المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (الخليج) ناجي العلي مازال يدير ظهره لرعاة التسوية



رذاذ عبدالله
29 - 8 - 2010, 02:44 AM
اليوم ذكرى اغتياله الثالثة والعشرين في لندن


ناجي العلي مازال يدير ظهره لرعاة التسوية




http://www.alkhaleej.ae/uploads/gallery/2010/08/28/114905.jpg


8/،1987 باتت أصوات الكثيرين من الشباب الفلسطيني، تتعالى لإعادة رفات الشاعر ناجي العلي إلى فلسطين، أو أي بلد عربي، بعد أن دفن في أحد مقابر لندن، من دون شاهد على قبره ومن دون إشارة إلى توأمه السيامي “حنظلة” الذي ما انفصل عنه على امتداد عقود من حياته وحتى لحظة اغتياله .




جاءت هذه الأصوات بالتزامن مع إقامة معرض استذكاري لرسومه في “رام الله” بالتعاون مع نقابة الصحافيين الفلسطينيين، ومركز بلدنا ووزارة الثقافة ومجموعة من الشباب الفلسطيني في أراضي 1948 في ذكرى استشهاده، وبعد أن احتل مكانه الطبيعي اللائق به، كرمز إبداعي فلسطيني وعربي بارز، قاومت خطوط رسومه العدو الصهيوني المحتل، ولا تزال، فقضت مضاجعه إلى أن خطط -دون جدوى- لإطفاء صوته، وشل خطوطه، وتجفيف حبره، دون أن يعلم بأن طفله “حنظلة” سوف يحمل الراية من بعده، ويكمل ذلك الصراخ المدوي الذي لا يزال يتردد، ما دامت أرضه محتلة، ومنزله مبعثر الحجارة .






الشاعر محمود درويش يشخص أهمية ودور رسوم هذا الفنان، على الرغم من تناوله له في إحداها، وهو ما دفعه إلى معاتبته كصديق مبدع، إلا أنه يعترف بأن الفنان حول متابعيه لقراءة الجريدة من صفحتها الأخيرة ويقول درويش: “أغبطه كل صباح، أو قل إنه هو الذي صار يحدد مناخ صباحي، كأنه فنجان القهوة الأول يلتقط جوهر الساعة الرابعة والعشرين وعصارتها، فيدلني على اتجاه بوصلة المأساة وحركة الألم الجديد الذي سيعيد طعن قلبي، خط، خطان، ثلاثة ويعطينا مفكرة الوجع البشري، مخيف ورائع هذا الصعلوك الذي يصطاد الحقيقة بمهارة نادرة كأنه يعيد انتصار الضحية في أوج ذبحها وصمتها .






ظهرت شخصية حنظلة، وهو طفل في العاشرة من عمره - للمرة الأولى في العام ،1969 في جريدة “السياسة”، كرمز للفلسطيني المعذب، غائب ملامح الوجه، مديراً ظهره للعدو، ليغدو “توقيع” الفنان، وبصمته، حتى آخر لوحة رسمها، وإن كان الفنان سيعقد يديه خلف ظهره بعد العام ،1973 بعد أن تلمس تغلغل العدو، ومخططات التطبيع، ليكون ذلك جرس إنذاره الذي لا يزال يرن .






وإذا كان “حنظلة” كلما تقدم به السن، وهو لا يزال في العاشرة من عمره لا يكبر، فلأنه لا يخضع لقوانين الطبيعة، كما يعلق عليه الفنان، وقد أجاب ذات مرة عن سؤال وجه إليه عن موعد الكشف عن ملامح وجه حنظلة فقال: عندما تصبح الكرامة العربية غير مهددة، وعندما يسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانه .







إذا كانت شخصية حنظلة هي الأيقونة كما وصفها الفنان، فإن شخصيات أخرى متناقضة، لم يفتأ يقدمها في رسومه ومنها شخصية “فاطمة” المرأة الفلسطينية الباسلة، واضحة الرؤية، التي تقول لزوجها في لحظة انكسار وهو يقول باكياً: سامحني يارب، بدي أبيع حالي لأي نظام عشان أطعمي ولادي فترد: “الله لا يسامحك على ها العملة . كما أنها تظهر في لوحة أخرى وبيدها المقص تخيط ملابس أولادها وتقول لزوجها خشن الملامح دليلاً على قساوة حياته: شفت يافطة مكتوب عليها” عاشت الطبقة العاملة، بأول الشارع . روح جيبها بدي أخيط “كلاسين” للولاد .







وإذا كان الفنان قد تناول شخصية الجندي “الإسرائيلي” طويل الأنف، مرتبكاً أمام حجارة الأطفال الفلسطينيين، فإنه تناول في المقابل شخصيات سياسية أخرى، صار يقدمها سمينة من دون أقدام، دليلاً على رفاهيتها وانتهازيتها، وهو بذلك سجل نبوءة ترجمها أطفال الحجارة لاحقاً، بالرغم من أن ذلك كان قبل الانتفاضة الفلسطينية .







لقد أزيل ذلك الغموض حول حادث اغتيال الفنان ناجي العلي، بعد أن أطلق عليه الرصاص من مسدس كاتم الصوت في أحد شوارع لندن في 22 يوليو عام ،1987 فأصابه تحت عينه اليمنى، ومكث في غيبوبة حتى وفاته في 29 أغسطس ،1987 ودفن في مقبرة بروك الإسلامية في لندن، ويحمل قبره الرقم 230191 ، برغم وصيته أن يدفن إلى جانب أبويه في عين الحلوة، ولم تكشف التحقيقات التي أجريت عمن نفذ هذا الاغتيال اللئيم .







حيث إن صحيفة “يديعوت أحرونوت” نشرت بعد 13 سنة على استشهاده، إثر فشل “إسرائيل” في اغتيال أحد القادة الفلسطينيين، قائمة بأسماء تمكنت الموساد من اغتيال أصحابها، ومن بينها اسم ناجي العلي، ما وضع الحد لكل التكهنات واللغط الذي حاول بعضهم إثارته لتحويل القتيل إلى قاتل، وصرف الأنظار عن العدو الرئيس الذي كان الفنان نفسه يعرف أنه يهدده، وأعلن عن ذلك مراراً، وكان الفنان قد قال: “اللي بدو يكتب لفلسطين، واللي بدو يرسم لفلسطين، بدو يعرف حالو: ميت!” .







إن اسم الفنان ناجي العلي، وفنه، لا بد سيبقيان، في الذاكرة الفلسطينية بل والعربية والإنسانية، مادام أنه قاوم عبر خطوطه ورسومه، وكان الدليل الأكبر على أن لفنه دوراً يفوق دور الرصاصة، هو أن أعداءه خططوا لقتله، ناسين أن ناجي العلي وحنظلة ليتناسخان في روح الأجيال الفلسطينية، جيلاً بعد جيل، وما احتفاء الشباب الفلسطيني به - الآن - وفي أرض الوطن، بعد حوالي ربع قرن من اغتياله، إلا تأكيداً على عظمة دور هذا الفنان الاستثنائي الكبير، إنه مازال حتى الآن يدير ظهره لرعاة التسوية والسلام الفاشل والتفاوض العبثي .