رذاذ عبدالله
17 - 10 - 2010, 09:58 PM
سيف الرحبي.. حوارية الشعر والسحر
* الدستور الاردنيـة،،
http://www.addustour.com/NewsImages/2010/10/1099_273510.jpg
منذ مجموعته الأولى: "نورسة الجنوب" (1981) ، حتى هذه المجموعة الشعرية المنحازة: "حيث السحرة ينادون بعضهم بأسماء مستعارة" (2009) ، نقف أمام شاعر منحاز - بكل معنى الكلمة - منحاز إلى الجميل والغريب والمختلف ، وهكذا يكون الشعر شعراً ، ولا يكون كلاماً معاداً أو مكروراً.
تمتاز لغة هذه المجموعة الشعرية بطاقة حوارية داهشة ، يحاور فيها الشاعر عوالم الذات والكون ، ويجعل من نفسه كلاً شاملاً و محيطاً ، لا مجرد جزء فحسب: إنها النزعة التفاعلية التي تجعل من الشعر فيضاً يكشف ويشف ويتداخل ويضيف مؤكداً "أنّ من الشعر لَحكمة ، وأن من البيان لسحراً". ولعل هذه الكلية التي تضعها اللغة الشعرية في مجموعة سيف الرحبي ، هي التي تضع المتلقي أمام مشهد جوهري يطل به ، من خلال لغة أيقونية زئبقية ، على كلية الكون وجلاله: (الغيم ، الذرى ، المنافي ، الليل ، المحيطات ، السفن ، الأرخبيلات...) ومن خلال هذه الحوارية الكونية المتضافرة مع حوارية إنسانية تاريخية: (قبعة ماياكوفسكي ، اليمامة التي تعدو من قلب الطوفان) ، ومع حوارية محلية (الروغ ، سمائل ، جبرين.. ومعالم عُمانية أخرى).. كل ذلك يشكل رؤية الشاعر ، الفنان والمبدع (الرائي) ليقدم شهادته ، فناً ، وصدقاً وهماً إنسانياً موجعاً:
"عن الهواء المحقون ، بالوباء والكراهية ، نتفسه ، ليل نهار ،
والأطفال الذين يبحثون عن المستقبل في قعر القمامة"
فبرغم شحنة الجمال الذي يسعى إليه الشاعر ، يريده ، يقدسه ، فليس ثمة مفر من ممارسة إحساسك إنساناً ترصد كل هذا الألم ، وترمي به في جحيم الشعر ولآلئ الجمال.
إن مجموعة "حيث السحرة ينادون بعضهم بأسماء مستعارة" ، بقصائدها الثلاث عشرة ، بشعرها ونثرها تمثل عملاً أدبيا يراهن على قدرة المبدع على شَعْرنة الوجود وتحويل مسار الطبيعة ، وتغير الاتجاهات وقلب المعاني:.
"يتحدث الظلام عن نفسه قائلاً:
أنا تاريخ العالم وروحه وهواه ،
وليس الضوء إلا خدعة
اخترعتها لأضلل الأحياء عن حقيقة موتهم ، وأعجَبَ الجهات:
انا السيد أقود قطعان الضوء
نحو المهاوي المعتمة:
أنا الجبال والوديان والصحاري القاسية ،
والبحار ،
أنا الفراغ الكبير والمصير"
وربما كان هذا النزوع الفلسفي هو ثمرة تلك الحوارية الجوهرية ، وفيوضاتها ، وتجلياتها الرؤيوية التي توسع رؤيتها لتضيق العبارة ، فتبدو شعرية الصورة وفرادتها هي المبدأ والمنتهى:
"وأعجب الجهاتً
قطعان الضوء ،
هذه المحيطات ترمق الأرض من طرف حذائها..
أحذية الأمل ،
كبشاً من ذهب النسيان..."
إن هذا الفيضان الصوري يعكس إحساساً شعرياً يقرأ به الشاعر كنه الأشياء وسر الموجودات: يقرأ به ما لا يقرأ بالحرف والكلمة ، إنما بالروح والفن والتكوين الجوهري للمادة والهباء ، لتتحول القراءة الفلسفية دهشةً سوريالية لا يمكن فهمها إلا عبر خلايا معجم الشاعر الذهني ، أحلامه ، آماله ، وأسرار رؤاه:
"القميص الأسود المعلق
يشبه باشقاً تخلت عنه العاصفة ،
وظل يسقط بين نجمة وحبل غسيل ،
مهرجاً في حلبة سيرك.
والجوارب
ألسنة تتدلى من رؤوس مقطوعة"
لا شك في أن الشعر ، هنا ، يصبح تعويذة أو نصاً عجائبياً سحرياً يحدث إرباكات لغوية مذهلة للقارئ ، ويقوده الامتزاجات (ذاتية وكونية ، حاضرة وماضية ومستقبلية) ، إذ ليس الوجود نتاج مرحلة إنسانية أو تاريخية معينة ، إنه نتاج كلي لأزمنة وأمكنة وكائنات لا بد من كشف شعرية الحبل السري الذي ينتظمها. لذا كان نص ، "عزلة الخليل الأزدي" شاهداً على حسرات بشر تنازلوا عن ملكوتهم وإنارتهم العالم ، حيث كانوا (يقدمون ، يعطون ، يبتكرون...) وما الخليل بن أحمد الفراهيدي إلا ذلك الإنسان الذي صنع من رحم الكلمات أفقاً ازليا نكن له غاية التقدير ، ونضع شفاهنا على بوابته ملقين إليه تقبل الاحترام:
"كانت اللغة علامتك لفهم الوجود ، وهذا ما عرفته البشرية منذ قرون. قرأت تراث الإغريق ، لكن كان تماهيك مع كشوفك وحدوسك. بحثت في أنساق الكلم وتشعباته وكأنك في غابة أشباحها الحروف والكلمات المستعصية ، فكان لك سبق الترويض ، واتساق المعنى."
فهذا الخليل واحد في متعدد ، وكذلك هو متعدد في واحد: إنه ابن عربي ، وسيبويه ، والأزهري ، والسجستاني ، وابن دريد وغيرهم كثيرون: إنهم تراثنا الذي ننام على صدره هانئين:
"ايها السلف الكبير ،
لك التبجيل والتعظيم:
لك الغيم والسلام:
لك الورد والصباحات الهاذية في الحقل:
لك الأحلام النافرة كعنق الحصان"
إنه الحصان الجميل الذي يمطتيه الشاعر ـ الفارس النبيل تائهاً في مدن اللاعودة ، وهي المدن التي تبرز وجوهها كالحة في نص أساسي في المجموعة ، ويحمل اسمها ، أيضاً:
"هدأت جوارحي في اتساع المكان ،
كانت الأرض الضيقة ، وكان نحيب الراحلين ،
فهشمت أعضائي بين مدن شتى ،
ورأيت الزلازل ، تحت قدمي ،
دوخة أرض ونشوة سماء.. أيتها الصحراء.. الصحراء ،
ماذا ابتغي من قلبك الذبيح؟
ومن مدافن قتلاك ونفطك؟.. أيتها الصحراء ، غادرتْك النجوم الأولى ، والأيائل وضفاف الأودية..
غادرك الزمان.."
هكذا تنتهي المسرحية ، في نظر الشاعر ، مسرحية الحياة والتيه ، مسرحية السحر والأسماء المستعارة. الشاعر ينهيها ، أو ـ بالأحرى ـ يرى نهايتها ، كما يرى نهاية حلم. هذا هو الشاعر الذي يمثله سيف الرحبي: شاعر ينزل اللغة من برجها العاجي لتخبر الناس بالحقيقة: شاعر بثياب النبوات: يرفض ، ويقاوم ، ويتمرد ، من أجلنا ، لا من أجل ذاته: شاعر يصرخ في وجه الإنسان ليغادر نومه ، غباءه:
"لقد أنجز الجلادون الطريق والخارطة ،
أولئك القادمون من عصور الفظاظة والظلام ،
وتركوك ، في قلب المذبحة ، جريحاً ترفس تحت هول الانتظار ،
شاخصين الأبصار نحو غيمة جف ضرعها ،
تدير الرأس عن أي استغاثة ،
أو أنيس"
وهنا يتداخل الفكري بالسياسي وبالجمالي ، لتصبح الأشياء متساوية في عبثها ولا جدواها:
"الشاعر المحكوم عليه بالنفي والإعدام ، والمرأة المحكومة بالعطاء والحب ،
كلاهما
قطرة مطر في ربيع الخراب.."
* الدستور الاردنيـة،،
http://www.addustour.com/NewsImages/2010/10/1099_273510.jpg
منذ مجموعته الأولى: "نورسة الجنوب" (1981) ، حتى هذه المجموعة الشعرية المنحازة: "حيث السحرة ينادون بعضهم بأسماء مستعارة" (2009) ، نقف أمام شاعر منحاز - بكل معنى الكلمة - منحاز إلى الجميل والغريب والمختلف ، وهكذا يكون الشعر شعراً ، ولا يكون كلاماً معاداً أو مكروراً.
تمتاز لغة هذه المجموعة الشعرية بطاقة حوارية داهشة ، يحاور فيها الشاعر عوالم الذات والكون ، ويجعل من نفسه كلاً شاملاً و محيطاً ، لا مجرد جزء فحسب: إنها النزعة التفاعلية التي تجعل من الشعر فيضاً يكشف ويشف ويتداخل ويضيف مؤكداً "أنّ من الشعر لَحكمة ، وأن من البيان لسحراً". ولعل هذه الكلية التي تضعها اللغة الشعرية في مجموعة سيف الرحبي ، هي التي تضع المتلقي أمام مشهد جوهري يطل به ، من خلال لغة أيقونية زئبقية ، على كلية الكون وجلاله: (الغيم ، الذرى ، المنافي ، الليل ، المحيطات ، السفن ، الأرخبيلات...) ومن خلال هذه الحوارية الكونية المتضافرة مع حوارية إنسانية تاريخية: (قبعة ماياكوفسكي ، اليمامة التي تعدو من قلب الطوفان) ، ومع حوارية محلية (الروغ ، سمائل ، جبرين.. ومعالم عُمانية أخرى).. كل ذلك يشكل رؤية الشاعر ، الفنان والمبدع (الرائي) ليقدم شهادته ، فناً ، وصدقاً وهماً إنسانياً موجعاً:
"عن الهواء المحقون ، بالوباء والكراهية ، نتفسه ، ليل نهار ،
والأطفال الذين يبحثون عن المستقبل في قعر القمامة"
فبرغم شحنة الجمال الذي يسعى إليه الشاعر ، يريده ، يقدسه ، فليس ثمة مفر من ممارسة إحساسك إنساناً ترصد كل هذا الألم ، وترمي به في جحيم الشعر ولآلئ الجمال.
إن مجموعة "حيث السحرة ينادون بعضهم بأسماء مستعارة" ، بقصائدها الثلاث عشرة ، بشعرها ونثرها تمثل عملاً أدبيا يراهن على قدرة المبدع على شَعْرنة الوجود وتحويل مسار الطبيعة ، وتغير الاتجاهات وقلب المعاني:.
"يتحدث الظلام عن نفسه قائلاً:
أنا تاريخ العالم وروحه وهواه ،
وليس الضوء إلا خدعة
اخترعتها لأضلل الأحياء عن حقيقة موتهم ، وأعجَبَ الجهات:
انا السيد أقود قطعان الضوء
نحو المهاوي المعتمة:
أنا الجبال والوديان والصحاري القاسية ،
والبحار ،
أنا الفراغ الكبير والمصير"
وربما كان هذا النزوع الفلسفي هو ثمرة تلك الحوارية الجوهرية ، وفيوضاتها ، وتجلياتها الرؤيوية التي توسع رؤيتها لتضيق العبارة ، فتبدو شعرية الصورة وفرادتها هي المبدأ والمنتهى:
"وأعجب الجهاتً
قطعان الضوء ،
هذه المحيطات ترمق الأرض من طرف حذائها..
أحذية الأمل ،
كبشاً من ذهب النسيان..."
إن هذا الفيضان الصوري يعكس إحساساً شعرياً يقرأ به الشاعر كنه الأشياء وسر الموجودات: يقرأ به ما لا يقرأ بالحرف والكلمة ، إنما بالروح والفن والتكوين الجوهري للمادة والهباء ، لتتحول القراءة الفلسفية دهشةً سوريالية لا يمكن فهمها إلا عبر خلايا معجم الشاعر الذهني ، أحلامه ، آماله ، وأسرار رؤاه:
"القميص الأسود المعلق
يشبه باشقاً تخلت عنه العاصفة ،
وظل يسقط بين نجمة وحبل غسيل ،
مهرجاً في حلبة سيرك.
والجوارب
ألسنة تتدلى من رؤوس مقطوعة"
لا شك في أن الشعر ، هنا ، يصبح تعويذة أو نصاً عجائبياً سحرياً يحدث إرباكات لغوية مذهلة للقارئ ، ويقوده الامتزاجات (ذاتية وكونية ، حاضرة وماضية ومستقبلية) ، إذ ليس الوجود نتاج مرحلة إنسانية أو تاريخية معينة ، إنه نتاج كلي لأزمنة وأمكنة وكائنات لا بد من كشف شعرية الحبل السري الذي ينتظمها. لذا كان نص ، "عزلة الخليل الأزدي" شاهداً على حسرات بشر تنازلوا عن ملكوتهم وإنارتهم العالم ، حيث كانوا (يقدمون ، يعطون ، يبتكرون...) وما الخليل بن أحمد الفراهيدي إلا ذلك الإنسان الذي صنع من رحم الكلمات أفقاً ازليا نكن له غاية التقدير ، ونضع شفاهنا على بوابته ملقين إليه تقبل الاحترام:
"كانت اللغة علامتك لفهم الوجود ، وهذا ما عرفته البشرية منذ قرون. قرأت تراث الإغريق ، لكن كان تماهيك مع كشوفك وحدوسك. بحثت في أنساق الكلم وتشعباته وكأنك في غابة أشباحها الحروف والكلمات المستعصية ، فكان لك سبق الترويض ، واتساق المعنى."
فهذا الخليل واحد في متعدد ، وكذلك هو متعدد في واحد: إنه ابن عربي ، وسيبويه ، والأزهري ، والسجستاني ، وابن دريد وغيرهم كثيرون: إنهم تراثنا الذي ننام على صدره هانئين:
"ايها السلف الكبير ،
لك التبجيل والتعظيم:
لك الغيم والسلام:
لك الورد والصباحات الهاذية في الحقل:
لك الأحلام النافرة كعنق الحصان"
إنه الحصان الجميل الذي يمطتيه الشاعر ـ الفارس النبيل تائهاً في مدن اللاعودة ، وهي المدن التي تبرز وجوهها كالحة في نص أساسي في المجموعة ، ويحمل اسمها ، أيضاً:
"هدأت جوارحي في اتساع المكان ،
كانت الأرض الضيقة ، وكان نحيب الراحلين ،
فهشمت أعضائي بين مدن شتى ،
ورأيت الزلازل ، تحت قدمي ،
دوخة أرض ونشوة سماء.. أيتها الصحراء.. الصحراء ،
ماذا ابتغي من قلبك الذبيح؟
ومن مدافن قتلاك ونفطك؟.. أيتها الصحراء ، غادرتْك النجوم الأولى ، والأيائل وضفاف الأودية..
غادرك الزمان.."
هكذا تنتهي المسرحية ، في نظر الشاعر ، مسرحية الحياة والتيه ، مسرحية السحر والأسماء المستعارة. الشاعر ينهيها ، أو ـ بالأحرى ـ يرى نهايتها ، كما يرى نهاية حلم. هذا هو الشاعر الذي يمثله سيف الرحبي: شاعر ينزل اللغة من برجها العاجي لتخبر الناس بالحقيقة: شاعر بثياب النبوات: يرفض ، ويقاوم ، ويتمرد ، من أجلنا ، لا من أجل ذاته: شاعر يصرخ في وجه الإنسان ليغادر نومه ، غباءه:
"لقد أنجز الجلادون الطريق والخارطة ،
أولئك القادمون من عصور الفظاظة والظلام ،
وتركوك ، في قلب المذبحة ، جريحاً ترفس تحت هول الانتظار ،
شاخصين الأبصار نحو غيمة جف ضرعها ،
تدير الرأس عن أي استغاثة ،
أو أنيس"
وهنا يتداخل الفكري بالسياسي وبالجمالي ، لتصبح الأشياء متساوية في عبثها ولا جدواها:
"الشاعر المحكوم عليه بالنفي والإعدام ، والمرأة المحكومة بالعطاء والحب ،
كلاهما
قطرة مطر في ربيع الخراب.."