المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (موضوع خاص) إدغار ألن بو وتأثيره في الشعر الفرنسي



رذاذ عبدالله
14 - 8 - 2010, 12:02 AM
إدغار ألن بو وتأثيره في الشعر الفرنسي

* الدستور الاردنيـة،،





http://www.addustour.com/NewsImages/2010/08/1038_258875.jpg






ثمة ظواهر في تاريخ الأدب يصعب تفسيرها تفسيراً مقنعاً ، وإن ذكرت لهذا التفسير أسباب تبدو منطقية ومعقولة. ومن هذه الظواهر ما ينسب للشاعر والقاص الأمريكي إدغار ألن بو 1809( - )1849 من تأثير في الشعر الفرنسي. فبو كان ، وما يزال ، موضوع خلاف بين النقاد والمؤرخين الأمريكيين ، وغير الأمريكيين ، بالرغم من مرور أكثر من قرن ونصف القرن على وفاته. إذ هناك من يرى أنه كان من أكثر أدباء القرن التاسع عشر جدة وأصالة ، في حين يرى آخرون أنه شخصية أدبية عادية وضئيلة ، قد تكون لديها أفكار مهمة ولكنها أخفقت في تحقيقها. أما معاصروه من النقاد الأمريكيين فلم يروا فيه سوى (سكير فاشل) كما يقول ديفيد سنكلير ، أحد كتاب سيرته. ويتفق كل من الشاعر ت. س. إليوت والناقد موريس باورا على أنه موهبة غير ناضجة. فالأول يقول عنه إنه (موهبة عالية لفتى لم يبلغ سن الرشد) ، والثاني يقول (ليس في شعره تلك الموهبة الناضجة الأصيلة التي تكفي لأن تجعل منه شاعراً قوياً ومقنعاً بحق). أما سنكلير فقد وصفه في غير موضع من كتابه (إدغار ألان بو) بأنه (نصف مثقف) بسبب نقص ثقافته الأكاديمية.



ولذا يبدو من المفارقة أن يحظى بو باهتمام كبير خارج أمريكا ، في حين لم يحظ حتى بالقليل منه في بلاده ، لا خلال حياته ، ولا بعد وفاته بزمن طويل. ومع ذلك يتفق الدارسون على أن مكانته الشعرية وشهرته خارج أمريكا تعود في الأساس إلى ثلاث أو أربع من قصائده وإلى مقالين من مقالاته. أما القصائد فهي: الغراب ، أولالوم ، الأجراس ، أنابيل لي ، وأما المقالان فهما (المبدأ الشعري) و (فلسفة التأليف).





وكان الفرنسيون أول من اهتم ببو ، وانتقل هذا الاهتمام من خلالهم إلى بلدان أخرى. ففي عام 1847 ترجمت له إيزابيل مونييه قصة: القط الأسود. ولكن الشاعر شارل بودلير هو من عرَّفه للفرنسيين ، فهو أكثر من ترجم له وكتب عنه وعن مؤلفاته. ففي عام 1848 ، أي قبل وفاة بو بعام ، ترجم بودلير (رؤيا مغناطيسية) ونشرها في مجلة: حرية التفكير. وفي عام 1851 طلب أعمال بو الكاملة من لندن وراح يترجم ما يختاره منها في ما بعد. وبعد ذلك بعام (1852) نشر دراسة عنه في مجلة: باريس. وأنجز عام 1853 ترجمة عدد من قصص مجموعته (قصص خارقة) ونشرت هذه القصص بالتتابع في صحيفة البلاد عام 1854 ، ثم جمعت ونشرت في كتاب عام ,1857 ثم ظل يترجم أعماله القصصية وينشرها في صحف ومجلات وكتب حتى سقط ضحية مرض الفالج عام 1866 ، وهو المرض الذي أعجزه وأدى إلى وفاته في 21 آب ,1867




هذا يعني أن قراءة أعمال بو وترجمتها كانت شاغلاً أساسياً من شواغل بودلير طوال عشرين عاماً أو نحوها. ويرى الناقد موريس باورا في كتابه (الخيال الرومانسي) أن بودلير هو الذي (اكتشف بو وخلقه إلى حد ما). وكأني به يرى أن بو لم يكن جديراً بهذا القدر من الاهتمام. بل هو يذهب إلى القول (إن سونيتات نرفال العظيمة أجمل من أي شيء كتبه بو). أما بودلير نفسه فقد كتب لأمه عن بو قائلاً (هناك أفكار له كأنني أنا من قالها ، وهناك عبارات فكرت فيها طويلاً قبل أن أكتشفها في كتاباته). ونفهم من هذا أن بودلير كان يحس بوجود قرابة فكرية وروحية ونفسية بينه وبين بو. وهذا في ما يبدو هو سبب اهتمامه به وترجمة أعماله.




والغريب أن بودلير عني بترجمة قصص بو ولم يترجم شيئاً من شعره. ويبدو أن سبب ذلك لا يعود إلى إعجابه الشخصي بها فقط ، بل يعود في المقام الأول إلى حاجته المادية. ذلك أنه كان ، مثل بو ، يعيش على قلمه في تلك الحقبة ، وكان فقيراً ، ومديناً ، وكانت ترجمة قصص بو تعود عليه بمردود مالي هو في حاجة إليه برغم قلته. فقد كان يتلقى مكافآت مادية من الصحف التي ينشرها فيها ، ومن الناشرين الذين ينشرونها في كتب ، وكذلك من وزارة المعارف تشجيعاً للأدباء والمبدعين.




ومع ذلك يظل امتناع بودلير عن ترجمة شعر بو مدعاة للتساؤل. فقد كان معجباً بهذا الشعر ، ووصفه بأنه شعر عميق متقن الصنع ، وأنه غامض وكامل كالبلور ، وأشاد بحب بو للجمال ومعرفته بشروطه المتناغمة ، ودافع عن رأيه في الشعر وعن رفضه أن يكون للشعر هدف أخلاقي أو تعليمي ، وهاجم النقاد الأمريكيين الذين كانوا يؤاخذون بو على هذا الرأي ، إذ كان رأيه كرأي بو وهو: أن هدف الشعر هو ذاته ، وليس له هدف آخر. وأكثر من ذلك أنه تأثر في بعض قصائده بشعر بو. فباورا يرى أن لبو تأثيراً في: قصيدتيه الشعلة الحية Le Flambeau Vivant ومضطهد نفسه L Heautontimoumenos وأن هناك أصداء منه في قصائد أخرى من قصائده.




ويبدو أن إعجاب بودلير بشعر بو قد انتقل منه إلى بعض تلاميذه. فبول فرلين كتب قصيدة نثر بعنوان Nevermore لازمة بو الشهيرة في قصيدته: الغراب. أما ستيفان مالارميه فترجم مجموعة من قصائده ونشرها في مجلة النهضة الفنية والأدبية عام 1872 ، ثم ترجم قصيدته (الغراب) ونشرها عام 1875 مع رسوم للرسام مانيه. وكان مالارميه يرى أن بو يمثل (المبدأ الروحي للعصر) ويعتبره مثلاً أعلى للإلهام ، ويعد كل قصيدة من قصائده (جوهرة) من الجواهر. ويرى الدكتور عبد الواحد لؤلؤة في كتابه الأخير (ألوان المغيب) أن مالارميه تأثر بأفكار بو في مقاليه (المبدأ الشعري) و (فلسفة التأليف) ولاسيما فكرة التخطيط المسبق للقصيدة في أدق تفاصيلها قبل الشروع في كتابتها ، ويعتقد لؤلؤة أن مالارميه طبق هذه الفكرة في كتابة قصيدته (رمية زهر أبداً لن تبطل الحظ) وهي القصيدة التي ترجمها إلى العربية الشاعر المغربي محمد بنيس مؤخراً ولم يوفق في ترجمة عنوانها. وحين رفع الستار عن تمثال بو في مدينة بلتيمور عام 1876 كتب مالارميه لهذه المناسبة (سونيتة) بعنوان (قبر إدغار بو) وكانت هذه (السونيتة) بمثابة شهادة رسخت أهمية بو عند الشعراء الفرنسيين في ما بعد ، ومنهم لافورغ وفاليري وغالبية الشعراء الفرنسيين الرمزيين. وعلى ذكر فاليري فإنني كلما قرأت قصيدته (المقبرة البحرية) تناهت إلي أصداء من قصائد بو: البحيرة ، وأولالوم ، والمدينة التي في البحر. وفي رأي بعض الدارسين أن تأثير بو امتد إلى بعض القصاصين الفرنسيين ومنهم موباسان في مرحلته الأولى.




ولعل من المناسب أن نذكر هنا أن تأثير بو انتقل ، عبر الشعراء الفرنسيين ، إلى بعض شعراء أمريكا اللاتينية مثل: روبين داريو (من نيكاراغوا) وخوليو هيريراي ريسيغ (من أورغواي) وخوسيه أسنثيون سلفا (من كولومبيا). ولم يتوقف تأثيره عند هذا الحد بل امتد إلى روسيا في أوائل القرن العشرين ، وكان له تأثيره على بعض شعرائها ، وخاصة بعد أن ترجم الشاعر الرمزي الروسي قسطنطين بلمونت أعماله الكاملة إلى الروسية. والغريب أن الإعجاب ببو قد انتقل من الشعراء الفرنسيين إلى بعض الشعراء والكتاب الإنكليز ، وليس العكس.




وقد يبدو غريباً أيضاً أن ينتقل تأثيره إلى الشعر العربي ، وإن اقتصر على شعر شاعر واحد هو: الشاعرة الكبيرة نازك الملائكة ، ولنا في ذلك بحث مفصل نشرته مجلة (ألف) التي تصدرها الجامعة الأمريكية في القاهرة عام ,2004



ومع هذا كله يجد بعض النقاد والمؤرخين الأمريكيين صعوبة في تفهم أن يكون لبو مثل هذا التأثير خارج بلادهم ، كما يقول كاتب مادة (إدغار ألن بو) في انطولوجيا نورتن عن الأدب الأمريكي. فهم ما برحوا يتساءلون: كيف يمكن لشاعرين كبيرين مثل بودلير ومالارميه أن يعجبا ببو ويترجما أعماله بكل هذا الحب ؟ وكيف يمكن لأفكار بو الجمالية أن تجتذب الشعراء الرمزيين الفرنسيين ؟ ثم كيف تأتّى لأوغست سترندبيرغ أن يزعم أن روح بو حلت فيه لمجرد أنه ولد في عام وفاته ؟ بل كيف يمكن لتأثير شخص ما على درجة عالية من الصبيانية كبو أن يظهر بعمق حين يعود إلى الهوية الإنكليزية عبر الشعراء الأجانب الذين تأثروا به ؟ بعض النقاد الأمريكيين غالباً ما يشعرون بالتأنيب حين يجدون شعراء وكتاباً مثل روزيتي وسوينبرن وستيفنسون وكونان دويل وجورج برنارد شو يعبرون عن ابتهاجهم ببو أو يشعرون بأنهم مدينون له. وبعد مرور أكثر من قرن وربع القرن على وفاة بو ظل النقاد الأمريكيون منقسمين في موقفهم منه. فمنهم من يرى أنه كان رائداً في التنظير الجمالي والتحقيق النفسي والتقنية الأدبية ، ومنهم من ينتقص منه ويعده متبجحاً سخيفاً ، وأديباً ثانوياً مبتذلاً.




وفي أية حال ظل بو شاعراً رومانسياً ثانوياً في معايير النقد الأنكلوسكسوني حتى يومنا هذا. وما زال هناك من يجادل في سبب شهرته خارج بلاده ، ويرى أنها لا تعود إلى شعره بل إلى حياته ، فقد كان لها (جاذبية خاصة) لدى بودلير ومالارميه ، وهي التي وطدت إيمانهما بأنه شاعر عظيم. ويذهب الناقد موريس باورا إلى أن هذه الشهرة خطأ ناجم عن عدم قدرة الأجانب على تذوق الشعر الإنكليزي في قيمته الحقيقية. فهؤلاء ، في رأيه ، لا يستطيعون فهم الشعر الإنكليزي مثل أهله.




ونحن نرى أن أمثال هذه الأحكام لا تخلو من إجحاف. فشهرة بو قد جاءت في الواقع من خلال شعره ونظريته الشعرية ، فضلاً عن أعماله القصصية. فهو أكثر من أن يكون مجرد شاعر رومانسي ثانوي ، فلديه هذا التعلق بالجمال المطلق والبحث عنه في ما وراء الواقع (وراء القبر) ، ولديه هذا الشغف بالتميمة والعلامة والكلمة السحرية والزخارف الموسيقية ، ولديه هذا الافتتان بالغموض وهذا الربط الآسر بين الحب والموت ، ثم لديه هذا النزوع نحو خرق التقاليد الشعرية السائدة ومحاولات الابتكار على صعيد موسيقى الشعر ولغته ، وكل ذلك مما حببه إلى بودلير ومالارميه والشعراء الرمزيين الفرنسيين.




وبعد فإذا ما كان لبو من تأثير في الشعر الفرنسي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، فهو تأثير محدود وسطحي وعابر ، ولم يبلغ العمق في أية حال. وعادة ما يتجاهل مؤرخو الشعر الفرنسي وجود هذا التأثير وكأنهم لا يعترفون به ، وهم لا يشيرون لبو إلا في حالات نادرة وعابرة. ويبقى شعراء مثل بودلير ومالارميه وفاليري أهم من بو ، في نظر الفرنسيين في الأقل.

7mood
14 - 8 - 2010, 09:35 PM
يسلمووو ع الموضووووع

رذاذ عبدالله
14 - 8 - 2010, 10:35 PM
شاكرة ارتشافاتك الادبية،
دمت بود،،