المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة نقدية في ماهيّة الصورة السينمائية الشعرية 'ليل، ثلج وأوتار' لمحمد توفيق



رذاذ عبدالله
23 - 10 - 2010, 10:44 AM
قراءة نقدية في ماهيّة الصورة السينمائية الشعرية
'ليل، ثلج وأوتار' لمحمد توفيق

* القدس العــربي




http://www.iraqup.com/up/20101023/u8p1S-4ApA_198074145.jpg (http://www.iraqup.com/)


ينتمي فيلم 'ليل، وثلج وأوتار' للمخرج العراقي محمد توفيق الى تيار السينما الشعرية. وقد سبق له أن أخرج بعض الأفلام المهمة في هذا الاتجاه مثل ( ظِلال) الذي اشتغله بدقة وحِرَفية عاليتين، وربما كان الكمّ الكبير من المشاعر والأحاسيس الجيّاشة التي يتوفر عليها هي التي أمدّته بهذا الزخم الهائل من القدرة التعبيرية التي أوصلته الى مشارف التجريد في الأقل. كما أن فيلم ( الفصول الأربعة) لا يخلو من الحرفنة التعبيرية التي أشرنا إليها وإن كان نصيب الموسيقى منها أكبر من الصورة السينمائية، ولا غرابة في ذلك إن حضرت موسيقى باهرة السطوة والتأثير مثل موسيقى أنطونيو فيفالدي. أما فيلمه الجديد ( ليل، ثلج وأوتار) فهو يميل الى تحقيق هذا النَفَس التعبيري وصولاً الى الشاعرية المُشار إليها سلفاً، ولكن السؤال الحاسم هنا هو: هل حقّق المخرج بعض ما يصبو إليه، أم أنه تلكأ قليلاً بسبب وعورة الطريق الشاعري وخطورته في آنٍ معاً؟
لنلِج الى تفاصيل الفيلم ونفحص بنيته الداخلية العميقة علّنا نسلّط بعض الضوء على ثيمته وخطابه البصَري الذي راهن على قوة الصورة السينمائية وجماليتها التعبيرية التي لا تحتاج الى الافصاح عن نفسها بالكلام أو الحوارات المُعدّة سلفاً.


لا بد من إحاطة القارئ علماً بأن المخرج محمد توفيق لا يخوض في مثل هذه الأفلام التعبيرية، ذات النزعة الشاعرية ما لم تُحِطه أسباب شخصية ونفسية محددة، وكأنّ المخرج يريد أن ينتصر على الأوضاع والضغوط النفسية القاسية التي يمر بها بمنجز إبداعي متفرد، فلا يجد حرجاً في أن يقف على الحافة على الرغم من خطورة هذه المجازفات التجريبية التي قد تأخذ المخرج الى طريقين لا ثالث لهما: إما إبداع تحفة بصرية تصمد أمام تقادم السنوات أو انجاز لغط بصري مفكّك لا يخرج عن إطار التصوير التسجيلي العابر.


يشي الفيلم على مدى الدقائق السبع بأجواء موحشة وكئيبة، ففضلاً عن الليل الذي يلّف المدينة بشكل حقيقي، ويهيمن على حياة المخرج بشكل مجازي، إلا أن الثلج أو نُدَفهُ المتساقطة على الأصح هي الأكثر سطوة على المشهد التصويري. فهذه المفردة الجميلة والساحرة هي التي تأخذنا الى الفضاء الشاعري الذي التقطته كاميرا محمد توفيق وعزّزته بعض معالجاته الفنية، فالفيلم لا يزال مادة خام في بعض فقراته، ويحتاج الى المزيد من المعالجات الفنية التي تنتشله من فكرة التصوير العابر أو الاعتباطي. ثمة لقطات ومشاهد قصيرة جميلة ورائعة تدلل على خبرة محمد توفيق البصرية، ولكن الخبرة والعين الذكية لا تكفيان لصناعة فيلم جميل قادر على إبهار مُشاهديه. فعملية بناء الفيلم مهمة جداً في خاتمة المطاف، لأن المخرج بالنتيجة لا بد أن يحقق رؤيته الاخراجية التي دفعته لصناعة هذا النوع السينمائي المحدد الذي يبحث عن نخبة بشرية مثقفة، وعيون مدرّبة قادرة على التأويل والامساك بالعناصر الجمالية التي تفلت من عين المشاهد العادي.


الليل يمّد جناحيه السوداوين على مشارف مدينة كوبنهاغن حيث يقيم فيها المخرج منذ سنوات طوال. كما أن سطوة الثلج واضحة على مدار الفيلم، وربما تكون نُدفة الثلج هي المفردة الأثيرة التي يعوّل عليها المخرج في صناعة فيلم شاعري شديد التعبير.


يلحظ المُشاهِد ندرة الأشخاص الذين يتحركون في الهزيع الأول من الليل، وهذا الأمر هو الذي يعزّز الوحشة الداخلية وقتامة الأجواء التي تسيطر على ذهنية المخرج أو روحه الى حد ما. إن هذا الانشغال أو القلق الدائم الذي يتحوّل الى هواجس متواصلة لا يستطيع أن يتخلّص منها أي مبدع إلا بواسطة عمل إبداعي محدد. وهذا ما يفعله محمد توفيق بالضبط، لأنه بالنتيجة يحاول أن يفرغ هذا الكمّ الكبير من الشحنات النفسية الضاغطة التي يتعرّض لها بين أوانٍ وآخر.
كل شيء مُحاصَر بنُدف الثلج التي لا تكّف عن الهطول، المارة، السيارات، أعمدة النور، الإشارات المرورية، المنازل، الأبنية الحكومية، الشوارع، الأرصفة، الساحات العامة، الأشجار وما الى ذلك. وعلى الرغم من هيمنة الثلج على كل الأمكنة التي لمّتها عدسة الكاميرا وحصرتها في مدار النظر، إلا أن عين محمد توفيق المدرّبة بصرياً، كما أشرنا، قد ركزت على أعمدة النور والاشارات المرورية التي وفرت له عنصراً جاذباً يستطيع بواسطته أن يبهر المتلقي أو يستحثه على الأقل على المشاركة الوجدانية التي قد تفضي الى نوع من المشاركة التفاعلية أو العضوية مع السياق العام لفيلم لا يعوّل مطلقاً على الكلام المنطوق أو أي شكل من أشكال المهيمنات الأدبية المكتوبة.


تلعب الموسيقى دوراً مهماً في أفلام محمد توفيق القصيرة، ولكنه أخّر ظهورها في هذا الفيلم، ربما لأنه كان يريد تأكيد العزلة التي أشرنا اليها سابقاً، إذ جاءت منسابة عذبة من آلة القانون التي يعزف عليها الفنان عمّار القيسي الذي سيتحول الى بطل للفيلم من غير إدعاء بهذه البطولة. اللافت للانتباه أن المكان الذي كان يجلس فيه العازف عمّار القيسي كان مَثاراً للدهشة والغرابة، ومبعث هذه الدهشة أنه يجلس على قارعة الطريق في ليل شتوي تتساقط فيه الثلوج الأمر الذي يُلحق بهذه الآلة الحساسة الكثير من الضرر، كما أن عزفه في ذلك المكان غير مبرر لأنه لا يتخذ من ( العزف على الطرقات) مهنة له كما يتضح من سياق الفيلم. اللهم إلا إذا كان هذا العازف القادم من العراق تحديداً مصاباً بالكآبة، ويعاني من العزلة والتوحد، ولم يجد بُداً من الخروج في هذه الليلة القارسة الى هذا الشارع الغارق في وحشته وبرودة أجوائه.


وحتى هذه الآلة الموسيقية ذات الجذور الآشورية أو العباسية تبدو غريبة في كوبنهاغن على الرغم من أنها وصلت الى أوروبا عن طريق الأندلس، إلا أنها سرعان ما تلاشت حينما فرض البيانو حضوره الهائل وأزاحها من المشهد الموسيقي الأوروبي.


كان يمكن للمخرج محمد توفيق أن يفيد من كثير من اللقطات التي مرّت مروراً سريعاً مثل جرّافة الثلج، وواجهات بعض الأبنية التي ركزت عليها عدسة الكاميرا، والعمل النحتي الرائع للفنان أريك بولسون الذي يغطي الثلج بعض ملامح 'فغراته' الثلاثة العارية.


تجدر الاشارة الى أن الفيلم يتوفر على عدد غير قليل من اللقطات الجميلة لعل أبرزها تلك اللقطات التي تصور الحركة القوسية للنُدف الثلجية التي تنهمر من سماء كوبنهاغن لتفرض على القاطنين فيها نوعاً من العزلة التي قد تبدو مألوفة لسكّانها الأصليين، لكنها تضاعف من قسوتها على الناس الوافدين اليها، خصوصاً أولئك الناس اقتلعوا من جذورهم أو وجدوا أنفسهم ضحايا للهجرة القسرية التي وفـّرت لهم بامتياز الغربة والعزلة والتوحّد وما ينجم عنهما من استعادات ذهنية لأشرطة من الذكريات المُسرّة والمُحزنة في آنٍ معاً.

شموخ الأمارات
28 - 10 - 2010, 10:36 AM
سلمت يمناج ع الخبر الأدبي

رذاذ عبدالله
28 - 10 - 2010, 10:38 AM
شاكــرة حضوركـ الادبي،
دمت برقي،،