رذاذ عبدالله
2 - 11 - 2010, 05:24 AM
رحيل الفكر العربي والإسلامي عن ساحة الجدل الأوربية
بقلم - باسم توفيق
* الرايـة القطــرية
http://www.iraqup.com/up/20101102/V7xjD-Gw55_647609110.jpg (http://www.iraqup.com/)
( مكتوب علينا الرحيل .... منذ القدم رحلنا مع القبائل حيث المغيب .... رحلنا مع الشموس في صقيع الدروب الرومانية ... رحلنا مع القوافل في دروب نحو الضباب ...إلى أين ؟ إلى أين أيتها الزهرة اليانعة ؟ لماذا أنت دائما مع الراحلين .... تحملين قلبي بين أصابعك وتهرولين أمام مد السواد ..... يا زهرتي الأندلسية الجميلة ... فشلت كل المحاولات للعودة باتت أشبيلية شاحبة .. وقرطبة باردة وغائمة .... طليطلة تنعي من بناها .... وقلبي ينعي كل مرة ترحلين فيها .... فمتى تعودين بدفء القصائد الأندلسية وحكايات العشق ؟ )
ما أقسى أن تقرأ نعيك ولا تستطيع أن تبكي ! هذا بالتحديد ما قد تشعر به حينما تقرأ هذه القصيدة لشيخ المثقفين الأسبان في القرن العشرين بيدرو مارتينيث مونابيث هذا الرجل الذي آل على نفسه أن يكون محرابا لتخليد الثقافة العربية الأندلسية في أسبانيا ... علينا أن نتفكر كثيرا فيما يقول في تلك القصيدة التي ينعي فيها رحيل حضارتنا عن أرض أوروبا علينا أيضا أن نتساءل : لماذا دائما نرحل ونحن حاملين أزيالنا نحو مستقبل غائم ؟
هذا التساؤل سوف يلح في أذهان أجيال قادمة وسوف لا نجد مبررا للتهاون الدائم في تصحيح صورتنا لدى الغرب الذي أصبح يحارب بكل شراسة حتى يقصي عن ساحته قيمتين حضاريتين عظيمتين ( الأسلام والحضارة العربية ).
ليست هذه دعوة لدراسة الخلل في التواصل فقط لكنها دعوة للغوص في أعماق العقل الغربي لنعرف أن العقل الغربي الفطري غير المسمم يستوعب مدى أهمية الحضارة العربية له والحضارة الإسلامية كقيمة تكميلية لن تستقيم الصورة الفكرية بدونها .
علينا أذا أن نجد تبريرا من الآن ويجب أن يكون هذا التبرير مجردا من كل ما يعرف بعقد الاضطهاد غير الحقيقية والمفبركة أحيانا .
الحقيقة أن ما يدفعنا لإثارة هذا التساؤل هو ذلك المد القوي لانحسار البروتوكولات الأوربية لدمج الفكر الشرقي والإسلامي في آليات الجدل الحضاري الغربي والمحاولة الدائمة والتدريجية لاستبعاده تماما عن منظومة الفكر العالمي وعلى سبيل المثال لا الحصر توقف الهيئات التدعيمية التي تدعم الحوار بين الشرق والغرب مثل المعهد العربي في أسبانيا والذي أصبح دوره يقتصر على التمثيل الشكلي فقط وتوقفت جوائز عظيمة كانت تدعم هذا الجدل التقريبي مثل جائزة ابن زيدون للشعر والتي كانت تُمنح للشعراء العرب والأسبان الذين يكتبون شعراً متأثراً بالشعر الأندلسي .
والحقيقة أن جائزة ابن زيدون مجرد رمز للعديد من الجوائز والبروتوكلات التي توقفت تماما بين العرب والغرب وكما يقول اليخندرو كونتاني الكاتب والصحفي المكسيكي ( كلما تحركت الحضارة العربية خطوة لتلتحم مع نظيرتها الغربية هرولت الأخيرة في الاتجاه الآخر ثلاث خطوات .... والنتيجة شقاق سوف يتحول لصراع ) هذا ما يبدو حقيقة ،ففي العشر سنوات الأخيرة اتجهت المحافل العربية لتقوية ذلك الحس التقريبي واخترعنا جوائز ومنحنا أنواطا ونياشين ومكافآت في مقابل بعض المحاولات الهزيلة معظمها من مؤسسات أهلية وليست حكومية من الجانب الآخر .
نعود مرة أخرى لفكرة العقل الغربي الذي لم يصيبه ذاك الرزاز السام الذي يخلق منه مناهضا لفكرة الاكتمال مع الآخر متمثلا في الشريك العربي أو الإسلامي .. العقل الغربي بطبيعته كما سوف نرى مقتنعا بشكل كبير أن الفكر العربي والإسلامي فكر مستنير وعاقل وقدِّر له يوما ما أن يقود العقل الغربي في نفقة المظلم في العصور الوسطى حتى يصل إلى النور لكن المشكلة أن العقل الغربي يرى في الطرح الفكري العربي خاصية ليست فيه وهو أنه ( سلفي ) وهذا ما يرادف عند الغرب مصطلح ( رجعي ) أو ( متخلف ) وعلى ما يبدو أن هذه الفكرة قد تم تنظيرها بشكل خاطىء نتيجة للترجمة الخاطئة سواء لغويا أو بصريا على الرغم من أنه ليس كل كلمة سلفي تعني رجعي أو متخلف كما تؤكد الشاعرة الأسبانية العظيمة كونشا لاجوس في إحدى مقالاتها في مجلة اجورا ومنذ أكثر من 60 عاما تقول كونشا لاجوس( إن التعبير العربي سلفي ليس في الحقيقة تعبيرا يعني الرجعية أو التخلف فالناظر في معنى الكلمة وتطورها على مر العصور يجد أنها تعني المتبعون للتقليد السليم في الدين أو البعيدون عن البدعة والهرطقة وليس معنى ذلك أنهم يرفضون التقدم والتغيير بشكله المدني بل على العكس فأهل السلف المسلمون هم الذين وصلوا للأندلس وأصبحوا يكوِّنون تلك العجينة من المسلم الأندلسي المنفتح على الأوربيين الجنوبيين الذين نمثلهم كأسبان ،بل علي أن أقول أن الفن العربي الأندلسي الذي كان أساسا ذا قاعدة سلفية هو الذي ناقش الحب والجسد عند ابن حزم وهو الذي بنى التحف المعمارية الفنية والتي قد نجد أنها تحتال على الرموز الوثنية لتجعل منها رمزا صوفيا مجردا ... إذا السلف هو احترام الأصول والقواعد وهذا ليس بالضرورة ضد التقدم )
الحقيقة أننا أقتبسنا فكرة كنشيا لاجوس لأنها في الحقيقة تقدِّم بديلا معجميا لم يستطع أي عربي أن يقدمه عن كلمة السلفية والتي أصبحت تشكل في الغرب تلك الوحش الكاسر الذي سوف يدمّر المدنية ويحولها إلى خيام ورمال وـطلال وهذا بالتحديد ما علينا أن نوضحه .
استخدام أهل المصطلح له بشكل ذمي وتحويري يجعل الآخر يأخذه على هذا الشكل التحويري الذي ربما يرسخ في ذهنه ويصبح كما نقول في علم الفيلولوجي ( خطأ شائع ) لكن المؤسف أن معظم آليات حضارتنا العربية والإسلامية أصبحت تعرف على أنها خطأ شائع، الأمل الوحيد في تصحيحه هو بعث تلك العقلية الغربية الفطرية التي تستطيع هضم المنظومة الفكرية والحضارية العربية والإسلامية ولن يتأتى ذلك إلا من خلال إعادة تلك الجسور التي تهدمت وتهاوت في خضم الصراع المزعوم بين الشرق والغرب وإعادة ترتيب معجمنا الاصطلاحي وتصحيحه ونشر هذا التصحيح لتعديل تلك الأخطاء التي رسخت في أذهان الآخر .
وربما ذكرى هذه الشاعرة العظيمة كونشا لاجوس هو الذي حرّك في مخيلتي تلك الشجون وكم من ذكرى لمفكر أو مفكرة عظيمة تمر مرور الكرام ولا تحرك داخلنا أي شيء فلقد مرّت ذكرى مئوية ميلادها مرورا عابرا على الصحف الأسبانية والإعلام على الرغم من أنها لم ترحل عن دنيانا إلا منذ بضع سنين فقط وربما لم يعرف القارىء العربي عنها الكثير لكنها كانت وسوف تظل مثالا عبقريا للمفكرة والشاعرة التي تعرف جذورها وتستلهمها بشكل جيد وسوف تظل أيضا من زمرة المفكرين الأوربيين الذين دافعوا عن الفكر الشرقي والعربي بشكل رائع ومنظم .
حينما كنا نسمع أن لوركا كتب قصيدة استلهم فيها عمر الخيام ووقعها بتوقيع ( الشاعر الأندلسي ) كان يأخذنا العجب من هذا الشاعر الفذ لأننا لم نكن نعرف أن هناك مدرسة تكونت من عدة أجيال متتابعه أطلقت على نفسها ( شعراء الأندلس الجدد ) وهذه المدرسة أخذت تنمو وتزدهر في النصف الأول من القرن العشرين وخصوصا بعد انتهاء الحرب الأهلية الأسبانية عام 1939 لأنها كانت تستلهم الوحدة في العودة للجذور وخاصة شعراء الجنوب الذين وجدوا في الأندلس رمزا وشعارا قويا كفيلا بأن يبدّد غيوم الفرقة والشقاق بين أقاليم أسبانيا ،من هنا نمت هذه المدرسة الشعرية بشكل مطرد ومنظم أيضا كانت في البداية تكتب على استحياء وتنسب نفسها إلى ماض خيالي مثلما فعل الشاعر الأسباني المرهف خوان خوسية دومينشينا والذي ادعى أنه اكتشف ديوانا قديما لكاتب أندلسي قديم اسمه عبد الأغريب وسمى الديوان ديوان الغرب وظل الديوان ينشر في المكسيك التي هاجر إليها الشاعر حتى عادت زوجته لأسبانيا عام 1952 ونشرت أجزاء من الديوان الذي كان متأثرا بالحضارة الإسلامية والأندلسية بشكل كبير حتى أنه يوحي للقاريء أن الكاتب مسلم متبحر في العادات العربية مثل الحب العذري الذي يغلف العديد من قصائد الديوان لكن الحقيقة أن الديوان من صنع خيال خوسيه دومينشينا والذي يظهر الكثير من التمرد ضد التقاليد الدينية أيضا في ديوانه .
ثم يخرج علينا كاتب آخر من تلك المدرسة الأندلسية الحديثة وهو الكاتب والشاعر الكبير خواكين روميرو أي موربي والذي ولد في أشبيليه عام 1904 والذي كان شعره يفيض بتلك المؤثرات الأندلسية والعربية التي تشبعت بها بيئة أشبيليه ذاك الأقليم الأندلسي الساحر وكانت قصائده النسيان والأرض والأغنية والقرية البعيدة تمثل تلك المرحلة الرائعة في الشعر الأسباني الحديث لكن قصيدة العاشق الأندلسي تكشف لنا مدى تأثره بتلك الجذور الأندلسية العميقة ويعتبر خواكين روميرو من رواد هذه المدرسة .
ثم بعد ذلك تأتي مدرسة كاملة من الشعراء ينضمون لهذا الطابور الطويل من الشعراء الأندلسيين الجدد وهي "مدرسة كانتيكو" والتي استمدت إسمها من تلك المجلة التي صدرت في قرطبة وكان يكتب فيها شعراء تلك المدرسة أمثال ريكاردو مولينا وبابلو جارثيا بابينا لكن تظل الشاعرة الكبيرة كونشا لاجوس على رأس هؤلاء الذين تَمثّلوا جذورهم الأندلسية في الشعر وأصبحوا يكوِّنون تلك المدرسه التي يطلق عليها النقاد "مدرسة الأندلسيون الجدد" وتعتبر أيضا هي الشاعرة الأسبانية الوحيدة المنتمية لشعراء هذا التيار .
ولدت كونشا لاجوس ( واسمها الحقيقي كونثبيثيون جوتيريث ) في قرطبة عام 1907 وقضت هناك مرحلة الطفولة والصبا ثم انتقلت إلى مدريد حيث درست في مدرسة سان دومينجو وكانت تجيد لغات عدة من بينها الفرنسية وعملت في جرائد كثيرة كان أهمها جريدة اجورا وتعتبر كونشا لاجوس من الرموز الثقافية الأسبانية في العصر الحديث لدرجة أن الكاتب لورنزو أسيزي يجعل منها الشخصية الرئيسة في روايته الشهيرة ( شبح فوضوي )
حصلت الشاعرة كونشا لاجوس على جائزة "إبن زيدون" في الشعر عام 1983 والتي كان يمنحها المعهد الأسباني العربي بمدريد عن ديوانها الشهير ( القوس المصوبة )
تقول كونشا لاجوس في حوار لها أجراه معها دكتور أحمد عبد العزيز أستاذ الأدب الأسباني بجامعة القاهرة ( |أعتقد أن الأندلس تمثل خلفية كل شيء فهي تمضي في كثير من الكلمات والأجواء والأغاني القرطبية وهي أغاني مليئة بالحكم والأمثال )
كما تقول ايضا في نفس اللقاء ( إن أول كتاب قرأته في حياتي وهو الذي أثّر فيّ بشدة في كل طرحي الشعري هو كتاب وجدته في مكتبة خالي مكتوب بالعربية والأسبانية عن الخليفة عبد الرحمن الناصر ).
هكذا علينا أن ننتبه أن بعث العقل الغربي غير المتأثر بهذا الكم من سوء التفاهم عن الفكر العربي والإسلامي لأن هذا قد يكون هو الأمل الوحيد في عودة العقل العربي والحضارة العربية لساحة الجدل الأوربي من جديد.
بقلم - باسم توفيق
* الرايـة القطــرية
http://www.iraqup.com/up/20101102/V7xjD-Gw55_647609110.jpg (http://www.iraqup.com/)
( مكتوب علينا الرحيل .... منذ القدم رحلنا مع القبائل حيث المغيب .... رحلنا مع الشموس في صقيع الدروب الرومانية ... رحلنا مع القوافل في دروب نحو الضباب ...إلى أين ؟ إلى أين أيتها الزهرة اليانعة ؟ لماذا أنت دائما مع الراحلين .... تحملين قلبي بين أصابعك وتهرولين أمام مد السواد ..... يا زهرتي الأندلسية الجميلة ... فشلت كل المحاولات للعودة باتت أشبيلية شاحبة .. وقرطبة باردة وغائمة .... طليطلة تنعي من بناها .... وقلبي ينعي كل مرة ترحلين فيها .... فمتى تعودين بدفء القصائد الأندلسية وحكايات العشق ؟ )
ما أقسى أن تقرأ نعيك ولا تستطيع أن تبكي ! هذا بالتحديد ما قد تشعر به حينما تقرأ هذه القصيدة لشيخ المثقفين الأسبان في القرن العشرين بيدرو مارتينيث مونابيث هذا الرجل الذي آل على نفسه أن يكون محرابا لتخليد الثقافة العربية الأندلسية في أسبانيا ... علينا أن نتفكر كثيرا فيما يقول في تلك القصيدة التي ينعي فيها رحيل حضارتنا عن أرض أوروبا علينا أيضا أن نتساءل : لماذا دائما نرحل ونحن حاملين أزيالنا نحو مستقبل غائم ؟
هذا التساؤل سوف يلح في أذهان أجيال قادمة وسوف لا نجد مبررا للتهاون الدائم في تصحيح صورتنا لدى الغرب الذي أصبح يحارب بكل شراسة حتى يقصي عن ساحته قيمتين حضاريتين عظيمتين ( الأسلام والحضارة العربية ).
ليست هذه دعوة لدراسة الخلل في التواصل فقط لكنها دعوة للغوص في أعماق العقل الغربي لنعرف أن العقل الغربي الفطري غير المسمم يستوعب مدى أهمية الحضارة العربية له والحضارة الإسلامية كقيمة تكميلية لن تستقيم الصورة الفكرية بدونها .
علينا أذا أن نجد تبريرا من الآن ويجب أن يكون هذا التبرير مجردا من كل ما يعرف بعقد الاضطهاد غير الحقيقية والمفبركة أحيانا .
الحقيقة أن ما يدفعنا لإثارة هذا التساؤل هو ذلك المد القوي لانحسار البروتوكولات الأوربية لدمج الفكر الشرقي والإسلامي في آليات الجدل الحضاري الغربي والمحاولة الدائمة والتدريجية لاستبعاده تماما عن منظومة الفكر العالمي وعلى سبيل المثال لا الحصر توقف الهيئات التدعيمية التي تدعم الحوار بين الشرق والغرب مثل المعهد العربي في أسبانيا والذي أصبح دوره يقتصر على التمثيل الشكلي فقط وتوقفت جوائز عظيمة كانت تدعم هذا الجدل التقريبي مثل جائزة ابن زيدون للشعر والتي كانت تُمنح للشعراء العرب والأسبان الذين يكتبون شعراً متأثراً بالشعر الأندلسي .
والحقيقة أن جائزة ابن زيدون مجرد رمز للعديد من الجوائز والبروتوكلات التي توقفت تماما بين العرب والغرب وكما يقول اليخندرو كونتاني الكاتب والصحفي المكسيكي ( كلما تحركت الحضارة العربية خطوة لتلتحم مع نظيرتها الغربية هرولت الأخيرة في الاتجاه الآخر ثلاث خطوات .... والنتيجة شقاق سوف يتحول لصراع ) هذا ما يبدو حقيقة ،ففي العشر سنوات الأخيرة اتجهت المحافل العربية لتقوية ذلك الحس التقريبي واخترعنا جوائز ومنحنا أنواطا ونياشين ومكافآت في مقابل بعض المحاولات الهزيلة معظمها من مؤسسات أهلية وليست حكومية من الجانب الآخر .
نعود مرة أخرى لفكرة العقل الغربي الذي لم يصيبه ذاك الرزاز السام الذي يخلق منه مناهضا لفكرة الاكتمال مع الآخر متمثلا في الشريك العربي أو الإسلامي .. العقل الغربي بطبيعته كما سوف نرى مقتنعا بشكل كبير أن الفكر العربي والإسلامي فكر مستنير وعاقل وقدِّر له يوما ما أن يقود العقل الغربي في نفقة المظلم في العصور الوسطى حتى يصل إلى النور لكن المشكلة أن العقل الغربي يرى في الطرح الفكري العربي خاصية ليست فيه وهو أنه ( سلفي ) وهذا ما يرادف عند الغرب مصطلح ( رجعي ) أو ( متخلف ) وعلى ما يبدو أن هذه الفكرة قد تم تنظيرها بشكل خاطىء نتيجة للترجمة الخاطئة سواء لغويا أو بصريا على الرغم من أنه ليس كل كلمة سلفي تعني رجعي أو متخلف كما تؤكد الشاعرة الأسبانية العظيمة كونشا لاجوس في إحدى مقالاتها في مجلة اجورا ومنذ أكثر من 60 عاما تقول كونشا لاجوس( إن التعبير العربي سلفي ليس في الحقيقة تعبيرا يعني الرجعية أو التخلف فالناظر في معنى الكلمة وتطورها على مر العصور يجد أنها تعني المتبعون للتقليد السليم في الدين أو البعيدون عن البدعة والهرطقة وليس معنى ذلك أنهم يرفضون التقدم والتغيير بشكله المدني بل على العكس فأهل السلف المسلمون هم الذين وصلوا للأندلس وأصبحوا يكوِّنون تلك العجينة من المسلم الأندلسي المنفتح على الأوربيين الجنوبيين الذين نمثلهم كأسبان ،بل علي أن أقول أن الفن العربي الأندلسي الذي كان أساسا ذا قاعدة سلفية هو الذي ناقش الحب والجسد عند ابن حزم وهو الذي بنى التحف المعمارية الفنية والتي قد نجد أنها تحتال على الرموز الوثنية لتجعل منها رمزا صوفيا مجردا ... إذا السلف هو احترام الأصول والقواعد وهذا ليس بالضرورة ضد التقدم )
الحقيقة أننا أقتبسنا فكرة كنشيا لاجوس لأنها في الحقيقة تقدِّم بديلا معجميا لم يستطع أي عربي أن يقدمه عن كلمة السلفية والتي أصبحت تشكل في الغرب تلك الوحش الكاسر الذي سوف يدمّر المدنية ويحولها إلى خيام ورمال وـطلال وهذا بالتحديد ما علينا أن نوضحه .
استخدام أهل المصطلح له بشكل ذمي وتحويري يجعل الآخر يأخذه على هذا الشكل التحويري الذي ربما يرسخ في ذهنه ويصبح كما نقول في علم الفيلولوجي ( خطأ شائع ) لكن المؤسف أن معظم آليات حضارتنا العربية والإسلامية أصبحت تعرف على أنها خطأ شائع، الأمل الوحيد في تصحيحه هو بعث تلك العقلية الغربية الفطرية التي تستطيع هضم المنظومة الفكرية والحضارية العربية والإسلامية ولن يتأتى ذلك إلا من خلال إعادة تلك الجسور التي تهدمت وتهاوت في خضم الصراع المزعوم بين الشرق والغرب وإعادة ترتيب معجمنا الاصطلاحي وتصحيحه ونشر هذا التصحيح لتعديل تلك الأخطاء التي رسخت في أذهان الآخر .
وربما ذكرى هذه الشاعرة العظيمة كونشا لاجوس هو الذي حرّك في مخيلتي تلك الشجون وكم من ذكرى لمفكر أو مفكرة عظيمة تمر مرور الكرام ولا تحرك داخلنا أي شيء فلقد مرّت ذكرى مئوية ميلادها مرورا عابرا على الصحف الأسبانية والإعلام على الرغم من أنها لم ترحل عن دنيانا إلا منذ بضع سنين فقط وربما لم يعرف القارىء العربي عنها الكثير لكنها كانت وسوف تظل مثالا عبقريا للمفكرة والشاعرة التي تعرف جذورها وتستلهمها بشكل جيد وسوف تظل أيضا من زمرة المفكرين الأوربيين الذين دافعوا عن الفكر الشرقي والعربي بشكل رائع ومنظم .
حينما كنا نسمع أن لوركا كتب قصيدة استلهم فيها عمر الخيام ووقعها بتوقيع ( الشاعر الأندلسي ) كان يأخذنا العجب من هذا الشاعر الفذ لأننا لم نكن نعرف أن هناك مدرسة تكونت من عدة أجيال متتابعه أطلقت على نفسها ( شعراء الأندلس الجدد ) وهذه المدرسة أخذت تنمو وتزدهر في النصف الأول من القرن العشرين وخصوصا بعد انتهاء الحرب الأهلية الأسبانية عام 1939 لأنها كانت تستلهم الوحدة في العودة للجذور وخاصة شعراء الجنوب الذين وجدوا في الأندلس رمزا وشعارا قويا كفيلا بأن يبدّد غيوم الفرقة والشقاق بين أقاليم أسبانيا ،من هنا نمت هذه المدرسة الشعرية بشكل مطرد ومنظم أيضا كانت في البداية تكتب على استحياء وتنسب نفسها إلى ماض خيالي مثلما فعل الشاعر الأسباني المرهف خوان خوسية دومينشينا والذي ادعى أنه اكتشف ديوانا قديما لكاتب أندلسي قديم اسمه عبد الأغريب وسمى الديوان ديوان الغرب وظل الديوان ينشر في المكسيك التي هاجر إليها الشاعر حتى عادت زوجته لأسبانيا عام 1952 ونشرت أجزاء من الديوان الذي كان متأثرا بالحضارة الإسلامية والأندلسية بشكل كبير حتى أنه يوحي للقاريء أن الكاتب مسلم متبحر في العادات العربية مثل الحب العذري الذي يغلف العديد من قصائد الديوان لكن الحقيقة أن الديوان من صنع خيال خوسيه دومينشينا والذي يظهر الكثير من التمرد ضد التقاليد الدينية أيضا في ديوانه .
ثم يخرج علينا كاتب آخر من تلك المدرسة الأندلسية الحديثة وهو الكاتب والشاعر الكبير خواكين روميرو أي موربي والذي ولد في أشبيليه عام 1904 والذي كان شعره يفيض بتلك المؤثرات الأندلسية والعربية التي تشبعت بها بيئة أشبيليه ذاك الأقليم الأندلسي الساحر وكانت قصائده النسيان والأرض والأغنية والقرية البعيدة تمثل تلك المرحلة الرائعة في الشعر الأسباني الحديث لكن قصيدة العاشق الأندلسي تكشف لنا مدى تأثره بتلك الجذور الأندلسية العميقة ويعتبر خواكين روميرو من رواد هذه المدرسة .
ثم بعد ذلك تأتي مدرسة كاملة من الشعراء ينضمون لهذا الطابور الطويل من الشعراء الأندلسيين الجدد وهي "مدرسة كانتيكو" والتي استمدت إسمها من تلك المجلة التي صدرت في قرطبة وكان يكتب فيها شعراء تلك المدرسة أمثال ريكاردو مولينا وبابلو جارثيا بابينا لكن تظل الشاعرة الكبيرة كونشا لاجوس على رأس هؤلاء الذين تَمثّلوا جذورهم الأندلسية في الشعر وأصبحوا يكوِّنون تلك المدرسه التي يطلق عليها النقاد "مدرسة الأندلسيون الجدد" وتعتبر أيضا هي الشاعرة الأسبانية الوحيدة المنتمية لشعراء هذا التيار .
ولدت كونشا لاجوس ( واسمها الحقيقي كونثبيثيون جوتيريث ) في قرطبة عام 1907 وقضت هناك مرحلة الطفولة والصبا ثم انتقلت إلى مدريد حيث درست في مدرسة سان دومينجو وكانت تجيد لغات عدة من بينها الفرنسية وعملت في جرائد كثيرة كان أهمها جريدة اجورا وتعتبر كونشا لاجوس من الرموز الثقافية الأسبانية في العصر الحديث لدرجة أن الكاتب لورنزو أسيزي يجعل منها الشخصية الرئيسة في روايته الشهيرة ( شبح فوضوي )
حصلت الشاعرة كونشا لاجوس على جائزة "إبن زيدون" في الشعر عام 1983 والتي كان يمنحها المعهد الأسباني العربي بمدريد عن ديوانها الشهير ( القوس المصوبة )
تقول كونشا لاجوس في حوار لها أجراه معها دكتور أحمد عبد العزيز أستاذ الأدب الأسباني بجامعة القاهرة ( |أعتقد أن الأندلس تمثل خلفية كل شيء فهي تمضي في كثير من الكلمات والأجواء والأغاني القرطبية وهي أغاني مليئة بالحكم والأمثال )
كما تقول ايضا في نفس اللقاء ( إن أول كتاب قرأته في حياتي وهو الذي أثّر فيّ بشدة في كل طرحي الشعري هو كتاب وجدته في مكتبة خالي مكتوب بالعربية والأسبانية عن الخليفة عبد الرحمن الناصر ).
هكذا علينا أن ننتبه أن بعث العقل الغربي غير المتأثر بهذا الكم من سوء التفاهم عن الفكر العربي والإسلامي لأن هذا قد يكون هو الأمل الوحيد في عودة العقل العربي والحضارة العربية لساحة الجدل الأوربي من جديد.