المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (الخليج) 50 عاماً على غيابه ألبير كامو يتعلم من الشمس



رذاذ عبدالله
30 - 10 - 2010, 11:22 AM
50 عاماً على غيابه
ألبير كامو يتعلم من الشمس



http://www.iraqup.com/up/20101030/km6J4-I6aG_985459298.jpg (http://www.iraqup.com/)





ها قد عشنا خمسين عاماً بلا ألبير كامو، وبلا أحكامه الحادة، المثيرة والمحرضة، التي توجهنا وتوخزنا .

وخلال هذا الوقت، لم تكف الكتب والمقالات والأطروحات المكرسة عن مؤلف” الغريب “ و”الطاعون” و”السقطة و”الرجل الأول” عن الزيادة: أحصت “المكتبة الفورية للكتب والدوريات”، الأكثر تردداً من قبل الجامعيين 3171 مرجعاً، من ضمنها 2528 عملاً يدرس فكره ومكانته التي يحتلها في تاريخ الأفكار، غوغل بووكس، الموقع الأكثر شعبية، عرض ما لا يقل عن 9953 مرجعاً . وتضارب معظم الكتّاب حول السؤال نفسه: ما مكان كامو قبالة العالم . عالمنا بعد موته المبكر؟ ماذا ستكون عليه تعليقاته، نصائحه، ايعازاته، التي لم يكن لديه الوقت لمنحنا إياها وتنقصنا بقوة؟

هناك سؤال واحد ذو . . كثير من الأجوبة المتباينة، وهذا غير مثير للدهشة . قال كامو “يتمثل فن كافكا في اجبار القارئ على اعادة قراءته” . لماذا؟ لأن “نهاياته، أو غياب نهاياته، توحي بشروح، ولكنها غير ظاهرة علانية وتقتضي، لكي تتبدى مؤسسة، أن يقرأ التاريخ تحت زاوية أخرى” . بمعنى آخر، يتأسس فن كافكا على رفض النزوح إلى احتواء ما لا يمكن احتواؤه، انهاء الأسئلة المنذورة للبقاء مفتوحة، متآمرة، واخزة وبالتالي لم تكف عن مساءلة القارئ وتحريضه بإلهامه وتشجيعه على بذل جهد معاودة التفكير، وبفضل هذه السمة الفريدة نجد أن إلهام كافكا خالد: تعد المجادلات والمناقشات كما مقاصده المتجددة أفضل مقاربة ممكنة من “حجر الفلسفة” الذي حلم الخيميائيون به، لأجل الأبدية، لأجل “إكسير الحياة” . في بورتريه عن كافكا، لخص كامو نموذج كل فكر خالد، سمة كل المفكرين الخالدين، بادئاً بنفسه .

“هناك الجمال وهناك المهانون”

بطبيعة الحال، لم أنته بعد (ولا حتى حاولت جدياً) بدراسة آلاف التأويلات المعادة التي تتابعت إلى يومنا الحالي عن إرث كامو . بالتالي، لست جديراً بتقييم وتركيب النقاش الدائر ولا حتى التكهن بتطوره، في الانعكاسات القادمة، يجب أن أكتفي بكامو الخاص بي، أن أكتفي بقراءاتي الشخصية وصوته الذي أعيد الاستماع اليه بعد خمسين عاماً، المرشح هذه المرة بواسطة الحداثة “السائلة”، البازار الكبير الذي يحوي العالم، وأركز جهدي على مؤلف “أسطورة سيزيف” و”الانسان المتمرد” اللذين ساعداني مع كتب أخرى على التعايش مع غرابة وعبثية العالم الذي نعيشه وعبثيته ونصرّ على تشكيله، يوماً بعد يوم، بوعي أو بلا وعي، بطريقتنا للعيش فيه . لن أكون مندهشاً مثل قراء متحمسين لكامو، بحثاً عن رسالته للأجيال القادمة، بحيث إن قراءتي مختلفة وغريبة ومنحرفة عن قراءتهم: لأنها إذا كانت تلاحق بلا كلل حقيقة الظرف الانساني، فإن كامو كان واعياً بكون موضوعه يظل مفتوحاً على تفسيرات وآراء متعددة، ويظل مقاوماً لكل النتائج السابقة لأوانها عبر النقاش (وفي الواقع، كل نتيجة، حينما تجابه السر المغلق للطبيعة الإنسانية وممكناتها، لا تكون سوى سابقة لأوانها!) كما نزعة تنقيح رؤيته عن التراجيديا الاإسانية، عبر الانشغال بالوضوح والمنطق الداخلي، اللبس والتناقض اللذين كانا من صفاته غير القابلة للاختزال .

منذ بضع سنوات، طلبت صحيفة مني “أن ألخص فكري في فقرة” . لم أجد أفضل من هذا التصوير من بين جهود السوسيولوجيين لسبر أغوار ووصف الطرق الملتوية للتجربة الانسانية لكامو “هناك الجمال وهناك المهانون، أياً كانت صعوبات محاولات الاغراء، لا أريد أن أكون خائناً للجمال والمهانين” . يبين بعض الكتاب وصفات سعادة الناس، وهم الأكثر راديكالية والأكثر غطرسة، هذه المهنة الايمانية إنها تحريض كارثي كما اللعب على حبلين، ولكن كامو أثبت، بلا أي ظل من الشك حسبما وجهة نظري، أن “اختيار المعسكر” بالتضحية بدور ما لإتمام عمل آخر ينتهي بوضع كلا الدورين بعيداً عن متناول اليد . هو نفسه ردد “أكون في منتصف المسافة بين البؤس والشمس”، مضيفاً: “يمنعني البؤس من الاعتقاد أن كل شيء طيب تحت الشمس وفي التاريخ، علمتني الشمس أن التاريخ ليس هو كل شيء” . واعترف “أنا متشائم في ما يخص المصير الإنساني، ومتفائل في ما يخص الانسان”، اذ رأى فيه “المخلوق الوحيد الذي يرفض أن يكون ما هو عليه” . الحرية الانسانية، كما سطر، “لا تمنح سوى فرصة وحيدة لكي نكون في مستوى أفضل”، والوسيلة الوحيدة لمجابهة عالم بلا حرية هي أن نكون أحراراً بحيث نحقق من وجودنا الشخصي حركة تمرد، تتبدى اللوحة التي رسمها عن المصير وامكانيات الانسان بين صورة سيزيف وصورة بروميثيوس، وتجتهد بالكاد، وإنما بإصرار لا يكل في الربط بينهما وتوليفهما . اختار بروميثيوس، بطل “الانسان المتمرد”، أن يحيا حياته لأجل الآخرين، حياة تمرد ضد آلامهم، عاملاً على رؤية حل “عبثية الظرف الانساني” الذي قاد سيزيف الواقع والمهموم بثقل آلامه ناحية الانتحار كحل وحيد ومخرج ممكن للعنته الانسانية، الانسانية للغاية (“في بؤس حياتنا على الأرض، الانتحار أجمل الهدايا الممنوحة للانسان”) . في تقارب سيزيف وبروميثيوس الذي عالجه كامو، أصبح الرفض فعلاً تأكيدياً “أتمرد، لذا نحن حاضرون” . على اعتبار أن الانسان لا يعد بذاته مثال المنطق، التناغم، النظام والوضوح Eindeutigkeit إلا لكي يعمل، بظروفه واختياراته، على تحديها دورياً بالممارسة . . . “والنحن” هنا جندها سيزيف الوحيد، الذي لم يجد رفيقاً لعزلته سوى صخرة، منحدر ودور منذور للفشل .

“السعادة والعبث لا ينفصلان”

حتى في مصير سيزيف، الذي لا يمتلك أملاً ولا مخرجاً ظاهرياً بما أنه يواجه عبثية وجوده المطلقة، هناك فضاء، صغير بشراسة، بالتأكيد، ولكنه بالمثل رحب للغاية لكي يحتوي بروميثيوس . مصير سيزيف غير تراجيدي لأنه واع بتفاهة جهوده، ولكن مثلما شرح كامو “بصيرته التي حققت ألمه الشديد تستهلك في الوقت نفسه نصره، ليس من المصير يتبدى الازدراء” . آخذاً هذا الوعي السقيم من ذاته نفسها لكي ينفتح على بروميثيوس وسيزيف، الصورة التراجيديا لعبد الأشياء، من الممكن أن يتحول إلى أن يكون مؤلفهما السعيد، “السعادة والعبث، كما دون كامو، خيطان من المادة نفسها، لا ينفصلان” .

وتابع: “(في سيزيف، هذا) العالم من الآن فصاعداً بلا سيد . . . لا يتبدى غير عقيم وغير تافه . كل حبة من حبات هذه الصخرة، كل لمعان طبيعي لهذا الجبل وقت الليل، يكون عالماً بالنسبة اليه . الصراع نفسه نحو القمم يكفي لملء قلب انسان .” من اللازم تخيل سيزيف وهو سعيد “(وأنا من أسطر على هذه الجملة”) . سيزيف يتصالح مع العالم كما هو، وهذا القبول يفتح طريق التمرد، من الأفضل، أن يجعل هذا الطريق التمرد محتوماً، أو على الأقل يجعله المخرج المحتمل . هذا التوليف للقبول والتمرد، الانشغال بالجمال والانشغال بالبؤساء، يهدف إلى حماية، على جبهتين، مشروع كامو: ضد الخضوع، المثقل بالانجذاب الانتحاري، وضد الإفراط في الثقة، المثقلة بتباين ثمن التمرد الانساني .

يعلمنا كامو أن التمرد، الثورة، النضال من أجل الحرية ملازمان للوجود الانساني، ولكن من اللازم أن نرقب الحدود لكي نتجنب أن هذا البحث الرائع لن يفضي إلى الطغيان .

كيف يمكن أن نعتقد أن ألبير كامو مات منذ خمسين عاماً؟