رذاذ عبدالله
31 - 10 - 2010, 10:52 AM
يان أدريا ..يحكي قصة «الأسير العاشق» للكاتبة الشهيرة مارغريت دوراس
http://www.iraqup.com/up/20101031/wmB3V-6Qd8_255254517.jpg (http://www.iraqup.com/)
ليست مارغريت دوراس، في نظر عاشقها يان أدريا، هي الروائية الفذة، صاحبة روايات: «المتهورون» و«الحياة المطمئنة» و«حاجز على الباسيفيك» و«ونوتي جبل طارق» و«موديراتو كانتابيل» و«الساعة العاشرة والنصف مساء في الصيف» و«بعد الظهر عند السيد اندسماس» و«نائب القنصل» والسيناريو الشهير «هيروشيما.. حبيبتي».
وروايتها «العشيق» التي باعت منها ملايين النسخ وترجمت إلى معظم لغات العالم، بل هي المرأة التي أحبها وأصبح أسيراً لها، وهذا ما يوضحه في اعترافاته الأخيرة. كيف يمكن أن يعيش رجل في الـ 27 من عمره مع امرأة عمرها 66 عاماً؟ قصة الحب هذه صدمت الأوساط الأدبية في باريس، وظلت لغزاً لا يمكن العثور على حل له في أتون الحب العاصف. لم تكن الروائية الفرنسية الشهيرة، التي اعتبرت من حلقة الرواية الجديدة التي أثرت على مجمل الإبداع الروائي في القرن المنصرم، تهدأ من إثارة موضوعات الحب والعشق في كتاباتها، هذه العاطفة الإنسانية التي عالجتها في رواياتها بين المخيلة والواقع، وبين الفانتازيا والحقيقة.
http://www.iraqup.com/up/20101031/jjUF6-C6h2_221605834.jpg (http://www.iraqup.com/)
الفرنسيون يعتبرونها ساحرة في كتابة الرواية، وخاصة في معالجتها للحب كما هو حال عشيقها الصيني الرمزي الأسطوري عندما كانت فتاة مراهقة في رواية «العشيق». وفي هذه المرة لا نتحدث عن الحب الأسطوري الفانتازي بل نتحدث عن الشاب الذي التقته في مدينة «تروفيل» الساحلية التي تبعد عن العاصمة باريس قرابة مائتي كيلومتر. وهذا الشاب هو «يان أندريا» الذي غير وضعية الشخصية في المخيلة الروائية لمارغريت دوراس إلى شخصية المؤلف الفاعل. ومن اجل ذلك، فقد ألف هذا الشخص المجهول كتابا يشبه «الاعترافات»، بعنوان « هذا الحب»، يسرد فيه قصة حبه ولقائه بالكاتبة في أواخر سنوات حياتها.
وقصة الحب هذه تدور فصولها بين كاتبة شهيرة عجوز هي مارغريت دوراس، وشاب مجهول لا علاقة له بالوسط الأدبي. إذا يمكن القول إن هذين الزوجين كانا ضد كل ما هو طبيعي في العلاقات بين رجل وامرأة. ولعل أول ما يعارض هذا الحب هو صحة العلاقات بين الاثنين.
يحدث في عام 1975 وفي مدينة «كان» أن يلتقي طالب شاب بمعبودته الساحرة. وبعد مضي خمس سنوات، يقوم بزيارتها في مدينة « روش نوار»، ولم يرحل أبدا. وقد عاش معها ستة عشر عاما، ما بين صيف عام 1980 والثالث من شهر مارس من عام 1996.
وكانت معاناته تتجسد أنه وعلى الرغم من حياته معها طيلة هذه المدة، لكنه لم يكن يتمكن من لفظ اسمها الصغير «مارغريت»، بل كان يخاطبها ب«أنتم» للتفخيم والاحترام. وكان يان أندريا، قبل أن يقابلها ويعيش معها، مسحورا بريشتها وباسمها الأدبي الساطع.
لقائه بالكاتبة الكبيرة
بدأت الخيوط الأولى في عام 1975،عندما عرض الفيلم المستوحى من روايتها «الأغنية الهندية» في مدينة « كان»، وهذه المدينة هي ليست مدينة «كان» السينمائية الساحلية، بل هي مدينة أخرى في غرب فرنسا تختلف قليلا في النطق.
كان المخرجون والجمهور يأتون إلى الصالة بحضور المؤلفة من أجل النقاش. يقول أندريا: «كنت أود لو أشتري باقة زهور ضخمة وأقدمها لها بهذه المناسبة. ولكني لم أكن أتجرأ لأنني كنت أشعر بالخجل. كيف يمكن أن أواجه ضحكات الجمهور وربما سخريتهم مني؟ كنت أطمح أن أحصل منها على توقيع تضعه على إحدى كتبها. وهي ترتدي سترة جلدية وروب لن تخلعه طيلة عشرين عاما،وأحذية ويستون.
كنت أتمنى أن أعطيها باقة الزهور وان نبقى لوحدنا في صالة السينما. وهنا طلبت منها أن تعطيني توقيعها، ثم قلت لها أريد أن أكاتبك، فأعطتني عنوانا في باريس. ومن ثم قالت: إنني عطشانة.
فذهبنا إلى إحدى الحانات القريبة، فشربت كأسا من الجعة، ثم رحلت مع مجموعة من الشبان وتركتني وحيدا في حانة «لي ديبار» المقابلة لمحطة قطار مدينة «كان»، ولكن عزائي أنها تركت لي كتابها «ديروير» مع توقيعها وعنوانها في باريس في الدائرة السادسة».
هكذا يروي يان أندريا أول اتصال له مع الكاتبة التي ألهبت مخيلته لسنوات طويلة. ولكن القصة لم تنته عند هذا الحد. يستمر يان أندريا السرد هنا:
«في أحد أيام شهر يوليو من عام 1980، اتصلت بها على عنوان منزلها في مدينة» تروفيل»، لأنني كنت أعرف بأنها كانت هناك حيث كنت أواصل قراءة المسلسل الذي كانت تكتبه كل أسبوع في صحيفة «ليبراسيون»، وكانت تتحدث عن بولونيا وغاندنسك، كانت تتحدث عن الأطفال ذوي العيون الرمادية اللون.
وسرعان ما شعرت بأنها تكتب ذلك من أجلي. كنت أتصل بها من مركز بريد مدينة «كان»، وكنت أخشى أن لا تكفيني النقود في المكالمة، ولا يبدو أنها تريد التوقف عن الحديث. وبعدها قالت لي: «تعال إلى مدينة تروفيل».
ومن هناك اتصلت بها ولكنها أجابتني بأنها ما تزال منشغلة في الكتابة في الوقت الحاضر ولا تستطيع رؤيتي إلا في غضون ساعتين. وبعد الاتصال بها بعد مرور ساعتين كما وعدتني، قالت لي: «لم أنتهي من الكتابة بعد، فهل يمكنك الاتصال بي في الساعة السابعة مساء؟». وقالت لي: «هل يمكن أن تجلب معك الشراب من المتجر الموجود في شارع «بان»؟».
وهكذا انتظرت حتى السابعة مساء واشتريت المطلوب، وقصدت منزلها في منطقة «روش نوار». وعندما دخلت قالت لي يجب أن تقرع على الجرس وإلا لا يمكنني سماعك، ذلك لأني طرقت الباب مباشرة. وقالت لي:
انظر إلى البحر، هنا كان مارسيل بروست وجدته يأتيان إلى هنا في الصيف».
تطور لافت
ويضيف يان: «ثم قالت لي: أخشى أن تكون جائعا، فمن الأفضل أن تأكل في المطعم لأنني لا أمتلك أي طعام في الشقة، وهكذا سأقوم بإعادة المقال الذي كتبته لصحيفة «ليبراسيون». خرجت من شقتها ولكني لم أكن أتجرأ أن أدخل المطاعم، فقمت بجولة على الرصيف وسوق السمك والكازينو. وعدت في الساعة الحادية عشرة ليلا دون أن آكل. قالت لي: هل وجدت طعاما؟
http://www.iraqup.com/up/20101031/4wt3M-MeC5_754120881.jpg (http://www.iraqup.com/)
قلت لها: المطاعم جميعها مزدحمة. فقالت لي هذا هو موسم الصيف المزدحم. ثم أعطتني شريحة من الدجاج البارد. وفي هذه الأثناء قالت لي: على أية حال من الصعب أن تجد فندقا في هذه الساعة، يمكنك أن تنام في غرفة ابني الفارغة. ومن ثم اقترحت علي أن نقوم بجولة في «هونفلور».
وقالت لي: أريد أن أريك عظمة ميناء هافر، المضاء، الشيء الأجمل في العالم. وركبنا سيارة، ماركة بيجو 104 تقودها هي. وكنت أقول نعم لكل مقترحاتها.وبدأنا ننشد أغنيات أديث بياف في الليل، وهنا بدأنا، أو بالأحرى جعلتني مارغريت دوراس انشد أغنيات أديث بياف لكن صوتي كان نشازا، فقالت لي:
سأعلمك الغناء.. أنت تغني بشكل خاطئ
وهكذا بدأنا ننشد أغنيات أديث بياف سوية، وعلى الخصوص أغنية «الحياة الوردية».
وبعد تلك الجولة، عدنا إلى شقتها في منطقة « لي روش نوار»، وجلسنا على الأرائك قبالة المرايا في تلك الصالة الخرافية التي تطل على البحر. كانت تردد:
هذا مكان رائع لأنه زاخر الصمت.
هل تسمع؟
نعم.
صخب في البحر وصمت في الصالة
وبعد ذلك أعطتني الأغطية والفرشة. وقلت في نفسي: أنني سأبقى هنا بجوارك ولن أغادرك. أنام في غرفة ابنك وأنت تنامين في الغرفة الكبيرة في الجهة الأخرى. ولكن سرعان ما اختلف الأمر، ومنذ تلك اللحظة لم نترك أحدنا الآخر. وبدأنا نجلس ونتسامر سوية. وأخذت أطبع لها المقالات المسلسلة التي تكتبها لصحيفة «الليبراسيون»، وهي تملي علي وتقول ضاحكة:
لم أر أسرع منك في الطباعة بإصبعين. وهكذا بدأنا نمضي الأيام مع ذكريات الطفل ذي العينين الرماديتين، وبولونيا وليالي موزارت، ونجول في ميناء هانوفر، نضحك وننشد أغنيات أديث بياف، وهي تشجعني على ضبط اللحن وتقول بأنني أتحسن في أداء صوت هذه المغنية.
وفي بعض الأحيان، كانت تنعزل وتتوحد في غرفتها في حين كنت أجلس على الأريكة، وأرسل نظراتي عبر النوافذ حيث تحرق أشعة الشمس الستائر الوردية الشاحبة، وأنا لا أعمل شيئا. ومن ثم قامت بنشر مقالاتها المسلسلة التي نشرتها في صحيفة «الليبراسيون»، في كتاب تحت عنوان «صيف عام 1980» في منشورات «مينوي»، وقد أهدت الكتاب إلي.
ماذا حدث فجاة ؟
ينتقل يان إلى محطة اخرى مفاجئة في هذه العالقة،حيث يقول: «ذات مساء، فوجئت بأنها حزمت حاجياتي في حقيبة، ثم رمتها عبر النافذة.
وقالت:
- لم أعد أتحملك. يجب أن تغادرني على الفور وتعود إلى مدينتك «كان»، لقد انتهى كل شيء بيننا. وقامت بتوديعي. ولملمت حقيبتي في باحة المنزل، وغادرت وهي تتجه بنظراتها نحوي من الشرفة.
وقالت لي: يان.. خذ هذا، وهي ترمي لي باسطوانة هيرفي فيلارد. وسرت على الأقدام حتى محطة دوفيل. (مدينة دوفيل ملاصقة لمدينة تروفيل بجسر حيث كانت تسكن الروائية).
وقد كان الوقت منتصف الليل واستقللت تاكسيا إلى مدينتي. ولمحت على غلاف اسطوانة هيرفي فيلارد كلمات مكتوبة تقول «وداعا إلى الأبد يا يان». التوقيع: مارغريت دوراس.
ومن هناك اتصلت بها هاتفيا، فأجابتني: كلا، يان، أنه لأمر صعب أن أتحملك، لقد انتهى كل شيء بيننا. وفي نهار اليوم التالي، استقللت تاكسيا قاصدا تروفيل وطرقت بابها.
ففتحت لي الباب وهي تقول لي: نطردك وأنت تصر على العودة. أين كرامتك؟ عجيب أمر رجل مثلك. هذا شيء مستحيل. فجاملتني وابتسمت، وهي تقول لي:
أتمنى أنك لم تنس الأسطوانة.
بعدها ذهبت إلى رؤية أمي التي تسكن مع زوجها في مدينة « دو سيفر» ،وذلك لمدة ثلاثة أيام. وفهمت أمي على الفور أن هذه قصة حبي مع مارغريت دوراس لا نهاية لها.
ومن ثم عدت إلى تروفيل، وتواعدنا في حانة بالقرب من محطة القطار. جاءت على الموعد، وقد وضعت أصباغ الزينة على وجهها بصورة كثيفة، كما وضعت أحمر الشفاه القوي الحاد.
وها هي كما لو كان عمرها مائة عام، ألف عام أو خمسة عشرة ونصف عاما، وكما في روايتها «العشيق« تأخذها سيارة الصيني. وهنا قالت لي: لو لم أكن مارغريت دوراس لما نظرت إلي. لكني لم أكن أجيب على مثل هذه التساؤلات. وتابعت:
لست أنا التي تحبك بل مارغريت دوراس.
وقد أعطتني قلما وقالت لي: هيا أكتب إنني لا أحب مارغريت دوراس. ولكني رفضت طلبها هذا.
وتكرر: يان، لو لم أؤلف كتابا، هل كنت تحبني أيضا؟ أخفض رأسي إلى الأرض ولا أجيبها.
إنها لا تتحملني، وتطردني أحيانا وتهددني وتقول لي: أنت لا تمتلك شيئا هنا كل ما هو موجود ملكي. الأموال معي ولن أعطيك قرشا واحدا. أنت لا شيء. صفر على الشمال، جاهل وأميّ. ولكنها لا تفهم لماذا أتحمل كل هذه الإهانات وأبقى معها.
وفي بعض الأحيان، تريد أن تكسر كل شيء في المنزل، بل وتريد أن تضربني، وتهينني حتى الموت، بل وتريد قتلي. العالم بكامله يصبح بشعا في عينيها. وتريد أن تراني أقضي نحبي معها. بل تريد أن تموت وتختفي من هذا العالم. ولكنها في الوقت ذاته تريد كل شيء مني حتى الموت.
كانت تبذل قصارى جهودها من أجل أن تحقق الحب الشامل في جميع اللحظات. ولكن علاقتنا التدميرية هذه كانت تتعدانا إلى عنصر ثالث ألا وهو الكتابة. وكان هذا يشبه العقد السري بيننا. أحيانا تعوض الكلمة عن ذلك وأحيانا ابتسامة بينا.
http://www.iraqup.com/up/20101031/wmB3V-6Qd8_255254517.jpg (http://www.iraqup.com/)
ليست مارغريت دوراس، في نظر عاشقها يان أدريا، هي الروائية الفذة، صاحبة روايات: «المتهورون» و«الحياة المطمئنة» و«حاجز على الباسيفيك» و«ونوتي جبل طارق» و«موديراتو كانتابيل» و«الساعة العاشرة والنصف مساء في الصيف» و«بعد الظهر عند السيد اندسماس» و«نائب القنصل» والسيناريو الشهير «هيروشيما.. حبيبتي».
وروايتها «العشيق» التي باعت منها ملايين النسخ وترجمت إلى معظم لغات العالم، بل هي المرأة التي أحبها وأصبح أسيراً لها، وهذا ما يوضحه في اعترافاته الأخيرة. كيف يمكن أن يعيش رجل في الـ 27 من عمره مع امرأة عمرها 66 عاماً؟ قصة الحب هذه صدمت الأوساط الأدبية في باريس، وظلت لغزاً لا يمكن العثور على حل له في أتون الحب العاصف. لم تكن الروائية الفرنسية الشهيرة، التي اعتبرت من حلقة الرواية الجديدة التي أثرت على مجمل الإبداع الروائي في القرن المنصرم، تهدأ من إثارة موضوعات الحب والعشق في كتاباتها، هذه العاطفة الإنسانية التي عالجتها في رواياتها بين المخيلة والواقع، وبين الفانتازيا والحقيقة.
http://www.iraqup.com/up/20101031/jjUF6-C6h2_221605834.jpg (http://www.iraqup.com/)
الفرنسيون يعتبرونها ساحرة في كتابة الرواية، وخاصة في معالجتها للحب كما هو حال عشيقها الصيني الرمزي الأسطوري عندما كانت فتاة مراهقة في رواية «العشيق». وفي هذه المرة لا نتحدث عن الحب الأسطوري الفانتازي بل نتحدث عن الشاب الذي التقته في مدينة «تروفيل» الساحلية التي تبعد عن العاصمة باريس قرابة مائتي كيلومتر. وهذا الشاب هو «يان أندريا» الذي غير وضعية الشخصية في المخيلة الروائية لمارغريت دوراس إلى شخصية المؤلف الفاعل. ومن اجل ذلك، فقد ألف هذا الشخص المجهول كتابا يشبه «الاعترافات»، بعنوان « هذا الحب»، يسرد فيه قصة حبه ولقائه بالكاتبة في أواخر سنوات حياتها.
وقصة الحب هذه تدور فصولها بين كاتبة شهيرة عجوز هي مارغريت دوراس، وشاب مجهول لا علاقة له بالوسط الأدبي. إذا يمكن القول إن هذين الزوجين كانا ضد كل ما هو طبيعي في العلاقات بين رجل وامرأة. ولعل أول ما يعارض هذا الحب هو صحة العلاقات بين الاثنين.
يحدث في عام 1975 وفي مدينة «كان» أن يلتقي طالب شاب بمعبودته الساحرة. وبعد مضي خمس سنوات، يقوم بزيارتها في مدينة « روش نوار»، ولم يرحل أبدا. وقد عاش معها ستة عشر عاما، ما بين صيف عام 1980 والثالث من شهر مارس من عام 1996.
وكانت معاناته تتجسد أنه وعلى الرغم من حياته معها طيلة هذه المدة، لكنه لم يكن يتمكن من لفظ اسمها الصغير «مارغريت»، بل كان يخاطبها ب«أنتم» للتفخيم والاحترام. وكان يان أندريا، قبل أن يقابلها ويعيش معها، مسحورا بريشتها وباسمها الأدبي الساطع.
لقائه بالكاتبة الكبيرة
بدأت الخيوط الأولى في عام 1975،عندما عرض الفيلم المستوحى من روايتها «الأغنية الهندية» في مدينة « كان»، وهذه المدينة هي ليست مدينة «كان» السينمائية الساحلية، بل هي مدينة أخرى في غرب فرنسا تختلف قليلا في النطق.
كان المخرجون والجمهور يأتون إلى الصالة بحضور المؤلفة من أجل النقاش. يقول أندريا: «كنت أود لو أشتري باقة زهور ضخمة وأقدمها لها بهذه المناسبة. ولكني لم أكن أتجرأ لأنني كنت أشعر بالخجل. كيف يمكن أن أواجه ضحكات الجمهور وربما سخريتهم مني؟ كنت أطمح أن أحصل منها على توقيع تضعه على إحدى كتبها. وهي ترتدي سترة جلدية وروب لن تخلعه طيلة عشرين عاما،وأحذية ويستون.
كنت أتمنى أن أعطيها باقة الزهور وان نبقى لوحدنا في صالة السينما. وهنا طلبت منها أن تعطيني توقيعها، ثم قلت لها أريد أن أكاتبك، فأعطتني عنوانا في باريس. ومن ثم قالت: إنني عطشانة.
فذهبنا إلى إحدى الحانات القريبة، فشربت كأسا من الجعة، ثم رحلت مع مجموعة من الشبان وتركتني وحيدا في حانة «لي ديبار» المقابلة لمحطة قطار مدينة «كان»، ولكن عزائي أنها تركت لي كتابها «ديروير» مع توقيعها وعنوانها في باريس في الدائرة السادسة».
هكذا يروي يان أندريا أول اتصال له مع الكاتبة التي ألهبت مخيلته لسنوات طويلة. ولكن القصة لم تنته عند هذا الحد. يستمر يان أندريا السرد هنا:
«في أحد أيام شهر يوليو من عام 1980، اتصلت بها على عنوان منزلها في مدينة» تروفيل»، لأنني كنت أعرف بأنها كانت هناك حيث كنت أواصل قراءة المسلسل الذي كانت تكتبه كل أسبوع في صحيفة «ليبراسيون»، وكانت تتحدث عن بولونيا وغاندنسك، كانت تتحدث عن الأطفال ذوي العيون الرمادية اللون.
وسرعان ما شعرت بأنها تكتب ذلك من أجلي. كنت أتصل بها من مركز بريد مدينة «كان»، وكنت أخشى أن لا تكفيني النقود في المكالمة، ولا يبدو أنها تريد التوقف عن الحديث. وبعدها قالت لي: «تعال إلى مدينة تروفيل».
ومن هناك اتصلت بها ولكنها أجابتني بأنها ما تزال منشغلة في الكتابة في الوقت الحاضر ولا تستطيع رؤيتي إلا في غضون ساعتين. وبعد الاتصال بها بعد مرور ساعتين كما وعدتني، قالت لي: «لم أنتهي من الكتابة بعد، فهل يمكنك الاتصال بي في الساعة السابعة مساء؟». وقالت لي: «هل يمكن أن تجلب معك الشراب من المتجر الموجود في شارع «بان»؟».
وهكذا انتظرت حتى السابعة مساء واشتريت المطلوب، وقصدت منزلها في منطقة «روش نوار». وعندما دخلت قالت لي يجب أن تقرع على الجرس وإلا لا يمكنني سماعك، ذلك لأني طرقت الباب مباشرة. وقالت لي:
انظر إلى البحر، هنا كان مارسيل بروست وجدته يأتيان إلى هنا في الصيف».
تطور لافت
ويضيف يان: «ثم قالت لي: أخشى أن تكون جائعا، فمن الأفضل أن تأكل في المطعم لأنني لا أمتلك أي طعام في الشقة، وهكذا سأقوم بإعادة المقال الذي كتبته لصحيفة «ليبراسيون». خرجت من شقتها ولكني لم أكن أتجرأ أن أدخل المطاعم، فقمت بجولة على الرصيف وسوق السمك والكازينو. وعدت في الساعة الحادية عشرة ليلا دون أن آكل. قالت لي: هل وجدت طعاما؟
http://www.iraqup.com/up/20101031/4wt3M-MeC5_754120881.jpg (http://www.iraqup.com/)
قلت لها: المطاعم جميعها مزدحمة. فقالت لي هذا هو موسم الصيف المزدحم. ثم أعطتني شريحة من الدجاج البارد. وفي هذه الأثناء قالت لي: على أية حال من الصعب أن تجد فندقا في هذه الساعة، يمكنك أن تنام في غرفة ابني الفارغة. ومن ثم اقترحت علي أن نقوم بجولة في «هونفلور».
وقالت لي: أريد أن أريك عظمة ميناء هافر، المضاء، الشيء الأجمل في العالم. وركبنا سيارة، ماركة بيجو 104 تقودها هي. وكنت أقول نعم لكل مقترحاتها.وبدأنا ننشد أغنيات أديث بياف في الليل، وهنا بدأنا، أو بالأحرى جعلتني مارغريت دوراس انشد أغنيات أديث بياف لكن صوتي كان نشازا، فقالت لي:
سأعلمك الغناء.. أنت تغني بشكل خاطئ
وهكذا بدأنا ننشد أغنيات أديث بياف سوية، وعلى الخصوص أغنية «الحياة الوردية».
وبعد تلك الجولة، عدنا إلى شقتها في منطقة « لي روش نوار»، وجلسنا على الأرائك قبالة المرايا في تلك الصالة الخرافية التي تطل على البحر. كانت تردد:
هذا مكان رائع لأنه زاخر الصمت.
هل تسمع؟
نعم.
صخب في البحر وصمت في الصالة
وبعد ذلك أعطتني الأغطية والفرشة. وقلت في نفسي: أنني سأبقى هنا بجوارك ولن أغادرك. أنام في غرفة ابنك وأنت تنامين في الغرفة الكبيرة في الجهة الأخرى. ولكن سرعان ما اختلف الأمر، ومنذ تلك اللحظة لم نترك أحدنا الآخر. وبدأنا نجلس ونتسامر سوية. وأخذت أطبع لها المقالات المسلسلة التي تكتبها لصحيفة «الليبراسيون»، وهي تملي علي وتقول ضاحكة:
لم أر أسرع منك في الطباعة بإصبعين. وهكذا بدأنا نمضي الأيام مع ذكريات الطفل ذي العينين الرماديتين، وبولونيا وليالي موزارت، ونجول في ميناء هانوفر، نضحك وننشد أغنيات أديث بياف، وهي تشجعني على ضبط اللحن وتقول بأنني أتحسن في أداء صوت هذه المغنية.
وفي بعض الأحيان، كانت تنعزل وتتوحد في غرفتها في حين كنت أجلس على الأريكة، وأرسل نظراتي عبر النوافذ حيث تحرق أشعة الشمس الستائر الوردية الشاحبة، وأنا لا أعمل شيئا. ومن ثم قامت بنشر مقالاتها المسلسلة التي نشرتها في صحيفة «الليبراسيون»، في كتاب تحت عنوان «صيف عام 1980» في منشورات «مينوي»، وقد أهدت الكتاب إلي.
ماذا حدث فجاة ؟
ينتقل يان إلى محطة اخرى مفاجئة في هذه العالقة،حيث يقول: «ذات مساء، فوجئت بأنها حزمت حاجياتي في حقيبة، ثم رمتها عبر النافذة.
وقالت:
- لم أعد أتحملك. يجب أن تغادرني على الفور وتعود إلى مدينتك «كان»، لقد انتهى كل شيء بيننا. وقامت بتوديعي. ولملمت حقيبتي في باحة المنزل، وغادرت وهي تتجه بنظراتها نحوي من الشرفة.
وقالت لي: يان.. خذ هذا، وهي ترمي لي باسطوانة هيرفي فيلارد. وسرت على الأقدام حتى محطة دوفيل. (مدينة دوفيل ملاصقة لمدينة تروفيل بجسر حيث كانت تسكن الروائية).
وقد كان الوقت منتصف الليل واستقللت تاكسيا إلى مدينتي. ولمحت على غلاف اسطوانة هيرفي فيلارد كلمات مكتوبة تقول «وداعا إلى الأبد يا يان». التوقيع: مارغريت دوراس.
ومن هناك اتصلت بها هاتفيا، فأجابتني: كلا، يان، أنه لأمر صعب أن أتحملك، لقد انتهى كل شيء بيننا. وفي نهار اليوم التالي، استقللت تاكسيا قاصدا تروفيل وطرقت بابها.
ففتحت لي الباب وهي تقول لي: نطردك وأنت تصر على العودة. أين كرامتك؟ عجيب أمر رجل مثلك. هذا شيء مستحيل. فجاملتني وابتسمت، وهي تقول لي:
أتمنى أنك لم تنس الأسطوانة.
بعدها ذهبت إلى رؤية أمي التي تسكن مع زوجها في مدينة « دو سيفر» ،وذلك لمدة ثلاثة أيام. وفهمت أمي على الفور أن هذه قصة حبي مع مارغريت دوراس لا نهاية لها.
ومن ثم عدت إلى تروفيل، وتواعدنا في حانة بالقرب من محطة القطار. جاءت على الموعد، وقد وضعت أصباغ الزينة على وجهها بصورة كثيفة، كما وضعت أحمر الشفاه القوي الحاد.
وها هي كما لو كان عمرها مائة عام، ألف عام أو خمسة عشرة ونصف عاما، وكما في روايتها «العشيق« تأخذها سيارة الصيني. وهنا قالت لي: لو لم أكن مارغريت دوراس لما نظرت إلي. لكني لم أكن أجيب على مثل هذه التساؤلات. وتابعت:
لست أنا التي تحبك بل مارغريت دوراس.
وقد أعطتني قلما وقالت لي: هيا أكتب إنني لا أحب مارغريت دوراس. ولكني رفضت طلبها هذا.
وتكرر: يان، لو لم أؤلف كتابا، هل كنت تحبني أيضا؟ أخفض رأسي إلى الأرض ولا أجيبها.
إنها لا تتحملني، وتطردني أحيانا وتهددني وتقول لي: أنت لا تمتلك شيئا هنا كل ما هو موجود ملكي. الأموال معي ولن أعطيك قرشا واحدا. أنت لا شيء. صفر على الشمال، جاهل وأميّ. ولكنها لا تفهم لماذا أتحمل كل هذه الإهانات وأبقى معها.
وفي بعض الأحيان، تريد أن تكسر كل شيء في المنزل، بل وتريد أن تضربني، وتهينني حتى الموت، بل وتريد قتلي. العالم بكامله يصبح بشعا في عينيها. وتريد أن تراني أقضي نحبي معها. بل تريد أن تموت وتختفي من هذا العالم. ولكنها في الوقت ذاته تريد كل شيء مني حتى الموت.
كانت تبذل قصارى جهودها من أجل أن تحقق الحب الشامل في جميع اللحظات. ولكن علاقتنا التدميرية هذه كانت تتعدانا إلى عنصر ثالث ألا وهو الكتابة. وكان هذا يشبه العقد السري بيننا. أحيانا تعوض الكلمة عن ذلك وأحيانا ابتسامة بينا.