رذاذ عبدالله
27 - 9 - 2010, 11:59 AM
طارق الطيب: الثقافة لا تحمل أعلام دول
http://www.albayan.ae/servlet/Satellite?blobcol=urllowres&blobheader=image%2Fjpeg&blobkey=id&blobnocache=false&blobtable=CImage&blobwhere=1277245150832&ssbinary=true
رغم أن مؤلفاته في الرواية والشعر والقصة، تُرجمت للعديد من اللغات الغربية، مصحوبة بحفلات تدشين وقراءات ومتابعات صحافية، إلا أن ما يهم الكاتب السوداني طارق الطيّب «مواليد 1959م»، هو نصيبها من الانتشار في السودان والعالم العربي، مع أن النتيجة هنا لا تعجبه، إذ إن معظم أعماله غير متوافرة في الخرطوم.
وهو يقول إن روايته الأخيرة «بيت النخيل»، المنشورة باللغة العربية، كُتب عنها عربيا، مرتين فقط حتى الآن، وذلك من المحيط إلى الخليج، !يقول الطيب في إجابته عن سؤال حول هويته «المتعددة» بين السودان ومصر والنمسا: إن الهوية لا يمكن أن تكون «متعددة»، بل « متنوعة» فهي تحمل إرثا ثقافيا تاريخياً، لا تحمل أعلام دول أو أسماء بلدان. الهوية ليس لها جغرافيا وإنما تاريخ، .. فمثلما يتعلم المرء ويجيد لغات عدة؛ فإن هذا لا يعني أن كل لغة جديدة ماحية للأخرى أو خصم لها، بل بالعكس فاللغة في عقل الإنسان، لغة عقل واحدة تتنوع فقط في المنطوق لكنها لا تتعدد!
لا حدود
وحول قدره في أن يولد في مصر لأبوين سودانيين ويعيش فيها لمدة 25 عاما، ويعيش مثلها في النمسا، يرد الطيب متسائلاً: كيف لي أن أضع حدوداً بين هذه الأمكنة التي شكلتني كلها معا وهذا الإرث الذي شكَّل وجداني؟ مهمتي أن أكسر هذه الحدود الجغرافية الضيقة؛ فالثقافة لا عَلَمَ لها، الثقافة أكثر حرية من أن يكون لها جواز سفر وجنسية وخريطة حدود!.
وأريد أن أشير إلى أن النمسا أكرمتني كثيراً، وأنا اعمل مع كتّابها لصياغة شكلها المركب المتنوّع أدبيا. ومتحف «فيينا» صمم منذ سنوات ركناً لكتاباتي وصوري وسيرتي الذاتية « كأحد النمساويين الجدد في العصر الحديث».
ويضيف الطيب: وقبل أعوام قليلة هناك مترجم وضع أنطولوجيا/ مختارات لستة من الكتّاب النمساويين، سماها «أبناء ماريا وريلكه» وسعدت أن أكون واحداً ضمن هؤلاء الستة.
وقبل شهور دعاني رئيس الجمهورية ؟ ككاتب نمساوي- ضمن ستة أدباء نمساويين، لغداء خاص معه ومع زوجته، وكان كل الحديث عن الأدب والأدباء وتوطدت بيننا علاقة طيبة.
محاكاة
لكن الطيب، وبقدر سعادته بهذه الحفاوة، لا يبدو راضياً عن تجاوزات كثيرة للإنسان القريب منه والمهمش في النمسا، كما يقول. ويتابع: هذا طبعا سواء كان نمساويا أبا عن جد، أو يعيش على أرض هذه البلاد من أي جنسية كانت. لذا لا بد أن أكتب وأن أمارس الفن.
وفي أعماله الإبداعية، خصوصاً الأولى منها، واغلبها كُتب بالعربية ثم تُرجم إلي اللغات الغربية، يقارب طارق الطيب أجواء عربية، بل يصنع مقابلات بين الثقافتين العربية والغربية، إن جاز القول، وهو ما تعبر عنه عناوين أعماله أيضا، وهو يقول في هذا الصدد:
حين ينتقل الشخص العربي للغرب أو إلى أي مكان آخر غير مكانه، فهو يحمل مخزونا كبيرا من العادات والتقاليد والخصال والعلاقات التي لا تتبدد بمجرد وطئه الأرض الجديدة، أو بمرور الزمن... !
وقد رأى بعضهم في روايته «مدن بلا نخيل»، ما يشبه أجواء رواية « موسم الهجرة إلي الشمال» للراحل الطيب صالح، الذي كتب له مقدمة مجموعته القصصية «الجمل لا يقف خلف إشارة حمراء». لكن طارق يقول: روايتي تناولت جانبا مختلفا تماما عن «موسم الهجرة إلى الشمال»؛ فمصطفى سعيد ـ بطل رواية موسم الهجرة..
كان مسلحا بلغة إنجليزية وعلم وبعض مال وندية إلى حد ما، في التعامل مع الغرب. أما حمزة في (مدن بلا نخيل) فليس له سوى لغته الأم، ولا عِلم لديه سوى ذكاء فطرته ولا مال، ولم تكن هناك شروط لأي ندية منه في المجتمعات التي تهمش فيها. ويضيف طارق: الهجرة إلى الغرب لم تتوقف بخروج الطيب صالح للغرب.
خرجت أفواج أكبر في شتى المجالات، وكان لها تجربتها وحياتها وبيئاتها المختلفة ولغاتها المختلفة أيضا. لا أفهم الإصرار الدائم على «تصنيم» الطيب صالح في كل كتابة سودانية.
السودان به روائيون وشعراء رائعون لم يُكتشفوا بعد. مصر فيها كتاب كبار بعد محفوظ. العراق فيه شعراء كبار بعد السياب والملائكة. هذه المحطات النهائية التي تصل بنا إلى رصيف الأدب ونهاية الرحلة هي تصور خاطئ.
لا تصنيفات
يشدد طارق الطيّب الذي شارك بدعوة من النمسا في معرض فرانكفورت 1995، كممثل عن الكتاب المقيمين في النمسا من أصل غير أوروبي، «حيث كانت النمسا ضيف شرف لذاك العام»، ثم مرة أخرى بدعوة من ألمانيا في معرض فرانكفورت عام، 2004 «حيث كان العالم العربي ضيف الشرف»، على أن الأجيال الجديدة من الكتّاب العرب في المهجر أثرت في معظمها بشكل جيد .
ولا بأس بها في خريطة الأدب الأوروبي «أو الأدب المهاجر إن شئت هذا التصنيف»، ويردف: محاولاتي دائما هي نفي هذه التصنيفات؛ فالأدب أدب في العموم، وإن جاز للأكاديميين أن يقسموا ويصنفوا.
وعن وضعية هذه الأسماء المهاجرة بعد الهزّات السياسية التي حصلت أخيرا، قال: صحيح أن صورة العربي والمسلم تأثرت سلبيا وكثيرا بسبب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لكن في الجانب الآخر من العملة- ولو انه مطموس وممسوح إلى حد كبير- فهناك بعض الوعي والاهتمام بالعربي والمسلم مجددا من العقلاء هناك، فليس من كتابات أدبية تناولت الإرهاب تحديدا بهذا الشكل الموجود حواريا في الصحافة والإعلام. البعض قد يحاول أن يركب الموجة ويكتب في هذا الاتجاه، لكنها كتابات مؤقتة وفقاعات أدبية لا تستمر طويلا.
وفيما يخص سمات الكاتب الجيد، ومنحى تأثره أو انسجامه بنتاجه مع ما طبعته بيئته الأساسية، يقول الطيب:
الكاتب الجيد يكتب عن ما يجيده، وما يجيده هو ما يعرفه. لا ضير أن يكتب الكاتب عن المجتمع الذي أتى منه ولا ضرار أن يكتب عن ذكرياته وما ورثه من أحداث. أعترض على كلمة «المتخلف» في هذا السياق. الكتابة تعرية لواقع، والتعرية المقصودة مثل التعرية في عيادة طبيب للكشف والعلاج وليست تعرية بيوت المتعة.. إن الثراء الكتابي لا ينبع بالضرورة من ثراء مجتمعي.
بل في أغلب الأحيان هو العكس. القصة التي ستهمك وتحرك مشاعرك ووجدانك هي أيضا قصة هذه الفتاة القروية النمساوية البائسة التي تعيش في فقر مادي وإنساني مؤلم، رغم تدينها الشديد- حتى لا نقول غياب الروحانية عنها، لكنها مهملة من الجميع ومغتصبة نفسيا من أقرب الناس لها، فتصاب بالجنون وتقتل طفلتها وتحكي حكايتها التي لا تتوقعها..
الكاتب يرى باعثا مؤثرا هنا فيكتب عنه ويرى باعثا مؤثرا هناك فيكتب عنه. لكن هناك البعض الذي ما زال يصر على أن العربي «المهاجر» أو» غير المقيم» الذي يكتب عن العالم العربي ناقدا، فهو كمن ينشر «الغسيل الوسخ». البعض في مجتمعاتنا ما زال يرفض أن يسمع من الفنان تنويها ورفضا عن القباحة والقذارة والفساد فيزيقيا ومعنويا.
أزلية ورهافة الفن
نجد انه مثل هوياته «المتنوعة» يتنوّع الطيب في إبداعاته بين الشعر والرواية والقصة والرسم، وينطلق في ذلك من مبدأ خاص، يحكي في شأنه:: كل الفنون تخرج من منابع متعددة، لكنها تلتقي في مصب واحد وهو وعي الإنسان المتلقي ومشاعره.
أحب الشعر والقصة والرواية وأعشق الرسم والتصوير والنحت. أمارس ما أشعر أنني مدفوع إليه غريزيا دون لجم ما يخرج مني. أشعر بروحي في ممارسة الكتابة وأشعر براحة في ممارسة فنون أخرى..
هذه الفنون أيضا متقاربة ومن صلب واحد وليس غريبا أن تتشابك وتتداخل وتتفاعل. مأساتنا هي إقامة الحدود في الفن بل هناك من يجازف ويفصل بين الفن والعلم.. لدي فكرة أساسية أصيلة وأزلية أمارسها على نفسي أولا وأطبقها:( حرية استقبال الفن وحرية إرسال ما يعتمل لدي وما يخرج مني... ).
ينفي الطيب الفكرة السائدة التي مفادها أن العالم الغربي يقدّم الكاتب العربي ويهتم به إعلاميا عندما يكون فضائحياً وكاشفاً لعورات مجتمعه:
الترجمات الموجودة والمقروءة والتي تحظى باهتمام عقلاني ووعي، هي لكتّاب مثل: أدونيس ونجيب محفوظ والطيب صالح وغسان كنفاني وإميل حبيبي والسياب وعلاء الأسواني وإدوار الخراط والطاهر بن جلون ومحمود درويش وأمين معلوف وجمال الغيطاني وسلوى بكر وإبراهيم أصلان وإبراهيم عبد المجيد وغيرهم كثيرين.
ولا أعتقد أن هذه القائمة القصيرة من الأسماء هي لكتاب فضائحيين..، ولكنه صحيح أن هناك بعض موجات من الاهتمام بكتابة فضائحية أو اكزوتيكية أو نسوية أو جنسية، لكنها ليست الغالبة وليست السارية، نعم أنها تؤثر في العوام وهذا شأنها منذ الأزل.
فهذا القارئ هو نفسه الذي يشتري أو يقرأ جريدته اليومية فقط يوم وجود حدث فضائحي بارز بغض النظر عن مكانه.. سوق الأدب فيه أيضا مسالك أدبية غير سوية، ككافة الأسواق. لكن في رأيي ليس هذا هو الغالب.
طارق الطيب في سطور
ولد الشاعر والروائي السوداني طارق الطيّب في عام 1959، وعاش بين مصر والسودان، ثم هاجر إلى النمسا 1984، وحاز أخيرا على منحتها الكبرى للعام 2009 / 2010.
وكان حصل قبلها علي جوائز ومنح عدة، كما شارك في العديد من المهرجانات الأدبية الدولية، في مصر وسوريا والإمارات والعديد من البلدان الأوروبية، ولم يزر السودان إلا مرة واحدة، إذ عاش فترة أطول في مصر بعد أن هاجر إليها والده، باكراً. ومن أبرز مؤلفاته: رواية «مدن بلا نخيل»، مجموعة قصصية بعنوان «الجمل لا يقف خلف إشارة حمراء».
عصام أبو القاسم
http://www.albayan.ae/servlet/Satellite?blobcol=urllowres&blobheader=image%2Fjpeg&blobkey=id&blobnocache=false&blobtable=CImage&blobwhere=1277245150832&ssbinary=true
رغم أن مؤلفاته في الرواية والشعر والقصة، تُرجمت للعديد من اللغات الغربية، مصحوبة بحفلات تدشين وقراءات ومتابعات صحافية، إلا أن ما يهم الكاتب السوداني طارق الطيّب «مواليد 1959م»، هو نصيبها من الانتشار في السودان والعالم العربي، مع أن النتيجة هنا لا تعجبه، إذ إن معظم أعماله غير متوافرة في الخرطوم.
وهو يقول إن روايته الأخيرة «بيت النخيل»، المنشورة باللغة العربية، كُتب عنها عربيا، مرتين فقط حتى الآن، وذلك من المحيط إلى الخليج، !يقول الطيب في إجابته عن سؤال حول هويته «المتعددة» بين السودان ومصر والنمسا: إن الهوية لا يمكن أن تكون «متعددة»، بل « متنوعة» فهي تحمل إرثا ثقافيا تاريخياً، لا تحمل أعلام دول أو أسماء بلدان. الهوية ليس لها جغرافيا وإنما تاريخ، .. فمثلما يتعلم المرء ويجيد لغات عدة؛ فإن هذا لا يعني أن كل لغة جديدة ماحية للأخرى أو خصم لها، بل بالعكس فاللغة في عقل الإنسان، لغة عقل واحدة تتنوع فقط في المنطوق لكنها لا تتعدد!
لا حدود
وحول قدره في أن يولد في مصر لأبوين سودانيين ويعيش فيها لمدة 25 عاما، ويعيش مثلها في النمسا، يرد الطيب متسائلاً: كيف لي أن أضع حدوداً بين هذه الأمكنة التي شكلتني كلها معا وهذا الإرث الذي شكَّل وجداني؟ مهمتي أن أكسر هذه الحدود الجغرافية الضيقة؛ فالثقافة لا عَلَمَ لها، الثقافة أكثر حرية من أن يكون لها جواز سفر وجنسية وخريطة حدود!.
وأريد أن أشير إلى أن النمسا أكرمتني كثيراً، وأنا اعمل مع كتّابها لصياغة شكلها المركب المتنوّع أدبيا. ومتحف «فيينا» صمم منذ سنوات ركناً لكتاباتي وصوري وسيرتي الذاتية « كأحد النمساويين الجدد في العصر الحديث».
ويضيف الطيب: وقبل أعوام قليلة هناك مترجم وضع أنطولوجيا/ مختارات لستة من الكتّاب النمساويين، سماها «أبناء ماريا وريلكه» وسعدت أن أكون واحداً ضمن هؤلاء الستة.
وقبل شهور دعاني رئيس الجمهورية ؟ ككاتب نمساوي- ضمن ستة أدباء نمساويين، لغداء خاص معه ومع زوجته، وكان كل الحديث عن الأدب والأدباء وتوطدت بيننا علاقة طيبة.
محاكاة
لكن الطيب، وبقدر سعادته بهذه الحفاوة، لا يبدو راضياً عن تجاوزات كثيرة للإنسان القريب منه والمهمش في النمسا، كما يقول. ويتابع: هذا طبعا سواء كان نمساويا أبا عن جد، أو يعيش على أرض هذه البلاد من أي جنسية كانت. لذا لا بد أن أكتب وأن أمارس الفن.
وفي أعماله الإبداعية، خصوصاً الأولى منها، واغلبها كُتب بالعربية ثم تُرجم إلي اللغات الغربية، يقارب طارق الطيب أجواء عربية، بل يصنع مقابلات بين الثقافتين العربية والغربية، إن جاز القول، وهو ما تعبر عنه عناوين أعماله أيضا، وهو يقول في هذا الصدد:
حين ينتقل الشخص العربي للغرب أو إلى أي مكان آخر غير مكانه، فهو يحمل مخزونا كبيرا من العادات والتقاليد والخصال والعلاقات التي لا تتبدد بمجرد وطئه الأرض الجديدة، أو بمرور الزمن... !
وقد رأى بعضهم في روايته «مدن بلا نخيل»، ما يشبه أجواء رواية « موسم الهجرة إلي الشمال» للراحل الطيب صالح، الذي كتب له مقدمة مجموعته القصصية «الجمل لا يقف خلف إشارة حمراء». لكن طارق يقول: روايتي تناولت جانبا مختلفا تماما عن «موسم الهجرة إلى الشمال»؛ فمصطفى سعيد ـ بطل رواية موسم الهجرة..
كان مسلحا بلغة إنجليزية وعلم وبعض مال وندية إلى حد ما، في التعامل مع الغرب. أما حمزة في (مدن بلا نخيل) فليس له سوى لغته الأم، ولا عِلم لديه سوى ذكاء فطرته ولا مال، ولم تكن هناك شروط لأي ندية منه في المجتمعات التي تهمش فيها. ويضيف طارق: الهجرة إلى الغرب لم تتوقف بخروج الطيب صالح للغرب.
خرجت أفواج أكبر في شتى المجالات، وكان لها تجربتها وحياتها وبيئاتها المختلفة ولغاتها المختلفة أيضا. لا أفهم الإصرار الدائم على «تصنيم» الطيب صالح في كل كتابة سودانية.
السودان به روائيون وشعراء رائعون لم يُكتشفوا بعد. مصر فيها كتاب كبار بعد محفوظ. العراق فيه شعراء كبار بعد السياب والملائكة. هذه المحطات النهائية التي تصل بنا إلى رصيف الأدب ونهاية الرحلة هي تصور خاطئ.
لا تصنيفات
يشدد طارق الطيّب الذي شارك بدعوة من النمسا في معرض فرانكفورت 1995، كممثل عن الكتاب المقيمين في النمسا من أصل غير أوروبي، «حيث كانت النمسا ضيف شرف لذاك العام»، ثم مرة أخرى بدعوة من ألمانيا في معرض فرانكفورت عام، 2004 «حيث كان العالم العربي ضيف الشرف»، على أن الأجيال الجديدة من الكتّاب العرب في المهجر أثرت في معظمها بشكل جيد .
ولا بأس بها في خريطة الأدب الأوروبي «أو الأدب المهاجر إن شئت هذا التصنيف»، ويردف: محاولاتي دائما هي نفي هذه التصنيفات؛ فالأدب أدب في العموم، وإن جاز للأكاديميين أن يقسموا ويصنفوا.
وعن وضعية هذه الأسماء المهاجرة بعد الهزّات السياسية التي حصلت أخيرا، قال: صحيح أن صورة العربي والمسلم تأثرت سلبيا وكثيرا بسبب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لكن في الجانب الآخر من العملة- ولو انه مطموس وممسوح إلى حد كبير- فهناك بعض الوعي والاهتمام بالعربي والمسلم مجددا من العقلاء هناك، فليس من كتابات أدبية تناولت الإرهاب تحديدا بهذا الشكل الموجود حواريا في الصحافة والإعلام. البعض قد يحاول أن يركب الموجة ويكتب في هذا الاتجاه، لكنها كتابات مؤقتة وفقاعات أدبية لا تستمر طويلا.
وفيما يخص سمات الكاتب الجيد، ومنحى تأثره أو انسجامه بنتاجه مع ما طبعته بيئته الأساسية، يقول الطيب:
الكاتب الجيد يكتب عن ما يجيده، وما يجيده هو ما يعرفه. لا ضير أن يكتب الكاتب عن المجتمع الذي أتى منه ولا ضرار أن يكتب عن ذكرياته وما ورثه من أحداث. أعترض على كلمة «المتخلف» في هذا السياق. الكتابة تعرية لواقع، والتعرية المقصودة مثل التعرية في عيادة طبيب للكشف والعلاج وليست تعرية بيوت المتعة.. إن الثراء الكتابي لا ينبع بالضرورة من ثراء مجتمعي.
بل في أغلب الأحيان هو العكس. القصة التي ستهمك وتحرك مشاعرك ووجدانك هي أيضا قصة هذه الفتاة القروية النمساوية البائسة التي تعيش في فقر مادي وإنساني مؤلم، رغم تدينها الشديد- حتى لا نقول غياب الروحانية عنها، لكنها مهملة من الجميع ومغتصبة نفسيا من أقرب الناس لها، فتصاب بالجنون وتقتل طفلتها وتحكي حكايتها التي لا تتوقعها..
الكاتب يرى باعثا مؤثرا هنا فيكتب عنه ويرى باعثا مؤثرا هناك فيكتب عنه. لكن هناك البعض الذي ما زال يصر على أن العربي «المهاجر» أو» غير المقيم» الذي يكتب عن العالم العربي ناقدا، فهو كمن ينشر «الغسيل الوسخ». البعض في مجتمعاتنا ما زال يرفض أن يسمع من الفنان تنويها ورفضا عن القباحة والقذارة والفساد فيزيقيا ومعنويا.
أزلية ورهافة الفن
نجد انه مثل هوياته «المتنوعة» يتنوّع الطيب في إبداعاته بين الشعر والرواية والقصة والرسم، وينطلق في ذلك من مبدأ خاص، يحكي في شأنه:: كل الفنون تخرج من منابع متعددة، لكنها تلتقي في مصب واحد وهو وعي الإنسان المتلقي ومشاعره.
أحب الشعر والقصة والرواية وأعشق الرسم والتصوير والنحت. أمارس ما أشعر أنني مدفوع إليه غريزيا دون لجم ما يخرج مني. أشعر بروحي في ممارسة الكتابة وأشعر براحة في ممارسة فنون أخرى..
هذه الفنون أيضا متقاربة ومن صلب واحد وليس غريبا أن تتشابك وتتداخل وتتفاعل. مأساتنا هي إقامة الحدود في الفن بل هناك من يجازف ويفصل بين الفن والعلم.. لدي فكرة أساسية أصيلة وأزلية أمارسها على نفسي أولا وأطبقها:( حرية استقبال الفن وحرية إرسال ما يعتمل لدي وما يخرج مني... ).
ينفي الطيب الفكرة السائدة التي مفادها أن العالم الغربي يقدّم الكاتب العربي ويهتم به إعلاميا عندما يكون فضائحياً وكاشفاً لعورات مجتمعه:
الترجمات الموجودة والمقروءة والتي تحظى باهتمام عقلاني ووعي، هي لكتّاب مثل: أدونيس ونجيب محفوظ والطيب صالح وغسان كنفاني وإميل حبيبي والسياب وعلاء الأسواني وإدوار الخراط والطاهر بن جلون ومحمود درويش وأمين معلوف وجمال الغيطاني وسلوى بكر وإبراهيم أصلان وإبراهيم عبد المجيد وغيرهم كثيرين.
ولا أعتقد أن هذه القائمة القصيرة من الأسماء هي لكتاب فضائحيين..، ولكنه صحيح أن هناك بعض موجات من الاهتمام بكتابة فضائحية أو اكزوتيكية أو نسوية أو جنسية، لكنها ليست الغالبة وليست السارية، نعم أنها تؤثر في العوام وهذا شأنها منذ الأزل.
فهذا القارئ هو نفسه الذي يشتري أو يقرأ جريدته اليومية فقط يوم وجود حدث فضائحي بارز بغض النظر عن مكانه.. سوق الأدب فيه أيضا مسالك أدبية غير سوية، ككافة الأسواق. لكن في رأيي ليس هذا هو الغالب.
طارق الطيب في سطور
ولد الشاعر والروائي السوداني طارق الطيّب في عام 1959، وعاش بين مصر والسودان، ثم هاجر إلى النمسا 1984، وحاز أخيرا على منحتها الكبرى للعام 2009 / 2010.
وكان حصل قبلها علي جوائز ومنح عدة، كما شارك في العديد من المهرجانات الأدبية الدولية، في مصر وسوريا والإمارات والعديد من البلدان الأوروبية، ولم يزر السودان إلا مرة واحدة، إذ عاش فترة أطول في مصر بعد أن هاجر إليها والده، باكراً. ومن أبرز مؤلفاته: رواية «مدن بلا نخيل»، مجموعة قصصية بعنوان «الجمل لا يقف خلف إشارة حمراء».
عصام أبو القاسم