رذاذ عبدالله
4 - 9 - 2010, 04:05 AM
أحاديث مع والدي أدونيس لنينار إسبر
* الدستور الاردنيـة
http://www.addustour.com/NewsImages/2010/09/1059_263666.jpg
تقرّ نينار إسبر أنّها عزمت على إجراء الحوار مع والدها أدونيس لأنّها كانت في حاجة إلى معرفته ، وإلى قضاء بعض الوقت معه ، كانت تودّ أن يحدّثها في أمور شتّى ، وأن يجيب عن أسئلة تطرحها ، بوصفها ابنته ، وليس بوصفها صحفيّة أو مثقّفة أو كاتبة ، تطرح عليه أسئلة بسيطة ، معقّدة ، تعطي نفسها الحقّ بتوجيه أسئلة جوفاء أو بليدة أو ساذجة ، من دون أن تتقيّد بأيّة رقابة ، تبحث فيه عن الإنسان الأب الشاعر ، ولا تتحرّى رؤاه السياسيّة ولا تنبش في كتاباته. كما أنّها تشير إلى أنّ أباها أجاب ، خلال الحوار ، بإجابات وبردود أفعال تقليديّة لم تكن تتوقّعها ، محاولاً استثارتها ، إمّا ليتعرّف إلى أعماق تفكيرها ، أو ليرغمها على اتّخاذ موقف أو تحديد موقعها وخياراتها. تؤكّد نينار أنّها التقت أباها ، هذه المرّة ، بفضل صدفة مدروسة ، في نهاية المطاف ، وتغلّبت على غيابه الدائم ، بتثبيته والتعرّف إليه بعيداً عن قيود الأبوّة والبنوّة وحدودهما: لأنّ أدونيس ليس كأيّ أبْ ، ولا نينار ترتضي أن تكون كأيّة ابنة.
يحتوي الكتاب على عشرة حوارات ، بالإضافة إلى المقدَّمة والخاتمة. تعنون نينار كلّ مقابلة بعنوان لأغنية شهيرة ، منها ، مثلاً: "شابّ إلى الأبد" ، وهو عنوان أغنية لفرقة آلفافيل م1984 ، و"أنا ما أنا" ، عنوان أغنية لغلوريا غينر م1983 ، و"قلبي ينتمي إلى أبي" ، أغنية لمارلين مونرو م1960 ، و"إنّه عالم الذكور" ، أغنية لجيمس براون م1966 ، و"أحبّك ، و"لا أنا" ، لسيرج غينسبرغ وجين بركن م1969 ، و"أبطال" ، عنوان أغنية لدايفيد بووي 1977م... إلخ. تكون تلك العناوين مفاتيح للأحاديث الدائرة على إيقاعات ووتائر منوّعة.
تستهلّ نينار إسبر حديثها مع والدها أدونيس بعبارة مأثورة: لو عرف الشباب ، لو قدر الشيوخ ، لتدخل إلى عوالمه ، عبر تمهيد يشير إلى العلاقة المتواشجة بين الشباب والشيوخ ، وعن ذاك الذي قد يُسمَّى صراعاً بين مرحلتين ، أو تكاملاً من ، نواحْ أخرى ، لتدخل بعدها إلى العتبة الأخيرة في الحياة ، وهي عتبة الموت ، ليسود الحديث عن الموت ، الذي ينظر إليه أدونيس على أنّه الحلقة الأخيرة التي تكتمل بها الدائرة. يعود الحديث عن الموت في أكثر من مقابلة. تبدو نينار ، أثناء ذلك ، مندفعة ، حماسيّة ، تستفزّ والدها بإعلان بعض رغباتها التي قد لا تبدو منطقيّة ، في حين يبدو أدونيس مهادناً ، بعض الأحيان ، يوصي وصيّته الأخيرة ، وهي دفنه في مسقط رأسه ، في القرية التي ولد فيها. لا تخفي نينار ، التي تتمتّع بروح الفكاهة ، وهي تسرد لوالدها كيف أنّ الكثيرين يبدؤون بنسج الحكايات والأساطير حوله ، حتّى أنّه يتحوّل إلى أسطورة حيّة ، وتصارحه بأنّ الموت سيحوّله إلى أسطورة ، حيث سيغدو لكلّ شخص قصّته الصغير عن أدونيس: لأنّ أدونيس لا يحتكَر ، بل يبقى شخصيّة عامّة تحاك من حولها القصص الغرائبيّة والملاحم الأسطوريّة ، وتقول بأنّ العجب تملّكها وهي تستمع ، في أحد المجالس ، إلى رجل يتحدّث عن أدونيس ، وينسب إليه أفعالاً وأقوالاً هي أجدر ببطل أسطوريّ ، أو شعبيّ ، ما عرفه أحد أبداً.. تتمتّع نينار بالجرأة والصراحة وهي تحدّث والدها عن بعض غراميّاتها وصداقاتها ، تبدو استفزازيّة حين تعلن أنّ ذوقها مختلف عن ذوقه في الكثير من المسائل ، تفاجئه بأنّها لا تقرأ شعره ، تبدو اقتحاميّة ، تدفعها طاقة التغيير وحماسة الشباب ، في حين يتبدّى أدونيس متعقّلاً مفكّراً ، وهو الخبير المجرّب المعاني ، الذي لا يني يحاول التغيير والتحديث. تسأل نينار الكثير من الأسئلة المفصليّة ، وقد نافت أسئلتها على المئة ، من دون أن تكلّ أو تملّ ، وهي أسئلة لا تخلو من مواقف وآراء جريئة ، أسئلة تحمل الفكر والتجديد والموقف ، لا أسئلة مجاملة مهادنة ، كما أنّها لا تخفي حيرتها ، أحياناً ، وهي تتحدّث عن بعض الشوائن التي تصًم العالم الإسلاميّ ، كحديثها عن التناقض بين القول والفعل ، بين السرّ والعلن ، لمَاذا ظلّ الجسد ، اليوم ، تابو أيضاً؟ لمَ هذا النزوع إلى التسامي؟ نحن مستغرقون في الاستيهام ، في الحلم ، في الأمل.. كلّ شيء يبقى حيّاً داخل الرأس ، ومن الصعب أن ينتقل إلى الفعل.. هل هذا بسبب الثقافة الشفاهيّة ، كما لو أنّ النصّ أكثر أهمّيّة من الأفعال؟ فنحن نتكلّم ولكننا لا نفعل. ربّما يخشى العرب من قوّة شحنتهم الشهوانيّة: لهذا فهم يخفونها ، يتستّرون عليها ، ممارسين استئصالات سيكولوجيّة ، بالاتّكاء على السور القرآنيّة والتقاليد.
تُحرج نينار والدها الذي أحرج منظومات بأكملها ، وهي تستفزّه ، محاولة معرفة ما يدور في رؤوس الآباء إزاء بناتهم ، تقف إلى جانب التحليل النفسيّ الفرويديّ وهي تطرح أسئلتها التي كان والدها يناور في إجاباته عنها. من تلك الأسئلة ، مثلاً ، : أودّ أن أعرف ما إذا كان لدى الآباء مصفاة بيولوجيّة ، أودّ أن أفهم كيف لأبْ ، بسبب كونه أباً ، ألاّ يرى جسد ابنته ، جسدها كامرأة؟ ، ثمّ تنبش في معرفة تأثير البنات على الآباء ، وحول إمكانيّة غيرة الآباء من عشّاق بناتهم. في حين أنّ أدونيس يصرّح لابنته بأنّ لديها مَيلاً إلى رؤية الأمور من زاوية التحليل النفسيّ. تلفت نينار ، في الحوار الخامس ، نظره إلى أجوبته التقليديّة قائلة: "أودّ أن ألفت نظرك إلى أنّك كنت ، حتّى الآن ، بالغ التحفّظ والاحتشام ، وكانت أجوبتك تقليديّة إلى حدّْ كبير، أنا أجد هذا مضحكاً ، الأحرى ، ففيما أبحث عن أدونيس الإنسان ، وقعت على الأب." لكنّ أدونيس لا يخفي تحفّظه ، أحياناً ، ويصرّح لها بأنّه ليس من الميسور الإجابة عن كثير من أسئلتها: لأنّ أسئلتها نظريّة جدّاً ، ويصعب أن يعطيها جواباً يتوخّى الدقّة والصواب ، بل يمكنه إعطاء انطباع ، رأي ، من دون أن يكون له علاقة جازمة مع الحقيقة الواقعيّة.. ونينار تستطلع الإجابات ، تودّ الاطّلاع على الدفين والمخبوء ، لتقارن بين وجهتي نظر ، تقول له مبرّرة جانباً من ثورتها: لو كان لي عمرك وتجربتك ، لما طرحت عليك هذه الأسئلة ، أنا أطرحها بغية المقارنة بين رؤيتين ، وتجربتين.
تبحر نينار بعيداً في أسئلتها ، تسأل عن الطفولة والشباب ، عن النزوات والمغامرات ، عن الأسفار ، عن الصدامات والصعوبات ، عن الأديان ، الجنس ، الجنون ، الشهوة ، الخلق ، الإبداع ، الفنّ ، عن الأبوّة والبنوّة. تتحدّث بصراحة عن تهيّبها من الخوض في مغامرة الكتابة ، وهي تحمل إرث والد ذي شأن كبير في الثقافة العربيّة والعالميّة.. كما أنّها تتحدّث بكثير من المرارة والألم والإيلام والحنين عن أيّام الحرب الأهليّة اللبنانيّة ، تناقش والدها في المآسي الإنسانيّة التي تخلّف صوراً جميلة ، تطرح إشكاليّة جمال المأساة ، هي التي توجّهت صوب الفنّ كي تعبّر عن نفسها وأفكارها.
يشدّد أدونيس ، في أكثر من إجابة له ، على دور الذاكرة ، التي تكون الينبوع الذي يغذّي ذاكرته ، ويعتقد بأنّها جزء أساسيّ من الحياة ، من العقل ، من المشاعر. يقول إنّه ينتابه شعور بأنّه وُلًد داخل الذاكرة ، وإنّ عليه أن يوافي منيته فيها.. كما يؤكّد أدونيس استحالة تقدّم مجتمعْ بوجود بضعة أشخاص متنوّرين: لأنّ المجتمع لا يمكن أن يتغيّر إذا لم تتغيّر المؤسّسة ، إذا لم تتغيّر بنية العائلة ، وبنية السلطة ، أيضاً. يثرى الكتاب بالكثير من الأفكار ، حتّى ليصحّ القول إنّ كلّ فقرة فيه تحمل فكرة مختلفة يمكن التوقّف عندها بالتحليل والمناقشة والتمحيص ، ومن الصعب الإحاطة بما ورد فيه من تشعّبات وتشظّيات ، لأنّه ـ بالفعل ـ درس مزدوج في الحرّيّة. ابنة حرّة واعية مسؤولة جريئة ، أمام أب مفكّر واعْ جريء. قد يقول القارئ ، من باب الاستمتاع والاستفادة ، وبشيء من المداعبة ، بعد انتهائه من قراءة الأحاديث الغنية الصريحة الجريئة بين نينار وأدونيس ، بأنّه لو كان أدونيس ناراً فقد لاقى نيناراً ، إعصاراً.. ذلك أنّ ثورة أدونيس الشعريّة والفكريّة تكون ، أمام اندفاعة ابنته ، الراغبة في التعرّف إلى والدها ، وحماستها ، تُجابَه الابنة بأب مُدرك كُنْهَ الأمور ، يلاقى إعصار نينار ، في أسئلتها ، بإجابات مفكّر خبير ، لم يتعوّد الثبات في مكانْ ما كي لا يطاله التركّد أو الاستنقاع ، بل تراه دائم الحركة والتحوّل الإيجابيّين ، في المسارين: الفكريّ ، والشعريّ ، اللذين كان مجدّداً محدّثاً فيهما ، وما يزال.
أحاديث مع والدي أدونيس لنينار إسبر ، دار الساقي ، بيروت لندن ، ترجمة: حسن عودة ، م2010 ، عدد الصفحات 240 ، القطع الوسط .
نينار إسبر فنّانة تشكيليّة تقيم في باريس ، الكتاب هو أوّل مؤلّف مشترك بينها وبين والدها أدونيس.
* الدستور الاردنيـة
http://www.addustour.com/NewsImages/2010/09/1059_263666.jpg
تقرّ نينار إسبر أنّها عزمت على إجراء الحوار مع والدها أدونيس لأنّها كانت في حاجة إلى معرفته ، وإلى قضاء بعض الوقت معه ، كانت تودّ أن يحدّثها في أمور شتّى ، وأن يجيب عن أسئلة تطرحها ، بوصفها ابنته ، وليس بوصفها صحفيّة أو مثقّفة أو كاتبة ، تطرح عليه أسئلة بسيطة ، معقّدة ، تعطي نفسها الحقّ بتوجيه أسئلة جوفاء أو بليدة أو ساذجة ، من دون أن تتقيّد بأيّة رقابة ، تبحث فيه عن الإنسان الأب الشاعر ، ولا تتحرّى رؤاه السياسيّة ولا تنبش في كتاباته. كما أنّها تشير إلى أنّ أباها أجاب ، خلال الحوار ، بإجابات وبردود أفعال تقليديّة لم تكن تتوقّعها ، محاولاً استثارتها ، إمّا ليتعرّف إلى أعماق تفكيرها ، أو ليرغمها على اتّخاذ موقف أو تحديد موقعها وخياراتها. تؤكّد نينار أنّها التقت أباها ، هذه المرّة ، بفضل صدفة مدروسة ، في نهاية المطاف ، وتغلّبت على غيابه الدائم ، بتثبيته والتعرّف إليه بعيداً عن قيود الأبوّة والبنوّة وحدودهما: لأنّ أدونيس ليس كأيّ أبْ ، ولا نينار ترتضي أن تكون كأيّة ابنة.
يحتوي الكتاب على عشرة حوارات ، بالإضافة إلى المقدَّمة والخاتمة. تعنون نينار كلّ مقابلة بعنوان لأغنية شهيرة ، منها ، مثلاً: "شابّ إلى الأبد" ، وهو عنوان أغنية لفرقة آلفافيل م1984 ، و"أنا ما أنا" ، عنوان أغنية لغلوريا غينر م1983 ، و"قلبي ينتمي إلى أبي" ، أغنية لمارلين مونرو م1960 ، و"إنّه عالم الذكور" ، أغنية لجيمس براون م1966 ، و"أحبّك ، و"لا أنا" ، لسيرج غينسبرغ وجين بركن م1969 ، و"أبطال" ، عنوان أغنية لدايفيد بووي 1977م... إلخ. تكون تلك العناوين مفاتيح للأحاديث الدائرة على إيقاعات ووتائر منوّعة.
تستهلّ نينار إسبر حديثها مع والدها أدونيس بعبارة مأثورة: لو عرف الشباب ، لو قدر الشيوخ ، لتدخل إلى عوالمه ، عبر تمهيد يشير إلى العلاقة المتواشجة بين الشباب والشيوخ ، وعن ذاك الذي قد يُسمَّى صراعاً بين مرحلتين ، أو تكاملاً من ، نواحْ أخرى ، لتدخل بعدها إلى العتبة الأخيرة في الحياة ، وهي عتبة الموت ، ليسود الحديث عن الموت ، الذي ينظر إليه أدونيس على أنّه الحلقة الأخيرة التي تكتمل بها الدائرة. يعود الحديث عن الموت في أكثر من مقابلة. تبدو نينار ، أثناء ذلك ، مندفعة ، حماسيّة ، تستفزّ والدها بإعلان بعض رغباتها التي قد لا تبدو منطقيّة ، في حين يبدو أدونيس مهادناً ، بعض الأحيان ، يوصي وصيّته الأخيرة ، وهي دفنه في مسقط رأسه ، في القرية التي ولد فيها. لا تخفي نينار ، التي تتمتّع بروح الفكاهة ، وهي تسرد لوالدها كيف أنّ الكثيرين يبدؤون بنسج الحكايات والأساطير حوله ، حتّى أنّه يتحوّل إلى أسطورة حيّة ، وتصارحه بأنّ الموت سيحوّله إلى أسطورة ، حيث سيغدو لكلّ شخص قصّته الصغير عن أدونيس: لأنّ أدونيس لا يحتكَر ، بل يبقى شخصيّة عامّة تحاك من حولها القصص الغرائبيّة والملاحم الأسطوريّة ، وتقول بأنّ العجب تملّكها وهي تستمع ، في أحد المجالس ، إلى رجل يتحدّث عن أدونيس ، وينسب إليه أفعالاً وأقوالاً هي أجدر ببطل أسطوريّ ، أو شعبيّ ، ما عرفه أحد أبداً.. تتمتّع نينار بالجرأة والصراحة وهي تحدّث والدها عن بعض غراميّاتها وصداقاتها ، تبدو استفزازيّة حين تعلن أنّ ذوقها مختلف عن ذوقه في الكثير من المسائل ، تفاجئه بأنّها لا تقرأ شعره ، تبدو اقتحاميّة ، تدفعها طاقة التغيير وحماسة الشباب ، في حين يتبدّى أدونيس متعقّلاً مفكّراً ، وهو الخبير المجرّب المعاني ، الذي لا يني يحاول التغيير والتحديث. تسأل نينار الكثير من الأسئلة المفصليّة ، وقد نافت أسئلتها على المئة ، من دون أن تكلّ أو تملّ ، وهي أسئلة لا تخلو من مواقف وآراء جريئة ، أسئلة تحمل الفكر والتجديد والموقف ، لا أسئلة مجاملة مهادنة ، كما أنّها لا تخفي حيرتها ، أحياناً ، وهي تتحدّث عن بعض الشوائن التي تصًم العالم الإسلاميّ ، كحديثها عن التناقض بين القول والفعل ، بين السرّ والعلن ، لمَاذا ظلّ الجسد ، اليوم ، تابو أيضاً؟ لمَ هذا النزوع إلى التسامي؟ نحن مستغرقون في الاستيهام ، في الحلم ، في الأمل.. كلّ شيء يبقى حيّاً داخل الرأس ، ومن الصعب أن ينتقل إلى الفعل.. هل هذا بسبب الثقافة الشفاهيّة ، كما لو أنّ النصّ أكثر أهمّيّة من الأفعال؟ فنحن نتكلّم ولكننا لا نفعل. ربّما يخشى العرب من قوّة شحنتهم الشهوانيّة: لهذا فهم يخفونها ، يتستّرون عليها ، ممارسين استئصالات سيكولوجيّة ، بالاتّكاء على السور القرآنيّة والتقاليد.
تُحرج نينار والدها الذي أحرج منظومات بأكملها ، وهي تستفزّه ، محاولة معرفة ما يدور في رؤوس الآباء إزاء بناتهم ، تقف إلى جانب التحليل النفسيّ الفرويديّ وهي تطرح أسئلتها التي كان والدها يناور في إجاباته عنها. من تلك الأسئلة ، مثلاً ، : أودّ أن أعرف ما إذا كان لدى الآباء مصفاة بيولوجيّة ، أودّ أن أفهم كيف لأبْ ، بسبب كونه أباً ، ألاّ يرى جسد ابنته ، جسدها كامرأة؟ ، ثمّ تنبش في معرفة تأثير البنات على الآباء ، وحول إمكانيّة غيرة الآباء من عشّاق بناتهم. في حين أنّ أدونيس يصرّح لابنته بأنّ لديها مَيلاً إلى رؤية الأمور من زاوية التحليل النفسيّ. تلفت نينار ، في الحوار الخامس ، نظره إلى أجوبته التقليديّة قائلة: "أودّ أن ألفت نظرك إلى أنّك كنت ، حتّى الآن ، بالغ التحفّظ والاحتشام ، وكانت أجوبتك تقليديّة إلى حدّْ كبير، أنا أجد هذا مضحكاً ، الأحرى ، ففيما أبحث عن أدونيس الإنسان ، وقعت على الأب." لكنّ أدونيس لا يخفي تحفّظه ، أحياناً ، ويصرّح لها بأنّه ليس من الميسور الإجابة عن كثير من أسئلتها: لأنّ أسئلتها نظريّة جدّاً ، ويصعب أن يعطيها جواباً يتوخّى الدقّة والصواب ، بل يمكنه إعطاء انطباع ، رأي ، من دون أن يكون له علاقة جازمة مع الحقيقة الواقعيّة.. ونينار تستطلع الإجابات ، تودّ الاطّلاع على الدفين والمخبوء ، لتقارن بين وجهتي نظر ، تقول له مبرّرة جانباً من ثورتها: لو كان لي عمرك وتجربتك ، لما طرحت عليك هذه الأسئلة ، أنا أطرحها بغية المقارنة بين رؤيتين ، وتجربتين.
تبحر نينار بعيداً في أسئلتها ، تسأل عن الطفولة والشباب ، عن النزوات والمغامرات ، عن الأسفار ، عن الصدامات والصعوبات ، عن الأديان ، الجنس ، الجنون ، الشهوة ، الخلق ، الإبداع ، الفنّ ، عن الأبوّة والبنوّة. تتحدّث بصراحة عن تهيّبها من الخوض في مغامرة الكتابة ، وهي تحمل إرث والد ذي شأن كبير في الثقافة العربيّة والعالميّة.. كما أنّها تتحدّث بكثير من المرارة والألم والإيلام والحنين عن أيّام الحرب الأهليّة اللبنانيّة ، تناقش والدها في المآسي الإنسانيّة التي تخلّف صوراً جميلة ، تطرح إشكاليّة جمال المأساة ، هي التي توجّهت صوب الفنّ كي تعبّر عن نفسها وأفكارها.
يشدّد أدونيس ، في أكثر من إجابة له ، على دور الذاكرة ، التي تكون الينبوع الذي يغذّي ذاكرته ، ويعتقد بأنّها جزء أساسيّ من الحياة ، من العقل ، من المشاعر. يقول إنّه ينتابه شعور بأنّه وُلًد داخل الذاكرة ، وإنّ عليه أن يوافي منيته فيها.. كما يؤكّد أدونيس استحالة تقدّم مجتمعْ بوجود بضعة أشخاص متنوّرين: لأنّ المجتمع لا يمكن أن يتغيّر إذا لم تتغيّر المؤسّسة ، إذا لم تتغيّر بنية العائلة ، وبنية السلطة ، أيضاً. يثرى الكتاب بالكثير من الأفكار ، حتّى ليصحّ القول إنّ كلّ فقرة فيه تحمل فكرة مختلفة يمكن التوقّف عندها بالتحليل والمناقشة والتمحيص ، ومن الصعب الإحاطة بما ورد فيه من تشعّبات وتشظّيات ، لأنّه ـ بالفعل ـ درس مزدوج في الحرّيّة. ابنة حرّة واعية مسؤولة جريئة ، أمام أب مفكّر واعْ جريء. قد يقول القارئ ، من باب الاستمتاع والاستفادة ، وبشيء من المداعبة ، بعد انتهائه من قراءة الأحاديث الغنية الصريحة الجريئة بين نينار وأدونيس ، بأنّه لو كان أدونيس ناراً فقد لاقى نيناراً ، إعصاراً.. ذلك أنّ ثورة أدونيس الشعريّة والفكريّة تكون ، أمام اندفاعة ابنته ، الراغبة في التعرّف إلى والدها ، وحماستها ، تُجابَه الابنة بأب مُدرك كُنْهَ الأمور ، يلاقى إعصار نينار ، في أسئلتها ، بإجابات مفكّر خبير ، لم يتعوّد الثبات في مكانْ ما كي لا يطاله التركّد أو الاستنقاع ، بل تراه دائم الحركة والتحوّل الإيجابيّين ، في المسارين: الفكريّ ، والشعريّ ، اللذين كان مجدّداً محدّثاً فيهما ، وما يزال.
أحاديث مع والدي أدونيس لنينار إسبر ، دار الساقي ، بيروت لندن ، ترجمة: حسن عودة ، م2010 ، عدد الصفحات 240 ، القطع الوسط .
نينار إسبر فنّانة تشكيليّة تقيم في باريس ، الكتاب هو أوّل مؤلّف مشترك بينها وبين والدها أدونيس.