المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرواية والرواة



رذاذ عبدالله
5 - 10 - 2010, 10:40 AM
الروايــة والــرواة
* الثــورة السوريــة








http://thawra.alwehda.gov.sy/images/710/17.jpg








عادل نايف البعيني: هي رابعة أعماله الروائية، بدأها بـرواية «الحصار 2003» وهي الفائزة بالجائزة الأولى في مهرجان المزرعة للعام 2002، ثمّ رواية «حديث المكان 2006»
تليهما «العصف والسنديان» الصادرة عن وزارة الثقافة عام 2008. وفي جميع تلك الروايات، يخرج علينا الكاتب فوزات رزق، بأعمال روائية مميزة، فيها الكثير من التشويق، والجرأة، والتصميم على دخول ميدان الرواية من بابها الواسع.‏‏






أمّا روايته الرابعة «طبرق 90» الصادرة أيضا عن وزارة الثقافة أوائل 2010، فهي تصبُّ في بحر فوزات رزق الروائي ذاته، فتذهب بك منذ الصفحة الأولى، إلى عالم الإبداع والتشويق، تشدّك بهذا الخيط الشفاف من تقنية السرد، وفخامة اللغة، بما فيهما من جمال وابتكار، وواقعية إلى حد العيش داخل الرواية، كأحد شخوصها.‏‏



تدور أحداث الرواية بين بلدين، من جذر واحد، سوريا وليبيا، فتنبئك منذ البداية إلى أنّك ستكون المسافر المتنقل بلا ملل أو ضجر، ما بين شواطئ ورمال طبرق، و تألّق وجمال «المجدل» قرية البطل في سوريا، فإذا بك تلهث بكل الحب خلف النهاية، نهاية تعرف أنّها مؤلمة قاسية، وتحلمها جميلة متلألئة. تغوص من البدء في الحلم، لترى نفسك تجدّف بين وفي بحرين، متجانسين في ملوحتهما، وطبيعتهما، وبما يقذفان من أمواج، وما يخبئان من قروش ووحوش ضارية، تسافر مع «سالم» بطل الرواية من تيه إلى تيه. ولا تجد نفسك في نهاية الأمر إلاّ تائها.‏‏



بين طبرق ليبيا ومجدل سوريا، يبحر سالم النصيرات، عبر أحداث اجتماعية، من أفراح وأعراس وحب وشوق، وكل ما يحمل الشاب لأن يجعل من نفسه مسؤولا عن أسرة وعائلة وبيت، وفي كل البيئات الاجتماعية التي تقوم على الحب والوفاء والمكر والخداع، يعيش سالم.‏‏
بعد وفاة «أم سالم» وزواج أبيه من «رئيفة»، تحثّه الأخيرة بأسلوب مضايقاتها كي يطلّق، زوجته «رمزية»، ليتزوّج من ابنتها «نوفة» ، وبحكم الحب الذي يربطه برمزية تقنعه الأخيرة بالسفر إلى ليبيا. في طبرق ليبيا تبدأ أحداث الرواية بالتعقّد، وتأتي الحلول واهنة ضعيفة، تزول، وتبقى آثارها، ويسرد «سالم» ما يجري في ليبيا لهؤلاء الذين شرّدهم الوطن، حملهم على البحث عن لقمة العيش، ولم يَحْمِلْهم، وحمّلهم أعباء أخرى، فالحلم في سرعة جني محصول العمل، وتحويله للأفواه الجائعة، كان وَهْمًا وهمًّا، حمّلهما الكاتب في روايته بأسلوب غنيّ وجذّاب، فراح يحكي نتفا مما عاينه، وسمع به، أو شارك في حلّه. معتمدًا تارة الخطف خلفا، وتارة أخرى الاسترجاع، وثالثة السرد المباشر، لتبرز في الرواية عناوين لموضوعات كثيرة، كلّها فرضت نفسها، لتخرج إلى القارئ على شكل رواية واقعية و متخيّلة في آن، وتتداخل مع السيرة الذاتية، على لسان بطلٍ متخيّلٍ، هو سالم النصيرات.‏‏



لم تكن مهمة سالم البحث عن مواطن الخلل في هجرة الشباب من أوطانهم، ولكنه دُفِعَ لها دفعا فراح يسرد معاناتهم، وما يلاقون من مشاكل الغربة، فأتت الرواية كأنها كاميرا تلقى ضوءها هنا وهناك، فتصور جانبا معتما ضبابيا، وتطوي مساحة حزن امتدت في الرواية من البحرين حتى المغرب، في المدرسة التقى زملاءه من فلسطين، السودان، مصر ، تونس..ليبيا همٌّ واحد وألم واحد .‏‏




للكاتب أسلوبه الجذّاب يدفعك دفعا لالتهام السطور، والغوص في مكنونات العمل ، يمسك بتلابيبك فلا يدعك إلا وقد انتهيت من القراءة، لتستلقي بعدها، مستعيدا كثيرًا من الأحداث، فتدخل البيوت، تسلّم على أهلها، تعيش أحلامهم وآمالهم، وقد يدفعك الأمر لأن تتحرّش بشخصيات الرواية من الصبايا ذوات «القامة الرمح»، كما يحلو للكاتب أن يصفهنّ.‏‏




لأسلوب السرد لدى الكاتب نكهة خاصة، فهو لا يدعك تقرأ بلا تفكير وتمعّن، فالصور التي يبثّها لا تأتيك على وتيرة واحدة، ولا من مكان واحد، أو زمان محدد. يكون البطل في ليبيا يتحضّر لدخول الفصل في مدرسته، ولا يلبث أن ينقلك إلى بلدته في سوريا لتحلّ معه بين أهله، يطالعك بسرد مستخدما ضمير المخاطب، يخاطبه، ويحادثه راوٍ عليم ، يحكي وقائع يريدها أن تسرد، فجأة تجد نفسك أمام إحدى شخصيات الرواية، تسرد ما يجرى معها سردا ذاتيا مباشرا، تحدثك بضمير المتكلم عن دقائق أمور، لا يعرفها إلا هو، وتارة تحدثك شخصية أخرى عن غيرها بضمير الغائب، وقد يعود راوي الرواية لمخاطبة البطل من جديد، وهكذا تتبدل الضمائر.‏‏




تلك هي لعبة الكاتب تلاعب بالضمائر، بالأمكنة، بالأزمنة، بتعدد الرواة، قد تتمرّد عليه إحدى شخصياته، فتفرّ بعيدًا، لكنها دون أن تدري، تجد نفسها لا تزال داخل الشبكة، وكأنها مربوطة بصنارة خفية، فتعود أدراجها.‏‏




أمّا عن الأمكنة في الرواية، فنراها قد برزت متلألئة ضاحكة مصرّحة بنفسها، حيثما ذهبنا، فمن قرية «المجدل» قرية البطل، إلى القميرة وسهوة الحدادين، ثم دمشق وزواريبها، وحاراتها القديمة، ومن ثمة ليبيا التي يفصّل بدقة العارف والمستقصي فالكاتب فوزات رزق الذي هجّرته الحاجة إلى ليبيا عمل معلما فيها، فولدت تلك الرواية حية ناضجة نشيطة، تمرح بين الواقع والخيال، الواقع بما يثبت من أمكنة مدن وقرى وحارات وأحواش وبرك وجسور في ليبيا، وخيال بما ابتدعه على لسان هذا البطل الذي نسب لنفسه ما نسب كي يخرج علينا برواية جميلة ومتكاملة إلى حد ما، ولا أغلو إذا قلت بأن الرواية ملقّحة بشيء من حياة الكاتب في ليبيا.‏‏




وما يقال عن المكان يصدق على الزمان فقد أثبت الكاتب أزمنة حقيقية عاشها البطل المسكون بالهاجس الوطني والقومي، وعانى منها، كالحرب الدولية والتحالف العربي الأمريكي على العراق لتحرير الكويت، والحصار الأمريكي لليبيا وما ترك من آثار. كلّها مثبّة بكلِّ دقّة وتفصيل.‏‏




وإذا جئنا لحامل تلك الرواية فسنراه لغة قوية متينة، مشحونة بالعواطف الجياشة، والأحاسيس الفائضة، لغة تعب الكاتب عليها، تخييلا، وتصويرا وبيانا، فجاءت باقة مزدانة بشتّى الورود والأزهار. بخاصة وهو يطعم الفصيح بالمحكي برشاقة عارفٍ.‏‏




يبقى سؤال و كلمة، أمّا السؤال: هل يمكننا أن نقول بأن هذه الرواية جاءت خارقة، لا لبس فيها؟ أمّا الكلمة فهي الجواب: فقد أَخذْتُ على الرواية أنّها خاضت في أحداث، بعيدة عن طبرق وعنوان النص، وإن وجد الرابط، تحسّه ضعيفا، ولا يستدعي الذكر، فقد أفرد الكاتب حوالي 34 صفحة لسرد قصة مقتل «مخول» جد عابد مسعود الذي التقاه في ليبيا، فجاءت غريبة عن الرواية كون أحداثها أعادتنا إلى «المجدل» في سوريا بلا ضرورة.‏‏




والأمر الآخر فقد أسهب الكاتب في بسط مشكلة حَمْلِ رمزية، حتى الملل، وإن كانت لعبة السرد لديه موفقة، والتصوير والوصف جميلين، لكنّه امتدَّ واستطال، بخاصة تلك الرحلات المتكررة إلى الحاجة «عايشة» بحثا عن ولد. وهو المربي والمدرس الناجح. يرضخ لرمزية، رغم علمه بأنّ الحلّ في العلم والطب والجراحة.‏‏



ختاما رواية «طبرق 90» عمل من الحجم الوسط، جاءت في 276صفحة، و34 عنوانا، صادرة عن وزارة الثقافة الهيئة العامة السورية للكتاب عام 2010.‏‏