المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (موضوع خاص) أركون ومايلا.. من منهاتن إلى بغداد



رذاذ عبدالله
26 - 9 - 2010, 11:43 AM
أركون ومايلا.. من منهاتن إلى بغداد

الدستور الادرنيــة






http://www.addustour.com/NewsImages/2010/09/1078_268112.jpg



قد لا يجادل أحد في أن أحداث الحادي عشر من أيلول قد شكلّت مفصلاً مهماً من مفاصل العلاقة بين الغرب والإسلام ، وأفصحت ، على القاعدة ذاتها ، عن علاقة إشكالية بينهما تطورت إلى مواجهات عسكرية لم تزل تجد ، في التجربة الأفغانية ، والعراقية ، إحدى أكثر تجلياتها دموية ، فمزاعم التحرير ووصفات الديمقراطية المعلبّة ، تلك التي طالعتنا بها الإدارة الأمريكية السابقة ، جاءت ردّاً على الخطر المتنامي الذي تمثله "القاعدة" ، وأيديولوجيتها التي تأخذ من الإسلام مرجعيةً لها ، وتخضع النص الديني لتأويلها الخاص.





من منهاتن إلى بغداد ، ما وراء الخير والشر حوار مطوّل بين اثنين من المهتمين بقضايا العالم الإسلامي: أحدهما هو مفكر إسلامي ذاع صيته ، عبر ما يزيد على الربع قرن ، في الأوساط الفكرية والثقافية: العربية ، والغربية ، على حد سواء ، من خلال منتجه الفكري في ميدان الدراسات الإسلامية ، هو المفكر الجزائري الراحل ، مؤخراً ، محمد أركون ، والآخر هو الباحث الفرنسي من الأصل اللبناني جوزيف مايلا ، الذي يشغل ، حالياً ، مسؤول دائرة الأديان في وزارة الخارجية الفرنسية ، وعميد معهد الدراسات الكاثولوكية ، سابقاً ، حول أكثر القضايا مساساً بأحداث الحادي عشر من أيلول ، 2001 ، وما أفضت إليه من نتائج كارثية على مستوى المعمورة.



في هذا الحوار يتوقف أركون ومايلا عند مجموعة من العناوين الفرعية ، التي تشكل ـ بمجملها ـ مدخلاً عاماً وملائماً لقراءة الظاهرة الإسلامية ، ومرجعيتها الفكرية ، والخلفيات التاريخية ، التي أفضت إلى صعود موجة التيار الأصولي في العالم العربي ، والإسلامي ، وهي قراءة نقدية مهما اتفقنا مع ما طرح فيها ، أو اختلفنا حوله ، فإننا لا نستطيع إلا أن نحترم المنهجية الأكاديمية التي صدرت عنها.



ففي أحد الجوانب المهمة ، التي أضاء عليها الحوار ، جانب يتعلق بسلطة النص الديني ، وما يحتمله من تأويلات ، سواء كانت صحيحية ، أم متعسفة. كان جوزيف مايلا طرح ، في إحدى مداخلاته الإشكالية ، ما ساد في العالم الإسلامي من نقاش محتدم ، بُعيد هجمات الحادي عشر من أيلول ، حول ما هو مقبول ، وما هو غير مقبول ، وما هو مسموح به ، وما هو ممنوع ، بالاعتماد على النص الديني ، وهل تعد تلك الهجمات عملاً استشهادياً أم انتحارياً؟ مع ملاحظة إيراد مايلا تلك المقابلةَ بين العمل الفدائي الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي ، وما وصفه به "الكاميكاز الفلسطيني" ، وبين الهجمات التي تمّت في الحادي عشر من أيلول ، برغم اختلاف السياق الموضوعي الذي أنتج كلتا الظاهرتين.



بيد أن أركون يعتبره جدلاً بيزنطياً ، ذلك الجدل الذي يبحث في صفة الانتحار ، أو الاستشهاد ، التي ينبغي إضفاؤها على ظاهرة الموت الذي يلحقه شخص بنفسه لكي يؤدي ذلك إلى موت ضحايا أبرياء ، بحسب ما يذهب إليه أركون ، وهو ما نلمح منه موقفاً سلبياً من العمليات الاستشهادية التي يقوم به الفلسطينيون. فأساس التفكير في هذه المسألة التي طرحها مايلا ، على النحو ، السابق ينطلق مما يعتبره أركون هيئة الحكم ، التي يمكنها أن تتجاوز ، في تقويمها ظاهرةً قديمة ، وموجودة في جميع الصراعات ، انغلاق الفكر داخل دورة العنف القاتلة. ولنلاحظ حساسية المصطلح الأركوني ، في تحليله الظاهرةَ المعنية: فمن هو البطل ، ومن هو الشهيد ، وما هو الانتحار المرتبط ، فقط ، بحركة المنتحر عندما يكون الأمر متعلقاً بحربْ يبني كل طرف شرعيته فيها ، نافياً ، بشكل جذري ، شرعية الآخر؟



وأركون ، في السياق ذاته ، يعلي من قيمة المسألة الأخلاقية في الفكر ، كما طرحته ، بالتحديد ، مونيك كانتو سبيربر ، في كتابها "القلق الأخلاقي والحياة البشرية". والمقصود ، هنا ، بتعبير أركون ، تبيان كيف أن الفكر المسمى بالإسلامي ، الذي يصاحب العمل الإرهابي ، هو مفصول ، تماماً ، من بين آفات أخرى ، عن الحقل الأخلاقي في الفكر ، إضافة إلى أنه يزّج النقاشات الأكثر غنى في إسار عقلْ جاف واجتدالي وعديم العمق الأخلاقي والتطلب الفكري ، إذا ما قارناه بالفكر الكلاسيكي لمؤسسي الأخلاق والفقه الإسلاميين ، أو بالاهتمامات الجدية للحداثة.



وفي جانب آخر ، من تلك الجوانب ، التي اهتمّ الحوار بها ، يفكّك أركون ومايلا مصطلح الحرب العادلة ، من خلال تحليل المضامين التي يمكن أن يحتملها هذا المصطلح ، وهو المصطلح ذاته ، الذي عنيت بترويجه رسالة المثقفين الأميركيين ، بعيد هجمات الحادي عشر من أيلول. فقد جاءت تلك الرسالة دعماً نقدياً لحرب بوش على أفغانستان ، تركيزاً على الطابع الكوني للتدخل الأمريكي في أفغانستان ، بحسب مايلا ، فالطابع الأخلاقي ـ كما يوحي به مفهوم الحرب العادلة ـ يعني ترخيصاً بشنّ الحرب ومرجعاً يسمح بشنها ، بكل راحة ضمير ، فقد أصبحت عقيدة الحرب العادلة حجة صالحة لأنْ توضع في المقدمة ، في كل مرة يراد فيها إعطاء مشروعية مجلجلة للعمل الحربي ، الذي كان من الممكن الإعلان ، مسبقاً ، عن أسبابه ، ومسوغاته السياسية أو الإستراتيجية الصرفة ، كما يرى جوزيف مايلا ، مع ملاحظة أن مفهوم الحرب الباردة ، الوارد في الحوار ، هو الرديف للجهاد في الفكر الإسلامي.




ما سبق يعدّ لمحة سريعة حول الحوار المطول بين أركون ومايلا ، اللذين يمثلان حواراً بين مرجعيتين فكريتين ، وفضائين مختلفين ، أسهما في إثراء الجدل العام ، الذي تلا أحداث الحادي عشر من أيلول. يبقى القول إن المفكر الإسلامي الراحل ، محمد أركون ، قد شكّل حجراً أساسياً في ميدان القراءات النقدية العقلانية التجديدية المعاصرة للتراث الإسلامي.