما سبق لكون الصلة بينها وبين المهمة المنتظرة من المروي عليه معروفة ، وهي البحث عن نتالي التي تركت رويان. وإلى جانب هذه القصة ثمة حكايات أخرى منها: حكاية محمد الفاسي ، الذي خدم في الجيش الفرنسي إبان حرب فيتنام الأولى ، وحكاية المهاجر الأول الذي (طفش) من القرية إلى مكة ، وجدة ، ومصر ، والمغرب ، واستقر به النوى في مرسيليا ، وفيها تزوج من فرنسية (مريام) وعمل إماماً للوحدة المغاربية في الجيش الفرنسي في فيتنام ، ثم عاد بعد الحرب إلى مرسيليا ليلاقي وجه الخالق ، ولتلحق به زوجته بعد أربعين يوماً ، تاركين أبناءً يعتاد الفاسي زيارتهم بين الحين والحين. باختصار ، مثلما يقول المروي عليه: "أنت مخزن حكايات" وقد آن الأوان لينضح ذلك المخزن بجلّ ما فيه ، سواءّ أكانت لذلك علاقة مباشرة بالحبكة الأساسية للرواية ، أم لا.

الرواية والتاريخ


غير أن المؤلف استعان بتلك الحكايات لا في تسلية القارئ بل في رصد جوانب من الحياة اليومية بما فيها من عادات وتقاليد لا تخلو من عجائب وغرائب ، وفي هذا الخضم من الذكريات والحكايات تبرز مفاصل زمنية تحيل إلى حوادث تاريخية بعينها كاغتيال الملك فيصل ، واندلاع ثورة الخميني ، في إيران ، وما شهده الحرم المكيّ في مستهل الثمانينات على أيدي متشددين مغرمين في إعادة عقارب الساعة إلى الخلف ، وتهرُّباً مما يتعرض له الراوي من وساوس ، قبل دعوة هلموت لمشاهدة فيلم كريمر ضد كريمر. ثم دعوتها بعد ذلك لتناول البيتزا في أحد المطاعم ، ذلك كله لم يفلح في تهدئة خواطره ، والشيء الوحيد الذي نجح في ذلك هو الهاتف الذي أخبره فيه سعيد من القاهرة أن الأمور في الحرم انتهت على خير ، وأن النار أطفئت دون أن تهدم الكعبة. أما المفاجأة التي لم يكن يتوقعها المروي عليه ، ولا القارئ ، فهي عدول سعيد عن البحث عن نتالي: ففي رأيه "ما فات مات ، والفاشلون وحدهم هم الذين يتعلقون بما فات ، وأنا لست منهم". بيد أن المهمة لم تلغ بصفة نهائية ، ولكنها استبدلت من أخرى هي البحث عن مخطوط كتبه المهاجر الأول بخروش بن علاس الذي دوخ عساكر الجيش المصري العثماني ، واستقرت به الحال في مرسيليا على نحو ما ذكر في السابق.


ولم يلاحظ سعيد بالطبع ، ولا المروي عليه ، ولا المؤلف ، أن المهمة الجديدة لا تختلف عن السابقة في أنها تتعلق بما فات.


ولا تخلو الرواية من بعض التساؤلات ، أولها: ما الحكمة من تقطيع اعترافات سعيد قطعاً ينسب كل واحدة منها إلى شرفة أو فندق أو مقهى؟ والسؤال الثاني هل كتبت الرواية لهدف واحد هو كتابة سيرة سعيد؟ إذا كان الأمر كذلك ، فإن السرد في هذه الحال يصبح سرداً حقيقيّاً وحظه من التخييل أقل مما يرصده من حقائق. وهذا يتنافى مع مبدأ تقوم عليه الرواية ، وجل فنّْ قصصي: لأنَّ السرد القصصي ـ في رأي نورثروب فراي ـ ينبغي أن يكون خيالياً ، وإلا فالأولى أنْ يُصنَّف في التاريخ ، أو السيرة.