المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (الاتحاد) قصيدة ميسون القاسمي.. مقبلة على الحياة



رذاذ عبدالله
26 - 8 - 2010, 02:58 AM
تحتفي بالعشق والجسد والموت والسيرة داخل النص واللوحة



قصيدة ميسون القاسمي.. مقبلة على الحياة




http://www.alittihad.ae/assets/images/Thaqafi/2010/08/26/320x240/6a-na-47915.jpg





ماجد نورالدين


أقلام نسائية إماراتية (9)


تحتل الكتابة النسوية مكانة استثنائية في المشهد الثقافي الإماراتي. فهي غنية بأقلامها واسمائها. مبادرة في موضوعاتها. غزيرة في انتاجها. متنوعة في إبداعاتها ما بين الشعر والقصة والرواية والريشة. هنا إطلالات على “نصف” المشهد الثقافي الإماراتي، لا تدعي الدقة والكمال، ولكنها ضرورية كمدخل للاسترجاع والقراءة المتجددة.



ميسون صقر القاسمي شاعرة إماراتية وتشكيلية مختلفة بكل المقاييس، جريئة، اختارت طريق قصيدة النثر أسلوبا ومنهجا ليكون صوت ذاتها المتمردة على كل ما هو تقليدي. ولتميزها، وموهبتها الشعرية، نتذكر تكريمها قبل عدة أعوام من جانب “المعهد العالي الدولي للأوبرا والشعر” التابع لمنظمة اليونسكو بعد الاجتماع الأخير الذي عقد في مدينة “فيرونا” الإيطالية، ليلة الاحتفال باليوم العالمي للشعر، حيث وصفت في هذا المحفل الأدبي الدولي بـ(الشاعرة العربية المتميزة).. ويومها لم تستطع أن تحبس دموع الفرح وقالت: “إن هذا التكريم يشكل مسؤولية جديدة وكبيرة في إطار القلق المعاش إبداعيا ووجوديا، مما يندرج تحت العمل الحثيث على تطوير نصي الشعري، محاولة ألا استند فقط إلى الحس والمعرفة التي تكونت لدي في رصد القصيدة الجيدة وغير الجيدة، إنني أجري مقارنة أيضا مع إيقاع وتطور القصيدة في الغرب، كي أجد بنية شعرية متوائمة مع روح العصر من خلال الارتكاز على أدوات نقدية، أحاول الآن التحرر من غنائيتي الشعرية، بمعنى أن تصبح القصيدة بعيدة عن الذات، وألا تنغلق على حدود كتابتها، كيف أحملها أفكاري الخاصة وأنا إبنة مرحلة تتساقط فيها القيم الكبيرة لتتأسس مكانها أفكار ورؤى ما تزال في خانة الأشكال الفنية مثل: علاقة الفنون وتداخلها، واللغة الشعرية والصور الدرامية أو المشهدية في المشهد الشعري وسيطرة النهايات السعيدة على القصيدة والرواية وغيرها”.


ومن جملة ما كتبه عنها الشاعر المصري أحمد الشهاوي نقتطف: “ميسون صقر شاعرة تغادر ما كسبت في معركتها مع الشعر، مثلما غادرت مبكرا الأسلاف والمعاصرين، واستطاعت أن تحفر مجرى سيّالا دافقا يتجدد بما يحمل من أسرار ومكنونات وعلى مستوى الحياة والشعر هي ليست مطمئنة، صحيح أنها تطمئن في التعامل معها على المستوى الإنساني، لكنها تفتقد إلى الاطمئنان، وان اطمأنت لبعض الوقت فهي لا تركن لما تظن أنه استقرار وترتيب، وأظن أن هذا مهم للشاعر، لأن من يطمئن لن يكتب، وإذا كتب فلن يقدم إضافة أو جديدا لنفسه أو للشعر.. هي امرأة قلقة، علمتها الحياة ألا تطمئن، إذ لا بد من الشك والارتياب والحيطة والحذر والسؤال، والشاعر دوما هو من يسأل لا من يجيب، إذ أن الشعر منذ بدء الخليقة سؤال لا ينتهي، ومن المفروض ألا يتكرر، وعلى الشاعر أن يغادر مناطقه قبل أن يغادر مناطق الآخرين”.




تراكم التجربة


وهنا نقول إن تجربة ميسون الشعرية وقد اتضحت معالمها وتنوعت أساليبها وحفرت لغاتها، فهي في حاجة إلى تلق خاص، لأنها صاحبة تجربة تتراكم وتؤسس وتبني، وقد يكون عكوفها وتفرغها وقبل ذلك ـ طبعا موهبتها ـ منحها طقسا مختلفا للكتابة والخلق، مما جعلها في طليعة الشاعرات على المستوى العربي. وفي ذلك تقول ميسون: “كنت طوال الوقت أتعامل مع الشعر كهواية لي، وهذا يجعلني قادرة على خوض “التجريب” دون خوف على ما أنجزته، لكنني لم أضع الشعر في بؤرة الاهتمام به، كنت أكتب ولا أعتني بمرحلة ما بعد الكتابة، وهي مهمة صعبة لكنها ضرورية، ولم أنشغل بوضع نفسي كشاعرة في إطار سياق من السياقات، بل ولم أنشغل بإيصال ديواني إلا لمن هم في دائرة معارفي من الكتاب والنقاد والشعراء”.




في سيرة القاسمي إنها تحمل شهادة البكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية، أقامت وشاركت في العديد من المعارض الخاصة المحلية والدولية، من أهمها: “خربشات على جدار التعاويذ والذكريات لامرأة خليجية مشدوهة بالحرف” وأقامته ما بين الإمارات والقاهرة العام 1991. وفي عام 1992 بقاعة أخناتون في القاهرة وفي المجمع الثقافي بأبوظبي أقامت معرضها الثاني بعنوان “الوقوف على خرائب الرومانسية”. وفي المركز الثقافي بالعاصمة الأردنية عمان أقامت معرضها الثالث “السرد على هيئته”. وبعده جاء معرضها الرابع بعنوان “الآخر في عتمته” العام 1998، متنقلا بين قاعة الهناجر بالقاهرة وقاعة الطاهر الحداد بتونس، والمركز الثقافي بمملكة البحرين.




حول تجربتها مع الرسم تقول ميسون: “الرسم جزء حقيقي مني ومن داخلي، ربما أقول إن الإبداع مادة غزيرة جدا، نستطيع أن نغرف منها ما نشاء، المهم أن تكون لدينا الأدوات، إذا لم تكن لدي أدوات الصنعة الفنية، فلا استطيع أن أرسم، وإذا لم تكن عندي أدوات السرد الروائي لا استطيع كتابة الرواية، لذا فان الإبداع موجود، لكن الأهم من ذلك كيف تتحكم به، وتضعه في إنائه الصحيح”.



قراءة الاكتشاف


كان لتأثير والدها الشاعر الكبير الشيخ صقر القاسمي دورا مهما في حياتها ومسيرتها الإبداعية، سواء من خلال توجيهاته لها، أو من خلال مكتبته الزاخرة بأمهات الكتب، أو من خلال مرافقتها له في رحلاته الإبداعية لمتابعة الأمسيات الشعرية.. فارتبطت منذ صغرها بالكلمة، وقد ساعدتها كل تلك الشواهد المفعمة بالحميمية، وتلك المناخات المليئة بالمحاورات، على اقتناص الكثير من المفردات الأدبية، كما شدتها بقوة إلى منطقة الكتابة والى اللغة، التي أفضت إلى رؤية جديدة للعالم بصورة مختلفة وذات أبعاد متنوعة.. وتقول ميسون: “الأجواء العائلية التي عشتها جعلتني أشعر بتغير ما يحدث في داخلي، فبدأت أبحث عن شيء ما ينقصني لا أعرفه عبر الكتاب والقراءة المتواصلة وهي الأقرب إلى قراءة الاكتشاف، وارتياد الأمسيات الشعرية ومتابعة الندوات والاستماع لكل الأصوات الشعرية الجديدة واكتشفت ولادة كيان إبداعي جميل في داخلي، عندما بدأ يتشكل كل ما هو مخزون في ذاتي للكتابة التي انطلقت فيها عبر صياغة الموضوعات التعبيرية في مدرستي مما ساعد على صقل موهبتي وجعلني أعي أهمية ذلك وتحمل مسؤوليته والحفاظ عليه وتطويره في ضوء منهج خاص”...



ميسون القاسمي التي شغلت يوما منصب مدير الإدارة الثقافية بوزارة الإعلام والثقافة، والتي استطاعت أن تجمع ما بين كتابة الشعر وتشكيل اللوحات في إضاءات لونية لا تقل أهمية عن قيمة الكلمة الشعرية، وأن تنجح فيهما أيما نجاح أصدرت العديد من الدواوين الشعرية التي ترجم بعضها إلى لغات أجنبية ومنها: هكذا اسمّي الأشياء (1982)، الريهقان (1992)، جريان في مادة الجسد، البيت، السرد على هيئته (1993)، ومكان آخر (1994)، الآخر في عتمة (1995)، تشكيل الأذى (1997)، وديوان القصيدة الأولى وأخيرا ديوانها الشهير بعنوان “أرملة قاطع طريق” (2007) والصادر عن دار “ميريت للنشر” في القاهرة، وفيه عالم شعري قوي وصادم، ذلك أنه يختزل العنف الشعري الذي نجده مبثوثا في تضاعيف العمل الشعري لشاعرة تكتب باندفاع جريان النهر، وحين يتقدم القارئ لاستكناه معناها الشعري، تنفتح أمامه حياة كاملة يقرأها وكأنه يقرأ سيرة في كتاب.




وفي هذا السياق كتب حكيم عنكر: “تكتب ميسون صقر في “أرملة قاطع طريق” أجمل أنشودة جنائزية، فإذا كانت الحياة تليق بكل الفرح الكبير الوهاج، فإنها أيضا تستحق أجمل تأبين. تأبين يكون في الأفق الفجائعي الذي يحمله جيش جرار متقدم، كلما تقدم في النصر باغته الخذلان واستبدت به الخسارات”.



من قصيدة “ممر من حديث” من ديوان “امرأة قاطع طريق” نقتطف:


امرأة أمها ماتت على مقعد أمام النهر نفسه
ودفنت أمامه
وهي تنتظر العراق تجلس هي الآن أمام النهر
وتعود كالبطة
مرة صبغت شعرها بالرمادي
متشبهة بعجوز في البصرة
تضع على شعرها الأزرق “التوتيا”
فيطل وقارها من خلال الضوء
مرة شبكت يديها الصغيرتين
خلف رأسها وحكت عن القاهرة
فلمعت عيناها ودمعت عيناي



ومن لا يعرف الكثير عن تجربة ميسون القاسمي، فقد أصدرت أولى رواياتها عام 2003 بعنوان “ريحانه” عن دار الهلال المصرية في 227 صفحة، وتتناول من خلال أحداثها وقائع تاريخية محلية متزامنة مع الأحداث السياسية في الوطن العربي. وقد اعتبر المفكر الكبير محمود أمين العالم أن الرواية تشكل مفاجأة من حيث تقنيتها وعالمها المزدحم والثري بالعلاقات الإنسانية والسياسية والفكرية، كما أنها تناقش واحدا من المواضيع الخطيرة المتعلقة بحرية الإنسان.



باللهجة المصرية


كما أصدرت ديوانا باللهجة العامية المصرية بعنوان “عامل نفسه ماشي”. وحول تجربتها مع هذا الديوان كتبت عائشة إبراهيم سلطان مقالة بعنوان “ميسون القاسمي تبدع متنقلة بين العواصم” وقالت: “لقد كان لإقامتها الطويلة في مصر دور كبير في تشكيل شخصيتها وصولا لشعرها لدرجة أنها نجحت في إصدار ديوان شعري باللهجة العامية المصرية، وللدرجة التي لم تستطع فيها هذه الفتاة المليئة بالطموح والتوثب والتوق لغير المألوف أن تألف وضعها كموظفة دائمة أيا كان مسمى الوظيفة ودرجتها في وزارة الإعلام والثقافة. وما بين الإمارات والقاهرة تتنقل ميسون، ناثرة أسئلتها وأنشطتها وصداقاتها، وكاتبة تاريخها وفكرتها، تمضي متنقلة، راسمة، كاتبة، شاعرة، تقضي الأيام في تلمس أحداث تمضي، لتقدم لنا ضمن المسيرة المتنوعة ديوانا حافلا بسحر الكلمة وجودة الصياغة”. أما ميسون فقالت حول صياغتها قصائد الديوان باللهجة العامة المصرية: “اللهجة العامية المصرية أقرب إلى الحرية من اللغة الفصيحة بالنسبة للشاعر، والفصيحة في تقديري فيها أكثر من رقيب داخلي، رقيب النص ورقيب الفخامة والعمق، أما العامية فهناك تاريخ وهامش كبير من الحرية، وفيما يخص الأغاني والأهازيج والقصائد الشعبية فهي تتميز بخفة الدم وهذا هو الجزء العادي، أما بالنسبة لي كشاعرة فهناك تاريخ لقصيدة النثر داخل القصيدة العامية المصرية”.



والدها كان شاعرا تقليديا يكتب القصيدة العمودية ورغم تأثرها الشديد بموهبته وإبداعاته الشعرية وأسلوبه، إلا أنها خرجت من تحت هذه العباءة متجهة نحو الحداثة، ونحو قصيدة النثر الحديثة. لقد اختلفت معه أيضا في فلسفتها وأفكارها.. وهذا جانب شكل مناح جديدة في كتاباتها ولغتها وطريقة تعبيرها وصياغتها، فاندفعت لكي تنهل من إبداعات الشعر الجاهلي، والشعر المهجري، وتتبعت منطلقات الشعر الحديث عند نزار قباني ومحمود درويش، ومن قصيدة التفعيلة وجدت نفسها في دائرة قصيدة النثر التي ما زالت إلى يومنا هذا تواجه إشكاليات من جانب النقاد. ومن هذه المدرسة نعرف شعراء كثيرين حصدوا المجد والشهر وعلى رأسهم (أدونيس) الذي حاول إعادة قراءة الثقافة العربية الموروثة، ولكن ميسون ذات الشفافية والتراكيب المفعمة بالحياة، هي شاعرة حقيقية تتوافر فيها كل شروط ومعايير هذا اللقب بدءا من اللغة الخاصة التي لا تحمل سوى صوتها وطريقة تفكيرها وحياتها، مرورا بأنها تملك ما تقوله للناس ضمن منظومة التميز والتجديد، وانتهاء بإنتاجها الشعري بما فيه من امتلاء روحي وإنساني، وتقنية بنائية لا تخلو من مساءلة الواقع الراهن. وإزاء اختيارها لقصيدة النثر بالذات قالت في حوار معها: “لا أعلم كيف اخترت قصيدة النثر، لقد وجدت نفسي في شعر النثر أكثر حيوية، ربما لأن هذه القصيدة أكثر مواءمة لروحي وأكثر اتساقا وانسجاما مع أسلوبي الأدبي الخاص بي، لقد كنت أشعر على الدوام بان قصيدة التفعيلة العمودية مكتملة وعظيمة وقوية بطريقة لا تمكنني أنا كانسانة رقيقة ضعيفة لها هواجسها المختلفة تماما عن ملامح هذه القصيدة ومن الانطلاق فيها، كما أنها “قصيدة منبرية” وأنا لا أستطيع الوقوف على هذه المنابر العمودية، إلى جانب ذلك لم تكن في داخلي رغبة حقيقية في الاتجاه إلى جزئية الغنائية في القصيدة المعتمد على الوزن والقافية، ألا وهو جزء التكثير والتكثيف لوجود رغبة قوية داخلي للخروج من الإطار التقليدي والتمرد عليه، ولم يكن من الممكن أن تستوعب قصيدة التفعيلة طريقتي هذه... في الحقيقة الذي استوعبني وضمني بحنان لكي أكتب بفاعلية حقيقية هي قصيدة النثر الحديثة”.



ونقتطف من ديوانها “رجل مجنون لا يحبني”:


يا الذي أطعمني من خبز محبته
بحثت عن مأوى
قلت: أقتليه داخلك وانجي
فهل نجوت إلا من عزلتي لعزلة تكسرت فيها لغتي
كيف استوت هذه الثمرة ؟
أسئلتي في البحر
أنت أتيت وأنا ذاهبة
أنت لا تفصح وأنا ثرثارة
أقضي اليوم في تلمس أحداث تمضي



وحينما سئلت ميسون عن قصدها باختيار اسم ديوانها “رجل مجنون لا يحبني” قالت: “قصدت أن رجلا عاقلا يحبني، ويمكن أن تكون جملة أو تقطعها بالقول رجل مجنون فهو لا يحبني”.



الأدب النسائي


اصطلاح “الأدب النسائي” الذي شاع مع منتصف القرن العشرين تقريبا، كان بمثابة إشكالية أحدثت جدلا واسعا في الوسط الإبداعي ما بين النساء والرجال، هذا التصنيف أيضا جرّ إليه بعض النقاد الذين بدءوا يتحدثون عن مفردات أنثوية في الشعر الذي تنتجه الشاعرات، والى ذلك من قضايا أخرى أحدثت في الحقيقة (فجوة) بين النتاجين إذ تكرست من وراءه اتهامات وجهت للرجال الشعراء ومحاولاتهم الرامية إلى تحجيم الإبداع النسائي على مستويات النشر والعملية النقدية وغيرها. أما آراء ميسون القاسمي فهي تماما خارج هذا التصنيف فقالت: “إن مثل هذه التصنيفات خارج اهتماماتي تماما، لأن العمل الإبداعي عمل مستقل عن نوعية المبدع وجنسه، ولا يمكن لنا استغلال أو استثمار الشعر أو الأدب للدفاع به عن قضايا محددة تتعلق بالمرأة مثلا”، لافتة الانتباه إلى إن هناك جمعيات وتنظيمات وأندية لها أدوارها في مناقشة هذا الموضوع، أما القصائد التحريضية التي تنجزها بعض الشاعرات وليس كلهن للدفاع عن مثل هذه القضايا لا يمكن تصنيفها في خانة الإبداع الحقيقي المكتمل لشروطه ومعاييره، والمسألة كلها في النهاية.. هل هناك مبدع أم لا؟

سواء أكان رجلا أم امرأة؟”.



ميسون، شاعرة بمواصفات إنسانية لافتة، بعيدا عن الشعارات الفضفاضة فهي تعي دورها حتما ورسالتها التي تتأكد من خلال خطاب إنساني أولا: فهي على الدوام تجد نفسها معنية بـ(أنسنة) الأشياء والكائنات، ومعنية بصورة أعمق بدراسة علاقة الإنسان بالكون والعالم وما يحيط بها من حالات إنسانية وأحداث يومية مليئة بالأفكار، وأفعال الإنسان وتحدياته في البحث عن العدل ولو كان مستحيلا، مثل بحث الإنسان عن حريته وخلاصه سواء بموته أو حبه، وهي ترى إن كل هذه المتناقضات الكبيرة والحالات لا يمكن أن تعبر عنها بصدق وأمانة سوى القصيدة ومحورها الإنسان ولكن في إطار (المعادل الموضوعي) الذي تحدث عنه الشاعر الإنجليزي الشهير (تي. اس. إليوت). وتقول القاسمي: “أكثر ما يؤرقني هو كتابة قصيدة حقيقية محملة بأفكار عميقة أو بسيطة، وان حدث وكتبتها فلدي الاستعداد التام للدفاع عنها باستماتة أمام الآخرين.. دائما أعاني من هاجس إيجاد قصيدة جديدة أكتبها عن اقتناع وإيمان كاملين بشكل جيد، وأيضا لدي هاجس آخر يتعلق بمفهوم الكتابة بالشعر، لأن الكتابة ليست لغة فقط وليست تعابير نصبها في قالب شعري، وليست موسيقا داخلية أيضا، فان انتهينا من كتابة كل هذه الأشياء.. كيف نكتب قصيدة حقيقية جديدة دون أن نقع في فخ المباشرة ودون أن تكون مجرد كلمات سطحية مرتبة في إطار أدبي أنيق؟”.



قلق دائم ومستمر في حياة ميسون صقر القاسمي.. إنه قلق من نوع خاص يجمع ما بين فلسفة الوجود الإنساني وواقعه الأليم في عصر ثورة المعلومات التي كادت تقضي عليه. يقلقها وجود الإنسان أو هذا الكائن الجميل، في موقعه وأصول تعامله الصحيحة مع نفسه ومع حواسه، وظروفه، وصراعه الدائم من أجل قوته وحريته، وتنعكس هذه المعاني الإنسانية كثيرا في قصائدها التي تفجر قلقا ديالكتيكيا مثل الصراع المتوالد، فيبدو أرقها الطويل متماهيا في علاقة الشعر بأدوات الإبداع الأخرى مثل التشكيل أو فنون المسرح والسينما والموسيقى وكيفية التعبير عنها بكتابة قصيدة أو إطار إبداعي متوحد فيه المعنى والرؤى والأبعاد والاحساسات المتدفقة. فهي كما ذكرت غير مرة تخاف من نفسها في الكتابة أن تذهب بها إلى مسارب ليست في ذاكرتها، فإذا تركتها منطلقة دون حدَ، تخشى أن توقعها في فخاخ السيطرة على الكتابة، فتكون كتابة مأزومة غير حرّة، فهي كما يبدو مذبذبة بين مفهوم الحرية بالشكل المطلق، وبين ممارستها على الورق.




قصائد الحياة


ميسون صاحبة أجمل ديوان أصدرته “تشكيل الأذى”، وفي حوار خاص معها قالت عنه: “إن تجربتي الشعرية ليست ذات شكل واحد ومحدد، فحتى تكون التجربة ناضجة وحقيقية، لابد أن تكون قد احترقت بنار الحياة والخبرة ودخلت مجاهيلها أيضا.. ومثلما اكتب الشعر المجرد اكتب شعر التفاصيل الكثيرة، وأتماشى مع الفلسفي والصوفي والمهمش والملموس الحي، حتى تصبح ذات الكتابة عميقة ومحملة بتنويعات قادرة على التعايش مع متناقضات العالم وظروف الجمهور، وحتى المكان وتفاصيله، وفي النهاية لا أستطيع الكتابة من منطقة أو خانة واحدة بعيدا عن تجارب الناس، لأنني أحاول أن أجعل قصائدي مقبلة على الحياة برغم فداحتها وربما مرارتها وأحزانها.. إنني أعيش الشعر وأخلص له لأن الشعر لا يكتب إلا للناس والحياة قبل أن يكون للجماليات والاستعراض”.



ميسون ما بين الشعر واللوحة وألوانها.. مرتحلة على الدوام ما بين وطنها الإمارات، وما بين مصر، حيث تسعى إلى (النيل) بما فيه من ذكريات.. هذه الثنائية نقلتها إلى محطات عربية كثيرة لكي تعرض لوحاتها في اكثر من بلد عربي.. إلا إن ما يميز تجربتها التشكيلية هو قيامها على أنفاس شعرية، فهي عندما ترسم تكتب شعرا وتصب ألوانها كلاما بطعم الألوان، ودفء المعنى، وهذا ما جعل هذه الثنائية أشبه بالحوارية الدرامية ما بين الكلمة واللون.. حينما يجتمعان في فضاءات حلمها الجميل بعمل وانحاز فني متكامل لا يحمل مواصفات أي أحد.. كل المفردات من لون وخطوط وكتل ومساحات وإضاءة داخلية وتكوين وفراغات يمكنك أن تجدها في أي من قصائدها، وهي هنا تذكرك بالرسام الكبير الراحل يوسف فرنسيس صاحب اجمل لوحات شعرية صدرت عن فرشاة رشيقة رومانسية، إنها قصيدة بشكل الكتابة وبطعم الألوان نجحت في إبداعها.. وإذا كان الرسم يملأ حياتها بالسعادة والفرح مثل طير صغير، وإذا كان الشعر يملؤها بالحزن والشجن الشفيف..
فإن هذه الثنائية قد اكتسبتها من وعيها برسالتي الأدب والفن..




المتتبع لجملة آراء ميسون القاسمي في علاقة المبدع بالناس يعرف إنها من أكثر الدعاة لكي يلعب الشعراء دوره في (تنوير) الناس، يجب أن ندلهم على كيفية معايشة الحياة ومواجهة التحديات الخارجية، وإلا فسيصبح دور المثقف دورا ناقصا، ومحددا في إطار التوجيه والإعلام، إن للكلمة الصادقة والتعبير الشعري الأصيل دورهما ورسالتيهما في المحافظة على (الهوية الوطنية) وانتماء الإنسان إلى موروثه ومجتمعه وبيئته، ولا بد في النهاية من تكاتف الشعراء والفنانين والمثقفين العرب اينما وجدوا لرسم صورة حقيقية لرسالة الخطاب الشعري بدلا من التناحرات واللهاث وراء ما يطرح من إشكاليات حول أنواع الشعر والقصيدة.. فحرية الشاعر في التعبير هي الجزء الأهم في مسألة الإبداع.




بالنسبة للشاعرة ميسون القاسمي كانت الكتابة وما زالت تفتح لها عالم الغيب وتلغي الوجود الفعلي ليصبح الوجود بذلك محوريا في تفاصيل الكتابة ومفرداتها، نحن نموت من أجل سطر شعري، نتمزق من أجل كتابة خلاقة، نظل نبحث ونحلم ونعزل أنفسنا حتى تظهر هذه الكتابة. إنها دائما متفائلة في حياتها وقصائدها التي تفوح منها ألوان مختلفة من التعبير، أو كما تقول: “أنا متفائلة دائما، ولو لم أكن كذلك لتوقفت فورا عن الكتابة، ولدي أمل عظيم أن تكون هذه الكتابة تعبيرا حقيقيا عن ذاتي في فهم العالم، وفهم ما يدور حولي”. ففي شعرها هناك الهواجس نفسها التي نجدها في الرواية، هناك طفولة وحيدة وميزان مختل.. تعبر عن ذلك في قصيدة لها تقول فيها:

من نعومة أظافري
تلوثت طفولتي
بدم الحزن الخفي