الرمس نيوز
14 - 10 - 2010, 10:51 AM
الرمس الوفية
http://www.alrams.net/up2/uploads/images/alrams.net-8584c7a216.jpg (http://www.alrams.net/up2/uploads/images/alrams.net-8584c7a216.jpg)
علي أبو الريش:
منذ فترة قريبة، زرت منطقة الرمس، وهي قرية تقع ما بين أحضان الجبل، وشفتي بحر الخليج.. قرية وادعة، بأناسها الأوفياء النجباء، أذهلتني تلك البيوت حديثة الطراز، التي جاورت القديم، وجلست، نتحاور معاً عن ذكريات الماضي وآمال المستقبل.. عندما يتجاور القديم مع الحديث، تشعر وكأنك تقرأ قصيدتين إحداهما لـ «عبدالله الهدية»، بعموديتها المفعمة بالتاريخ، وضراوة الأحلام الجاثية في الوجدان، وقصيدة أخرى لـ «عبدالله السبب» بما تختزله من معطيات غافية عند مساحة الذهن، تعلمك المعنى، وتذهب بك بعيداً في الاتجاهات الأربعة.. أحبتنا في قرية الرمس، دفنوا البحر ولم يدفنوا التاريخ، بل وقفوا على موجات الرمل، يستعيدون الحلم ويملحونه بحبات الألق التي غرسوها في الجدران المزخرفة بأفراحهم، المزهاة بنظرات عيونهم الحالمة بغد يشرق بجديد لا يلغي القديم، بينما في قرى أخرى، دفنوا البحر ومعه دفنوا وجدان الناس، في هذه الأماكن ترى البيوت يتسلق بعضها البعض، والجيران بعضهم في سحيق الحفر، وهناك آخرون تؤذن منازلهم على قمم الرمل.. نقول طيور النورس لا تستطيع أن تسكن البراري، كما أن حمام البر لا يمكنه أن يشبع جوعه من رائحة الأسماك على شطآن البحر.
كثيرون من سكنوا السفوح والوديان، أبناؤهم يعودون مع الريح المتجهة إلى الشطآن، لأن الذاكرة تزحف بهم لا إرادياً لموطن الأحلام الكبيرة، وكثيرون ممن أعدموا تخيلهم، ونزلوا عند سواحل الشوارع المسفلتة، بدأوا يستعيدون الذاكرة، كمن صحا بعد غفوة، ويزرعون النخلة القديمة في بيوتهم وحول الجدران.
لماذا؟ لأن هذا هو أصل الوجدان الإنساني، هذا هو الحلم الذي يحلمه الإنسان، في ألا يغادر مكانه حتى وإن ضاقت به السبل، ولكن عندما يكون التفكير فقط، في تغيير القديم، إلى جديد يلغي القديم، فإن ما يتم فعله هو أشبه بإعدام بريء..
الرمس، تغيَّرت كما تغير الآخرون، ولكن أهلها بوفاء النبلاء جاوروا القديم بجديد، لم يهملوا، ولم يتناسوا أن الأحلام لا تموت حتى وإن جف ريق الفكرة.. أتمنى أن نتذكر شيئاً واحداً، ألا وهو أن الذاكرة مكان، ومن يهدم الذاكرة، فإنه يرخص بالمكان، ويفرط بالهوية، فيضيع ومعه تضيع أحلام أجيال، ومعهما تحصل الغربلة والزلزلة.. أتمنى ألا نغتال أحلام أجيالنا، وألا نوقد الذاكرة لأنها الكتاب الوحيد الذي لا يجب أن يبلى أو يهلك، أو يضيع في طوفان التغيير المدعى.
أتمنى أن نحلم سوياً، بقرى لا تضيع ملامحها، وإنسان لا يشوه وجدانه، وذاكرة لا يأفل نجمها، بحجة واهية، لا تعني إلا أصحاب المصلحة.. أتمنى أن يتغلب الحب على أشيائنا الأخرى لأنه الناموس والقاموس، الذي يحفظ العلاقة بين الإنسان والأرض.
مرافئ-
جريدة الاتحاد
الخميس 14/10/2010م
http://www.alrams.net/up2/uploads/images/alrams.net-8584c7a216.jpg (http://www.alrams.net/up2/uploads/images/alrams.net-8584c7a216.jpg)
علي أبو الريش:
منذ فترة قريبة، زرت منطقة الرمس، وهي قرية تقع ما بين أحضان الجبل، وشفتي بحر الخليج.. قرية وادعة، بأناسها الأوفياء النجباء، أذهلتني تلك البيوت حديثة الطراز، التي جاورت القديم، وجلست، نتحاور معاً عن ذكريات الماضي وآمال المستقبل.. عندما يتجاور القديم مع الحديث، تشعر وكأنك تقرأ قصيدتين إحداهما لـ «عبدالله الهدية»، بعموديتها المفعمة بالتاريخ، وضراوة الأحلام الجاثية في الوجدان، وقصيدة أخرى لـ «عبدالله السبب» بما تختزله من معطيات غافية عند مساحة الذهن، تعلمك المعنى، وتذهب بك بعيداً في الاتجاهات الأربعة.. أحبتنا في قرية الرمس، دفنوا البحر ولم يدفنوا التاريخ، بل وقفوا على موجات الرمل، يستعيدون الحلم ويملحونه بحبات الألق التي غرسوها في الجدران المزخرفة بأفراحهم، المزهاة بنظرات عيونهم الحالمة بغد يشرق بجديد لا يلغي القديم، بينما في قرى أخرى، دفنوا البحر ومعه دفنوا وجدان الناس، في هذه الأماكن ترى البيوت يتسلق بعضها البعض، والجيران بعضهم في سحيق الحفر، وهناك آخرون تؤذن منازلهم على قمم الرمل.. نقول طيور النورس لا تستطيع أن تسكن البراري، كما أن حمام البر لا يمكنه أن يشبع جوعه من رائحة الأسماك على شطآن البحر.
كثيرون من سكنوا السفوح والوديان، أبناؤهم يعودون مع الريح المتجهة إلى الشطآن، لأن الذاكرة تزحف بهم لا إرادياً لموطن الأحلام الكبيرة، وكثيرون ممن أعدموا تخيلهم، ونزلوا عند سواحل الشوارع المسفلتة، بدأوا يستعيدون الذاكرة، كمن صحا بعد غفوة، ويزرعون النخلة القديمة في بيوتهم وحول الجدران.
لماذا؟ لأن هذا هو أصل الوجدان الإنساني، هذا هو الحلم الذي يحلمه الإنسان، في ألا يغادر مكانه حتى وإن ضاقت به السبل، ولكن عندما يكون التفكير فقط، في تغيير القديم، إلى جديد يلغي القديم، فإن ما يتم فعله هو أشبه بإعدام بريء..
الرمس، تغيَّرت كما تغير الآخرون، ولكن أهلها بوفاء النبلاء جاوروا القديم بجديد، لم يهملوا، ولم يتناسوا أن الأحلام لا تموت حتى وإن جف ريق الفكرة.. أتمنى أن نتذكر شيئاً واحداً، ألا وهو أن الذاكرة مكان، ومن يهدم الذاكرة، فإنه يرخص بالمكان، ويفرط بالهوية، فيضيع ومعه تضيع أحلام أجيال، ومعهما تحصل الغربلة والزلزلة.. أتمنى ألا نغتال أحلام أجيالنا، وألا نوقد الذاكرة لأنها الكتاب الوحيد الذي لا يجب أن يبلى أو يهلك، أو يضيع في طوفان التغيير المدعى.
أتمنى أن نحلم سوياً، بقرى لا تضيع ملامحها، وإنسان لا يشوه وجدانه، وذاكرة لا يأفل نجمها، بحجة واهية، لا تعني إلا أصحاب المصلحة.. أتمنى أن يتغلب الحب على أشيائنا الأخرى لأنه الناموس والقاموس، الذي يحفظ العلاقة بين الإنسان والأرض.
مرافئ-
جريدة الاتحاد
الخميس 14/10/2010م