الوطن موال اخضر
15 - 10 - 2010, 01:42 PM
http://www.myelaph.com/elaphweb/Resources/images/Culture/2010/10/week1/inside(1).jpg
لا يتعلق الأمر بشأن الكتاب الذي نشره أللين س. وايس مؤخرا بسيرة جديدة لبودلير. إذ أراد منه بكل بساطة أن يكون رواية. لكن ليس مجرد رواية مهما كانت وكما اتفق، وإنما الرواية التي كان بودلير يود كتابتها بالذات، مثلما تؤكد ذلك إحدى رسائله إلى أمه، قبل أن يقلع نهائيا عن إنجاز مشروعه ذاك. وإذا أخذنا الرسالة على محمل الجد، فإن بودلير كان ينوي، فوق ذلك، الانتقال من الشعر إلى مجال الكتابة التخيلية، أي الرواية. ما يعني أيضا فصله الصارم ما بين عالمي الشعر والرواية، ملصقا صفة "الخيال" على الجنس الثاني فقط. ما يلفت النظر بالخصوص إلى مفهومه عن الشعر (بما فيه قصيدة النثر التي كتبها ضمن آخرين في أولى عهودها). مفردا للشعر بمعنى ما كيانا قائما به خارج محصلة الخيال المحض.
لذلك فإن الكتاب لا يخلو من تفاصيل بيوغرافية، يمكننا التأكد من صحتها إذا ما عمدنا إلى مطابقتها بسيرة الشاعر. ليس فقط لا يخلو منها، ولكنه منسوج من مناطق بودليرية كثيرة. تبدو المهمة منذ البدء مضادة لمشروع بودلير المشرئب إلى بناءٍ سردي خيالي، إذا علمنا بأن روايتنا تكاد تتصل بكل المصادر البيوغرافية لبودلير. لكن ما يشفع للكاتب هو قوله أن بودلير كتب روايته، غير أنها مشتتة، وغير منظمة وغير مرتبة، ومذراة بشكل ما في مصالح أرشيفية شتى. إن ما سعى إليه كاتبنا إذن هو العمل على تجميع تلك الأجزاء المتناثرة من حياة، أو بالأحرى من رواية مكتوبة. هي رواية: بودلير في الأكاديمية. أو الكتاب المهزلة. ما يدل في الحقيقة على وقائع ونوايا رصدها المجهضة قديما من طرف الشاعر.
لذلك لا ننتظر من الرواية أن تفتح لنا صناديق أسرار بودلير الدفينة، لأنها تعول عكس ذلك على فتح جرح معاناته قدام مؤسسة فرنسية عريقة في قدمها وأبدية تحجرها وحملها المستمر لداء التعالي الأرستقراطي والسياسي ضدا على النباهة الأدبية. كما تجعلنا نقف على تنافر مشروع بودلير الهام مع كل انشغالات أكاديمِيِّ زمانه. ذلك أن جلهم لم يسمع بشاعر يسمى بودلير، غير أننا لا نكاد نتذكر اليوم أغلبهم، في حين أضحى بودلير، وكما يقال، علما على رأسه نار.
هل ما جذب بودلير حقا ليتطلع إلى تلك القبة هو أعباؤه المادية الكثيرة، وديونه التي تزداد يوما عن يوم؟ خاصة وأنه يحب كأس الخمر الفاقعة، وكم تحتاج الجيدة منها من قروش! ألم نسمع يوما القول بأن في شؤون الخمر ألوان، فإذا ما كان الهدف هو الثمالة فإن الرديء منها قد يفي بالغرض، أما إذا ما تعلق الأمر بدرّ الإلهام فلا بد إذن من الجيدة منه! لكن النزر اليسير من المال الذي يتقاضاه من مقالاته وترجماته لا يفي بالغرض، إذا ما علمنا بأن نساء حياته كن من اللائي يتطلبن الكثير. أولم يكن من رواد المومسات؟ ذلك ما قد لا يكون ما يمكن استبعاده من أمور!
أرادت الرواية العودة بنا إلى مسار شاعر عظيم يقف مخذولا وعاجزا ومهانا أمام باب كبير: الأكاديمية! لتركز على الخطأ المميت الذي اقترفه بودلير عندما قرر يوما أن يتقدم بترشيحه لشغل كرسي من كراسي تلك المؤسسة، متوسلا بالذات شغل المنصب الشاغر للكاتب المسرحي، الذي لا يكاد يذكره أحدٌ اليوم، ألا وهو سكريب الذي وافاه الأجل. وإن كان هناك زقاق يحمل اسمه على مقربة من مبنى الأوبرا الباريسي، كملاحظة إضافية، مع أن السكريب في الأصل اللغوي هو الكاتب أو الكاتب العمومي أو الناسخ في عهود الخط الأولى.
تشغل الرواية إذن بضعة أشهر ابتداء من موت سكريب في نهاية سنة 1861 وانتهاء بالشهور الأولى من السنة الموالية. ما لا يغطي سوى المساحة الزمنية الكافية للاضطلاع بكل الترتيبات اللازمة لتحقيق هدفه الأكاديمي. بما فيه التأهب لزيارة الأعضاء، كما جرت به العادة، أي الذين قد يصوتون عليه، ويقدمونه على غيره. إذا ما شرفهم بحضوره، كي يتعرفوا عن كثب على إبداعه وشخصه ("أزهار الشر" مثلا!). كما تشكل الفترة الزمنية الكفيلة بتمحيص جدوى قراره والتداعيات التي قد لا يفوت أمرّها من تهييج حدة قناعاته الفنية والفكرية. وبالتالي بروز بوادر ندمه الممض!
إن الذي حرض بودلير بالفعل على التفكير في ترشيحه لشغل كرسي داخل الأكاديمية هو صديقه سانت بوف الذي لا يكاد يجهل أحد مكانته. فإذا كانت نوايا هذا الأخير سليمة، لكونه يقدر موهبة وجدارة بودلير، وتمكنه من أدوات الشعر والنثر على حد سواء، فإن النتائج المترتبة عن هذا المسعى هي التي لم تكن لتشرف شاعرنا.
ولأن كاتبنا ينجز رواية بودلير فإنه قد تعامل بشكل حر مع المعطيات الحقيقية، سواء بأن أعاد نسخها كما هي، أو بأن غيّر منها، وعاود تأليفها على هواه محتفظا، على كل حال، بجوهرها البيوغرافي الحق.
ابتدع الكاتب تقنية لها مسوغها في حال ما نحن بصدده، إذ جعل بودلير يعود كل مرة ليفتح كراسة تتضمن لوائح بأسماء وهويات بل بسير ذوي الكراسي الأربعين (باستثناء فقيدين حينها) المتربعين تحت قبة الأكاديمية. إذ يقرر، بالنظر إلى درجة قرابته من شخص أو آخر، زيارتَه أو الإحجام، عكس ذلك، عن كل اتصال بشخص أو بآخر لأسباب أدبية أو سياسية واضحة معالم ذلك في ذهنه.
هناك بعض الأشخاص الذين يضمر لهم بودلير تقديرا وإعجابا كبيرين، هيجو، دو فينييه، لامارتين وغيرهم. فإذا كان قد حظي بلقاء البعض منهم، بالرغم من المفاجآت السيئة التي خبأتها له تلك الزيارات، فإنه قد تخيل لقاءه مع البعض الآخر، متفاديا سوء العواقب التي كان من الممكن أن تنتج عن لقاء حقيقي معهم!
يبدو على كل حال أن قرار بودلير لترشيح نفسه إلى الانضمام إلى الأكاديمية خطأ كبير. ما كان عليه أن يسفل إلى ذلك الحد. غير أن زياراته، وتجاوبه الجميل مع دوفينييه، ولقاءاته في بارات باريس التي يعشقها بمكان، لم تجعله يتخلى عن مثاله الأسمى في الشعر، وعن تعلقه الكبير بالعميق في الشعري، وعن همه الخاص حول فكرة الجمال، أي ما يعتبره عكس المتوقع جمالا. إن مجرد إلقاء نظرة على الأزهار تعطي فكرة عما لمّحنا إليه.
إذا ما كان موضوع الرواية هو الأكاديمية وما يتعلق بها، فإن ما يتخلل النص من مجريات أخرى خارج هذا الهم الرئيس يكاد يكون أكثر إمتاعا. سواء تعلق الأمر بما دار بين الشاعر وصديقه نادار في محترفه، من أحاديث حول الفن، وحول العلاقة ما بين الرسم والتصوير الفوتوغرافي الذي ظهر حديثا، إذ أن نادار هذا هو الفوتوغرافي الحريص على التقاط لحظات بودليرية خالدة. أو فيما يخص المقارعات التي كانت تجري في عتمة البارات فيما بين قرناء أشداء حول موضوعات الشعر والفن وغيرها.
نصادف أيضا بودلير المشّاء الباريسي، سواء لأنه يعشق المشي في حواري المدينة الممتدة، ساعيا إلى العزلة والوحدة وصفاء التأمل، أو لأنه مفلس ولا يملك ما يمكّنه من أن يستقل عربة. غير أننا لا نفوت أن نمشي معيته في ممرات وطرقات خاصة. ثم نتنبه معه إلى ما تعرضت له باريس من تغييرات في هندستها وكيميائها.
إذا كان التلاعب بسير مشاهير من إحدى موضات عالم النشر اليوم، فإن الكتاب الذي بين أيدينا ليس من ذلك في شيء، لأنه يقدم لنا مادة دسمة بغض النظر عن شؤون الأكاديمية التي تشكل بحق عصب النص، لكنها ليست من جوهره في شيء. لأننا نصادف بين طياته أشياء أخرى عميقة حول الأدب والحياة وحول نهاية القرن التاسع عشر وما كان يعصف به من آراء في الفلسفة والسياسة.
ولما حافظ فيه الكاتب كثيرا على حرفية الرسائل والمواد القديمة، سواء ما تعلق منها بما كتبه بودلير نفسه أو ما كتب عنه حينها، فقد جاء النص رصينا في لغة محكمة لا مجال فيها للهفوات والهنات التي تسفل بأسلوبه. كما أنه مليء بكثافة معرفية عميقة.
لكن ألم تكمن مأساة بودلير، الذي لا يفضل الكتابة في غرفته، بل في البارات والمقاهي ودور الدعارة، في ما كتبه باسكال بأن كل مآسينا تنجم من كوننا لا نستطيع قط إلى المكوث في بيوتنا سبيلا؟
لا يتعلق الأمر بشأن الكتاب الذي نشره أللين س. وايس مؤخرا بسيرة جديدة لبودلير. إذ أراد منه بكل بساطة أن يكون رواية. لكن ليس مجرد رواية مهما كانت وكما اتفق، وإنما الرواية التي كان بودلير يود كتابتها بالذات، مثلما تؤكد ذلك إحدى رسائله إلى أمه، قبل أن يقلع نهائيا عن إنجاز مشروعه ذاك. وإذا أخذنا الرسالة على محمل الجد، فإن بودلير كان ينوي، فوق ذلك، الانتقال من الشعر إلى مجال الكتابة التخيلية، أي الرواية. ما يعني أيضا فصله الصارم ما بين عالمي الشعر والرواية، ملصقا صفة "الخيال" على الجنس الثاني فقط. ما يلفت النظر بالخصوص إلى مفهومه عن الشعر (بما فيه قصيدة النثر التي كتبها ضمن آخرين في أولى عهودها). مفردا للشعر بمعنى ما كيانا قائما به خارج محصلة الخيال المحض.
لذلك فإن الكتاب لا يخلو من تفاصيل بيوغرافية، يمكننا التأكد من صحتها إذا ما عمدنا إلى مطابقتها بسيرة الشاعر. ليس فقط لا يخلو منها، ولكنه منسوج من مناطق بودليرية كثيرة. تبدو المهمة منذ البدء مضادة لمشروع بودلير المشرئب إلى بناءٍ سردي خيالي، إذا علمنا بأن روايتنا تكاد تتصل بكل المصادر البيوغرافية لبودلير. لكن ما يشفع للكاتب هو قوله أن بودلير كتب روايته، غير أنها مشتتة، وغير منظمة وغير مرتبة، ومذراة بشكل ما في مصالح أرشيفية شتى. إن ما سعى إليه كاتبنا إذن هو العمل على تجميع تلك الأجزاء المتناثرة من حياة، أو بالأحرى من رواية مكتوبة. هي رواية: بودلير في الأكاديمية. أو الكتاب المهزلة. ما يدل في الحقيقة على وقائع ونوايا رصدها المجهضة قديما من طرف الشاعر.
لذلك لا ننتظر من الرواية أن تفتح لنا صناديق أسرار بودلير الدفينة، لأنها تعول عكس ذلك على فتح جرح معاناته قدام مؤسسة فرنسية عريقة في قدمها وأبدية تحجرها وحملها المستمر لداء التعالي الأرستقراطي والسياسي ضدا على النباهة الأدبية. كما تجعلنا نقف على تنافر مشروع بودلير الهام مع كل انشغالات أكاديمِيِّ زمانه. ذلك أن جلهم لم يسمع بشاعر يسمى بودلير، غير أننا لا نكاد نتذكر اليوم أغلبهم، في حين أضحى بودلير، وكما يقال، علما على رأسه نار.
هل ما جذب بودلير حقا ليتطلع إلى تلك القبة هو أعباؤه المادية الكثيرة، وديونه التي تزداد يوما عن يوم؟ خاصة وأنه يحب كأس الخمر الفاقعة، وكم تحتاج الجيدة منها من قروش! ألم نسمع يوما القول بأن في شؤون الخمر ألوان، فإذا ما كان الهدف هو الثمالة فإن الرديء منها قد يفي بالغرض، أما إذا ما تعلق الأمر بدرّ الإلهام فلا بد إذن من الجيدة منه! لكن النزر اليسير من المال الذي يتقاضاه من مقالاته وترجماته لا يفي بالغرض، إذا ما علمنا بأن نساء حياته كن من اللائي يتطلبن الكثير. أولم يكن من رواد المومسات؟ ذلك ما قد لا يكون ما يمكن استبعاده من أمور!
أرادت الرواية العودة بنا إلى مسار شاعر عظيم يقف مخذولا وعاجزا ومهانا أمام باب كبير: الأكاديمية! لتركز على الخطأ المميت الذي اقترفه بودلير عندما قرر يوما أن يتقدم بترشيحه لشغل كرسي من كراسي تلك المؤسسة، متوسلا بالذات شغل المنصب الشاغر للكاتب المسرحي، الذي لا يكاد يذكره أحدٌ اليوم، ألا وهو سكريب الذي وافاه الأجل. وإن كان هناك زقاق يحمل اسمه على مقربة من مبنى الأوبرا الباريسي، كملاحظة إضافية، مع أن السكريب في الأصل اللغوي هو الكاتب أو الكاتب العمومي أو الناسخ في عهود الخط الأولى.
تشغل الرواية إذن بضعة أشهر ابتداء من موت سكريب في نهاية سنة 1861 وانتهاء بالشهور الأولى من السنة الموالية. ما لا يغطي سوى المساحة الزمنية الكافية للاضطلاع بكل الترتيبات اللازمة لتحقيق هدفه الأكاديمي. بما فيه التأهب لزيارة الأعضاء، كما جرت به العادة، أي الذين قد يصوتون عليه، ويقدمونه على غيره. إذا ما شرفهم بحضوره، كي يتعرفوا عن كثب على إبداعه وشخصه ("أزهار الشر" مثلا!). كما تشكل الفترة الزمنية الكفيلة بتمحيص جدوى قراره والتداعيات التي قد لا يفوت أمرّها من تهييج حدة قناعاته الفنية والفكرية. وبالتالي بروز بوادر ندمه الممض!
إن الذي حرض بودلير بالفعل على التفكير في ترشيحه لشغل كرسي داخل الأكاديمية هو صديقه سانت بوف الذي لا يكاد يجهل أحد مكانته. فإذا كانت نوايا هذا الأخير سليمة، لكونه يقدر موهبة وجدارة بودلير، وتمكنه من أدوات الشعر والنثر على حد سواء، فإن النتائج المترتبة عن هذا المسعى هي التي لم تكن لتشرف شاعرنا.
ولأن كاتبنا ينجز رواية بودلير فإنه قد تعامل بشكل حر مع المعطيات الحقيقية، سواء بأن أعاد نسخها كما هي، أو بأن غيّر منها، وعاود تأليفها على هواه محتفظا، على كل حال، بجوهرها البيوغرافي الحق.
ابتدع الكاتب تقنية لها مسوغها في حال ما نحن بصدده، إذ جعل بودلير يعود كل مرة ليفتح كراسة تتضمن لوائح بأسماء وهويات بل بسير ذوي الكراسي الأربعين (باستثناء فقيدين حينها) المتربعين تحت قبة الأكاديمية. إذ يقرر، بالنظر إلى درجة قرابته من شخص أو آخر، زيارتَه أو الإحجام، عكس ذلك، عن كل اتصال بشخص أو بآخر لأسباب أدبية أو سياسية واضحة معالم ذلك في ذهنه.
هناك بعض الأشخاص الذين يضمر لهم بودلير تقديرا وإعجابا كبيرين، هيجو، دو فينييه، لامارتين وغيرهم. فإذا كان قد حظي بلقاء البعض منهم، بالرغم من المفاجآت السيئة التي خبأتها له تلك الزيارات، فإنه قد تخيل لقاءه مع البعض الآخر، متفاديا سوء العواقب التي كان من الممكن أن تنتج عن لقاء حقيقي معهم!
يبدو على كل حال أن قرار بودلير لترشيح نفسه إلى الانضمام إلى الأكاديمية خطأ كبير. ما كان عليه أن يسفل إلى ذلك الحد. غير أن زياراته، وتجاوبه الجميل مع دوفينييه، ولقاءاته في بارات باريس التي يعشقها بمكان، لم تجعله يتخلى عن مثاله الأسمى في الشعر، وعن تعلقه الكبير بالعميق في الشعري، وعن همه الخاص حول فكرة الجمال، أي ما يعتبره عكس المتوقع جمالا. إن مجرد إلقاء نظرة على الأزهار تعطي فكرة عما لمّحنا إليه.
إذا ما كان موضوع الرواية هو الأكاديمية وما يتعلق بها، فإن ما يتخلل النص من مجريات أخرى خارج هذا الهم الرئيس يكاد يكون أكثر إمتاعا. سواء تعلق الأمر بما دار بين الشاعر وصديقه نادار في محترفه، من أحاديث حول الفن، وحول العلاقة ما بين الرسم والتصوير الفوتوغرافي الذي ظهر حديثا، إذ أن نادار هذا هو الفوتوغرافي الحريص على التقاط لحظات بودليرية خالدة. أو فيما يخص المقارعات التي كانت تجري في عتمة البارات فيما بين قرناء أشداء حول موضوعات الشعر والفن وغيرها.
نصادف أيضا بودلير المشّاء الباريسي، سواء لأنه يعشق المشي في حواري المدينة الممتدة، ساعيا إلى العزلة والوحدة وصفاء التأمل، أو لأنه مفلس ولا يملك ما يمكّنه من أن يستقل عربة. غير أننا لا نفوت أن نمشي معيته في ممرات وطرقات خاصة. ثم نتنبه معه إلى ما تعرضت له باريس من تغييرات في هندستها وكيميائها.
إذا كان التلاعب بسير مشاهير من إحدى موضات عالم النشر اليوم، فإن الكتاب الذي بين أيدينا ليس من ذلك في شيء، لأنه يقدم لنا مادة دسمة بغض النظر عن شؤون الأكاديمية التي تشكل بحق عصب النص، لكنها ليست من جوهره في شيء. لأننا نصادف بين طياته أشياء أخرى عميقة حول الأدب والحياة وحول نهاية القرن التاسع عشر وما كان يعصف به من آراء في الفلسفة والسياسة.
ولما حافظ فيه الكاتب كثيرا على حرفية الرسائل والمواد القديمة، سواء ما تعلق منها بما كتبه بودلير نفسه أو ما كتب عنه حينها، فقد جاء النص رصينا في لغة محكمة لا مجال فيها للهفوات والهنات التي تسفل بأسلوبه. كما أنه مليء بكثافة معرفية عميقة.
لكن ألم تكمن مأساة بودلير، الذي لا يفضل الكتابة في غرفته، بل في البارات والمقاهي ودور الدعارة، في ما كتبه باسكال بأن كل مآسينا تنجم من كوننا لا نستطيع قط إلى المكوث في بيوتنا سبيلا؟