المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سفر برلك ودروب القفر بين الروائي والدكتور إبراهيم خليل



رذاذ عبدالله
29 - 10 - 2010, 09:58 PM
سفر برلك ودروب القفر بين الروائي والدكتور إبراهيم خليل
سليمان القوابعة
* الدستـور الاردنيـة



http://www.iraqup.com/up/20101029/RqlV7-6w0Q_758863690.jpg (http://www.iraqup.com/)



حين هاتفني زميل ، صباح يوم الجمعة 8 ـ 10 ـ 2010 ، قائلاً: "اقرأ ما يخص روايتك الجديدة ، وهي بتورية من الدكتور إبراهيم خليل" ، قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله ، إذ إنني أعرف هذا الرجل كثيراً ، وهو يميل شمالاً ويميناً ، ويجازف بما لديه.

أقول: ونحن في الأطراف القصية ، لم يكن لدينا ، من تواصل مع معارفنا ، سوى أن نقدم لهم ، من إنتاجنا ، ما نستطيع ، من دون احتساب لتصدَر مطارح الأضواء ، وهذا ما يعلمه من يعرفوننا ، في المواقع الأخرى ، ويعاتبوننا عليه ، وما زلت أتذكر مقولة زميل مبدع ، هو الأخ طلعت شناعه ، حين تناولني ، في صحيفة الدستور ، يوم 29 ـ 8 ـ 2008 قائلاً: "وأكثر ما يلفت الانتباه ، إليه ، أن القوابعه كاتب مقل في الظهور الإعلامي ، ولا يسعى إليه ، فقط يكتفي بالكتابة والانغماس في حكاية لا تنتهي".

وفي هذه الحال ، لم يستهوني الرد ، ولكن لا بد منه حين يهبط الذوق الفني ، للنقد ، باتجاه ذاتية الأجندة الخفية ، والمخاتلة ، وما يجرح وجه العلم. نعم ، لنحتكم نحن ، والمتلقي الكريم للرواية ، وما ذكره الناقد المتفضل ، إبراهيم خليل.



1 بخلاف النقاد الذين يتابعون ما يقع بين أيديهم ، فيوثقون ، بمنهجية علمية مدروسة ، فإن ذلك الناقد لم يلتزم تلك المنهجية ، في التوثيق ، فطرح ذاتيته ، وتخفى بنواياه المسبقة فورَط نفسه بتلك الذاتية التي لا تليق بأكاديمي تلبس النقد ، ودوَّن إحاطة جادة ، ومسؤولة ، بنصوص الرواية ، فقدم دراسة تعج بعيوب فاضحة ، وهكذا بدأ: "إن سارد الرواية الرئيس ، علي الشاهد ، هو أحد أئمة مسجد قباء ، بالمدينة المنورة".

وهذه أول مغالطة يرتكبها الناقد الحصيف ، فلنقرأ ، وبلسان السارد ، لنتعرف على من هو إمام مسجد قباء: "ويمضي المخيال لساحة المسجد النبوي الشريف ، فوالدي عبدالله بن أحمد الشاهد يقدم ما عنده في مسجد قباء" الرواية ، ص,61

وفي موقع آخر من الرواية - ص 140 نقرأ: "فوالدي كأنني أجده رجلاً له هيبة... يقف خطيباً على منبر مسجد قباء".

ذلك ما قاله علي الشاهد ، الذي اعتبره الناقد المتعجَل - ومن دون وعي - إماماً لمسجد قباء.

أما علي هذا فيُعرف ، بنفسه ، قائلا : "تابعني - والدي - مع إخوتي وأخت وحيدة لعدة سنين في كتاتيب المدينة ، ختمتها بسنوات في مسجد الرسول على أيدي علماء حتى أجازوني كي أتجرأ وأقف إماماً على منبر ، ولكن جاءت حكومة العسكر فاختلف الميزان" ص,127

2 - وتغيب بصيرة الناقد فيقول: "إن علي ، هذا الدخيل على عرب الشيخ ابن مصلح ، يتفاءل إذ يقدم عرسه على صفية بنت الشيخ ابن مصلح في اليوم الذي تعلن فيه الثورة العربية الكبرى". وهنا يجانبه الصواب ، وكما نرى: إن من قدم عرسه ، مع بداية الثورة ، هو مخلد بن محمود وليس علي بن عبدالله ، وفي هذا العرس: "اشتباك منتظر مع غزاة وعساكر أغراب ، ومن فم شرقية ، أم مخلد ، تختلط الزغاريد بالغناء" ، فهذا العرس جاء مباشرة ليتزامن مع إعلان الشريف حسين الثورة ، "فشد الركاب على كبار الدولة"ص,163

وزيادة على ذلك ، فإن مخلد طلب من علي أن يكون عرسهما معاً ، وفي الوقت نفسه ، لكن علي اعتذر قائلاً: "من بعد"ص,166

ونضيف ، أيضاً ، أن علي لم يبادر بإعلان عرسه ، فإعلان العرس جاء بمبادرة من الحاجة رحمة - أم صفية - وهذا ما نطقت به: "يا علي ، ما بقي وقت ، أقول... نلم سبوع العرس بليلة ويوم ، وليدي... والأيام صعبة"ص,171 أما صعوبة الأيام فمرده إلى زحف قوات الثورة نحو جنوب الأردن ، وفي النص نفسه.

3 - يتعجَل الناقد فتغيم الرؤيا ، لديه ، فيخطئ في احتساب جمع السنوات فيقول: "أما الأب - أي عبدالله الشاهد - فلا بد أن يكون قد تجاوز السن الذي يُنتفغ فيها منه ، في الحرب ، فقد ذ كر أنه من مواليد عام (1942). وهذا يعني أنه ، عند بدء القصة ، واندلاع الحرب ، كان قد نيف على الستين ، أي أنه دخل مرحلة الكهولة التي تستثنى - عادة - من التجنيد وفق كل القوانين والأعراف" ، ويبدو أن هذه قوانين الناقد وأعرافه. إنه في حاجة إلى مساق ، ممتد في التاريخ ، كي يحذر ويتذهَن جيداً حتى لا يمارس الإساءة ، وابتلاء من يتناول نتاجهم ، بظنونه ، فحروب الدولة العثمانية في آخر أيامها جندت لها الرجال ، واتسعت في البلقان ، ومع روسيا ، ودول أوروبية أخرى ، وفي ليبيا ، ومع ثوار اليمن ، وتلك الحروب امتدت من القرن التاسع عشر حتى مطلع القرن العشرين. أما يخص "السفر برلك" ، التي ابتلي فيها المشرق العربي ، فزمنها هو منذ إعلان الحرب العالمية الأولى ، عام 1914 ، وحتى ثورة الشريف ، مطلع حزيران والعام ,1916 ولنعد ، الآن ، إلى ما أشار إليه الناقد ، وهو عمر الأب عبدالله الشاهد ، إذ احتسبه صاحبنا خطأً ، وفي مدى الستين ، ونحن نقول: إن عمر الرجل هو في مدى السبعين وأزيد ، وهذا ما أشرنا إليه في الرواية ، ص 99 ، فعبدالله ، محط السؤال ، تم القبض عليه ، وضمن حملات العسكر في القرى والبوادي ، فالعسكر في ظن صاحبنا يمتلكون أجندة قيود للنفوس ، ويطبقونها حسب الأعراف والقوانين. ويبدو أن الناقد لم يلتقً في حياته مَن جُنًّدوا أيام السفر برلك ، أو فروا ، عندما لاحت لهم الفرصة ، فقد سمعنا منهم الكثير الكثير ، ولذا نعي ما نقول ، وليس ذلك رجماً ، بالغيب ، منا.

4 - يتجَلى ذكاء صاحبنا ، الناقد الحصيف ، بفذلكة هي من نوادر البسطاء ، التي تتخطى الكياسة والفطنة ، فالناقد يطرح سؤالاً يتعدى حد السذاجة ، فيقول: "هل كتب عبدالله الشاهد مذكراته ، هذه ، قبل عام 1915؟" وهذا طرح لا يحتاج إلى رد ، فما القصد من مثل هذه الأسئلة ، وإضافة السنوات لها؟ وفي أي صفحة ، من الرواية ، ذ كر أن عبدالله الشاهد أُرسل إلى ماردين؟ نعود إلى ماردين ، وعبدالله ، والرواية ، ص 134 ، فنقرأ من حسن الشامي ، صاحب الخبر: "ويا علي ، لك عندي خبر... والدك عبدالله الشاهد استقر في معسكر احتياط ، في مدينة (ماردين)...". فليس هنالك من ذكر لسنوات مع الخبر ، فما الذي استجر الناقد لكي يهذي وبثرثرة فائضة عن حاجة لزوميات ما يلزم ، فيتجاوز الرجل حدود لياقة الأكاديمي.

5 - يصر الناقد على طرح مواقف هي من صنع دواخله ، وليس لها علاقة بحيثيات النص ومنها: أ - حديثه عن سر صنعه ، هو ، فيقول: إن علي امتنع عن الإفصاح به ، للشيخ ، عندما قبض عليه العسكر ، وتناولوا الشواء ، ولاذ علي بالفرار. ونقول إن علي أخبر الشيخ بما جرى ، فليس هنالك من سر ، فصاحبنا الناقد قرأ الصفحة (59) ، لكنه لم يطالع الصفحة (60) ، إذ يقول علي: "يا شيخ حمد ، أنا هارب من العسكر ، وأتحمَل وحدي عبء خسارة القطيع". فيرد عليه الشيخ: "يا علي الطيب ما حدث شر...".

ب - المفكرة: وصاحبها في الأصل هو عبدالله الشاهد ، ويقول علي: "ومفكرة والدي تسكن تحت إبطي ، منذ زودتني بها أمي ، بعد رحيل كاتبها" ، وتبدو المفكرة - وأي مفكرة - وعاء للذاكرة ، ومرجعية ، فليست هي مستودع أسرار لصاحبها ، في الرواية. وهكذا حاول الناقد ، بفذلكاته ، أن يصنع منها ركيزة لمدخلاته ، فمن خلال الرد يجد القارئ أن المفكرة - وببساطة - جاءت في عدة من مواقف ، وبتوظيف واضح للعًيان ، لتضيء شيئاً مما يجري ، فيظهر الهدف من طرحها ، وعلى لسان علي: "وتحملني عزلتي إلى عوالم أخرى ، وشخوص ، هم في البال ، وتحتضن أسماءهم مفكرة والدي ، التي تختصر لحظات من إخبارهم" ص,19

وبعد ذلك ، هل من سؤال ، حولها ، إلا أن نوايا الناقد لم تهدأ ، فيبادر بالقول ، وبعد إشارة إلى حوار بين الشيخ حمد وعلي: "غير أن المؤلف ، وللأسف ، بعد هذه الإشارة ، يكاد ينسى المفكرة نسياناً كاملاً"؟ وهنا نرد على نوايا صاحبنا بأننا نحن من نأسف على ما في جعبته ، من أوهام ، إذ لم أنس المفكرة كما ادَعى بل ذكرتها في ستة مواقف بعد تلك الإشارة ، وذلك الحوار ، فجاءت المفكرة في الصفحات التالية: 105( ، 113 ، 113و أيضاً ، 118 ، 120 ، 182). نعم ، وماذا بعد ، وبعد هذا الترصد والتشويه؟ 6 - يطرح الناقد ، الدكتور إبراهيم خليل ، ومن وجهة نظره ، فيقول: "إنني أكرر ، مراراً ، التنبيه على الغموض ، في شخصية علي ، وما يحيط بها من أسرار تنبئ عنها تصرفاته الغريبة ، من خلال حواره مع محمد الهلي ، الذي يقول... حتى في فضاء المسراح ألقاك مشغول البال ، أنا أخوك ، إن احتجتني تلقاني مثل ظلك ، أترك الهم ، يا علي ، الدنيا بخير" لا أدري أي غموض وأسرار توصل إليها فهم ناقدنا ، فربما نثر البخور على موقده ، وأحكم الرصد ، فأحاط علماً بما تخفيه مشاعر علي الطيب. ألم يعلم صاحبنا أن حمولة علي الصعبة ، والتي يجدها المتلقي مفهومة ، بيسر ، من خلال النص ، فلا غموض ولا أسرار. نعم ، فما يؤرق علي غياب والده ، في الأسر ، وبعده عن أمه وأخوته ، ورحيله ، وحيرته بما يتعلق بأخته ساجدة.. فهذا ما لدى علي ، من هم ، قلبه الناقد إلى غموض وأسرار ، بل وزاد صاحبنا بأن تصرفات علي غريبة. إن أكبر ما يؤرق علي حدَّ الوجع هو اغتصاب أخته ، وقلة حيلته أمام هذا الأمر الجلل ، فلا يهم علي أن يشير إلى واقع والده ، أو الابتعاد عن الأم ، في وادي العقيق ، أما أن يتحدث عمَا جرى لأخته ، صراحة ، فهذا في مجتمع بدوي يثير السخرية ، وينتقص من مكانة علي ، ولو علم مَنْ مًنْ حوله بذلك لواجهوه بجرأة صارمة ، وبالقول: "وماذا أنت فاعل ، يا علي ، لمحو العار؟" نعم ، هذا ما يدركه القارئ ، ولكن لا يقدر على استيعابه ذكاء الناقد المتفضل ، وبصيرته. إن محمد الهلي أدرك أن علي الشاهد لديه همه غير البسيط ، لذلك مد إليه يد العون والنخوة ، أما علي فإن سيرته لم تتصف بتصرفات غريبة ، بل هذا إسقاط على ثنايا النص ، تماماً كما حاول الناقد أن يستدير ، مرات عديدة ، نحو المفكرة التي جاءت ملاحظاتها ، تباعاً ، واضحة ، فحمَلها الناقد ما لم تحتمل ، وجعلها هي حبكة الرواية ، وهذا شيء يثير السخرية.

7 - يقول الناقد المتفضل ، وهو يميل للكلام عن القطار وحملات العسكر: "وما علاقة ذلك بساجدة ، شقيقة علي؟ وهل كان العسكر يقودون النساء للحرب؟ بالطبع هذا غير وارد لا في الحكايات التاريخية المرتبطة بالسفر برلك ، ولا بأي شيء مما تمتلئ به الذاكرة الشعبية".

والآن سنشيرإلى عبارة التقطها الرجل ليبني عليها مداخلته ، وتجيب على ما قيل ، يقول السارد: "فعساكر العصملي يسوقون الرجال والصبيان إلى عربات قطار لتجنيدهم للحرب... وأحياناً يُعمى بصر العسكر فيدفعون أسراً ، برجالها ونسائها ، إلى محطة القطار" ص,66 ولذلك ، فنادراَ ما تؤخذ النساء ، إلا إذا عُمي بصر العسكر ، وقد يوجد بعضهن في السفر مع رجالهن العسكر ، لذلك لا توجد لهنَ أسماء ، في قوائم المجندين ، وهذا ما أُشير إليه ، في الرواية ، بموقف عارض ، ص78". فالنساء في غياب الرجال يقمن بأعمالهم. وهنا يتحدث الحاج سرحان ، أحد شخوص الرواية ، ومن تبوك: "والنساء كُثر ، بعضهن راح أزواجهن لرحمة الله في حرايب آخر زمان. الحريم صارت أرامل ، وبعضهن يسرحن مع القطعان ويناظرن على النخيل ، يشاركهن الصغار" ص,80

وتتكرر الإشارة إلى تجنيد الرجال ، فقط ، وإن رافقهم أحياناً صبيان بلغوا سن الرشد. ومثل ذلك ما ذكره محمد الهلَي: "زادت البلوى ، والعساكرتجدهم في كل مكان ، تراهم يطاردون الرجال ويسوقوهم ، وما يعفو عن أحد" ص,118

أما ما ذُكرعن ساجدة بنت عبدالله ، فهي لم تُجند لحرب ، فالرواية ذكرت ، في مواقف عدة ، أنها خُطفت من قبل عسكري إسمه (يوهان) ، وخبَر عن أمرها العسكري علوان ، ص,146

8 - يضيف الناقد: "وشيء آخر هو تكرار كلمة تركيا في الدلالة على الدولة العثمانية ، وقد لا يكون الأمر دقيقاً: لأن هذه الكلمة أُطلقت على الدولة ، بعد سقوط الخلافة".

ونقول ، في هذا ، إن ذاكرة الناقد يعوزها فهم تاريخ أمته ، فلا بد له من مساقات تطول ، وفي تاريخنا العربي. ألم يسمع شيئاً عن (جمعية الاتحاد والترقي) التركية ، وأصحابها الذين دعوا أنفسهم ب الأتراك الجدد ، وقد حاولوا عقد مؤتمرلهم في باريس ، عام "1902 ، أي: قبل أيام سفر برلك بكثير؟ ثم ألم يعلم بجمعية (تركيا الفتاة) ، وقد رد على رجالها مفكرون عرب بتأسيس (جمعية العربية الفتاة) ، وكان أعضاؤها من جميع مناطق بلاد الشام ، وقبل إعلان الثورة العربية الكبرى؟ وعلى أي حال فلم أكرر كلمة تركيا ، بهذا الاسم ، كما ادعى صاحبنا ، إنما ذُكرت في موقف واحد ، ص ,134 ومعروف أن اسم الدولة العثمانية غاب ، من المشرق العربي ، مع انسحاب القوات التركية ، أواخر عام 1918 ، وانتهاء الحرب العالمية الأولى ، وظهور الحكومة الفيصلية ، في دمشق ، ومجيء الفرنسيين ، وقيام إمارة شرق الأردن ، عام 1921 ، وما جرى لفلسطين من انتداب استجرَ مأساة وعد بلفور ، وسايكس بيكو ، فهل كان للدولة العثمانية من أثر ، وقتها ، أم حل اسم تركيا بنشاط ، وتأسيس من الاتحاديين؟ ويطرح صاحبنا رأيه ، ويرى أن اسم تركيا لم يتداوله أهل المشرق إلا بعد إنهاء الخلافة الإسلامية ، وكأنه لا يعلم أن الاتحاديين بزعامة أتاتورك قد أنهوا الخلافة في فترة متأخرة ، وبتاريخ 3 ـ 3 ـ 1924م.

9 - يستهل الناقد ، وبادَعاء ، في ما كتبه: "إن السفر برلك ، من حيث هو موضوع لا جدة فيه ، ولا طرافة... فقد كُتبت عنه قصص ، وأخرجت أفلام ، وكتبت مسلسلات ، وغيرها كثير".

ونقول ، وكما يعرف الجميع ، أن كثيراً من المواضيع التي تخص أمتنا العزيزة ، وغيرها ، كُتب عنها ما يربو على الحصر ، فلماذا يواجهنا الرجل ، بإسقاطاته؟ وهل هناك إبداعات ذات أوجه متعددة طوفت حول أحداث ذات أهمية جرت في صحاري بلاد الشام ، أو واحدة ، منها ، يا تُرى؟ أما قوله عن الرواية ، وما يتكرر في المسلسلات البدوية ، فنسأله: ألم يعلم تلك العلاقة المعروفة ، في توظيف كثير من الروايات ، والقصص ، وأعمال إبداعية أخرى ، في مسلسلات نشاهدها حتى اليوم؟ ثم وهو يُعرج على المسلسلات البدوية ، وعلاقتها بالرواية ، لماذا لا يقدم لنا فيضاً من وعيه النقدي ، في هذا المجال كي نستفيد ، أم إن تمدنه جعله يترفع عن البداوة ، وما قاله ابن خلدون ، في مقدمته ، "إن الدولة في تحضرها جاءت من طور البداوة".

10 - ونقول ، وفي لقاء الأخوين: علي ، وساجدة: لقد حاول علي أن يبحث ، عن أخته ، مراراً ، ويطرح الأسئلة ، عنها ، وبحذر ، ثم يراقب القوافل العائدة من الشام وبلاد الأناضول. حاول عدة من مرات اعتراض تلك القوافل ، وسافر ، وكاد أن يتجاوز حوران ، ثم عثر على ساجدة مع إحدى القوافل ، وهي تعاني ، فكيف كان "تعرفها على أخيها ، والذي قلما يُصدق إلا في الخيال العلمي" ، كما يقول ذلك الناقد المتمرس ، ونضيف أنها لم تتعرف عليه بيقين ثابت ، إنما عاد إليها قليل من التذكر المشوب بالشك ، بسبب واقعها المتعب ، وعذابات ذهنيتها ، وكان تعرُف أخيها عليها هو المتقدم. ولذا فإن اللقاء لا بد أن يكون عجيباً ومثيراً بعد طول معاناة عاشها الإثنان ، وهذا هو الواقع المنتظر ، الذي يستوقف المتلقي ، ويدهشه أيضاً. إذنْ ، ليس هنالك من خيال علمي طارئ استحضره الناقد ، من مخياله هو.

11 - أسهب الدكتورالحصيف ، في ما استطاع أن يوغل فيه ، أسفاً ، مع سفربرلك ، لكنه نسي العنوان الذي تناوله فلم يَدْنُ من سيرة (دروب القفر) ، وأمكنتها ، رغم أنه تناول ، في كتابه الجديد ، "تأملات في السرد العربي" ، حيثيات الأمكنة وصراعها.. أما مع دروب القفر فالأمر مختلف جداً ، فهذا رجل يكيل بمكيالين ، وهكذا أدان ما تعلق بالصحراء ، من سمات وأحداث وأشياء أخرى لم يدرك توظيفها ، فتخلى بقصد عن أثر المكان وتفاعله مع فضاء الصحراء ، وما فيها من مظاهر الحياة. فالجمل الحانق الذي أزعجه ذكره ، وأدان وجوده ، في السرد ، هو الذي انتزع ذراع عواد ، أحد شخوص الرواية ، أما لماذا طرحنا أحداث غزو الصبي (بدر) ، ومأساته ، فإن هذه الأشياء جرت والعسكر بين دروب القفر ، وكأن تلك الأحداث لا تهمهم.

نعم ، إنني أعي هواجس الناقد: إنه ، والبدو والبادية ، على خلاف ، والأمر أبعد من ذلك بكثير ، فالصمت أجدى لدي ، وفي فمي ماء ، ما دمت لا أسعى إلى ما يسعى إليه.