المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف قرأ الرويلي والبازعي تجربة النقد الثقافي عند الغذامي؟


رذاذ عبدالله
13 - 11 - 2010, 07:34 PM
عشر سنوات على صدور أول كتاب في العربية عن: النقد الثقافي

كيف قرأ الرويلي والبازعي تجربة النقد الثقافي عند الغذامي؟


* إيلاف




http://www.iraqup.com/up/20101113/Qk68v-Kg4U_885394143.jpg (http://www.iraqup.com/)




شكلت تجربة النقد الثقافي عند الدكتور عبدالله الغذامي صورة جلية لاقتراب الناقد العربي من المناهج والدراسات الثقافية الجديدة، تلك المناهج التي يمور بها الفكر الغربي، يبتكرها، ويضيف إليها، ويوسع من مساحات تجليها وإشراقاتها، يعفّي عليها أحيانا ليبتكر جديده متواصلا مع تمظهرات الإبداع، وتحولاته، ومع ما تجود به العناصر الثقافية المتنوعة الحرة في اللحظة الغربية الراهنة.



هذه اللحظة الممتدة المتجددة التي نهضت على الإبداع الأدبي والفكري منذ نهايات القرن التاسع عشر وحتى اليوم، اللحظة التي شكلتها إبداعات متعددة شعرية وروائية ودرامية وفنية، من إشراقات رامبو إلى أزهار الشر عند بودلير، مسبوقة برومانتيكية ص.ت. كولريدج، ووردزورث، وشيللي، متبوعة بإبداعات بلزاك وجيمس جويس وتولستوي وتشيكوف ودبيستوفسكي وإبسن، وبريخت، وكامو، ودالي، وتيزارا، وبروتون، وإليوت، وباوند، وبيرك، وبيرس، ونيرودا، وباث، وساراماجو،.... إلخ هذه السلسلة الإبداعية التي لما تختم بعد بإبداعات الفائز بنوبل 2010 ماريو فارجاس يوسا.



في عالم النقد تواترت الأسماء التي هيمنت على الفكر النقدي الغربي وهي أسماء متنوعة في مجالات اللسانيات والأسلوبية والبنيوية والهيرمينوطيقا والتفكيك وما بعد الحداثة.. وتكفي الإشارة إلى دوسوسير، وشتراوس، ووبول فاليري، وبارت، وتشومسكي، وجاكبسون، وديريدا، وباختين وتودوروف، وبيير زيما، وتيري إيجلتون، وفوكو، وديفيد لودج، وإدوارد سعيد، ورايموند ويليامز، ونورس، وغيرهم.


إن اقتراب الناقد العربي من هذا العالم المتمدد المتجدد في الفكر النقدي، خليق بأن يحتفى به، وأن تعاد قراءته ومأسسته نقديا بين مرحلة وأخرى، خاصة أن الفكر النقدي العربي يستند في توهجاته وآلياته على ميراث بلاغي ضخم متنوع ومتعدد، ينهل منه، ويبتكره ويعيد اكتشافه بين وقت وآخر، كلما ازدادت معايشته وتفاعلاته مع الفكر النقدي الغربي الراهن.


ولعل في تجربة الغذامي النقدية ما ينم عن الآليات التي استثمرت فيها مما يطرح في الدراسات النقدية الغربية، وليس آخرها ما سمي ب" النقد الثقافي" أو " الدراسات الثقافية" وأنا هنا أميل للتسمية الثانية التي تخلص هذه الرؤية من مفهوم كلمة:" نقد" بما لها من أبعاد بلاغية وأدبية، وقد صدر كتاب الغذامي:" النقد الثقافي: قراءة في الأأنساق الثقافية العربية" في العام 2000، وحقق نوعا من السبق بوصفه أول كتاب في العربية يتناول هذا المجال، وقد مر على صدوره سنوات عشر، فكيف هي الصورة اليوم؟ نقدمها من خلال قراءة أخرى مغايرة لهذا المفهوم.


2-

في كتابهما المهم:" دليل الناقد الأدبي" الذي يضيء أكثر من 70 مصطلحا في النقد والثقافة، أورد الدكتور ميجان الرويلي والدكتور سعد البازعي إيضاحات حول مصطلح:" النقد الثقافي" وإيضاحات أخرى حول مفهوم:" الدراسات الثقافية" وهما في هذه الإيضاحات إنما يقدمان صورة النقد الثقافي بشكليها الإيجابي وغير الإيجابي، دون انحياز منهما لمنهج، أو لفكرة، أو لآلية. فالنقد الثقافي ليس كما صوره الدكتور عبدالله الغذامي بحماس منقطع النظير، جعله يردد في كل مقام ومقال:" لقد تحولتُ من النقد الأدبي إلى النقد الثقافي" ومسألة التحول هنا لا تتم بين ليلة وضحاها، أن أكون اليوم ناقدا أدبيا، وفي الغد ناقدا ثقافيا.


يشير المؤلفان إلى أن المحاولة الوحيدة المعروفة حتى الآن لتبني:" النقد الثقافي" بمفهومه الغربي بشكل مباشر هي محاولة عبدالله الغذامي في كتاب:"النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية" ( المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة الأولى 2000)



وأول ما يلحظه المؤلفان يتمثل في أن الغذامي " اعتمد في محاولته على ليتش بشكل خاص، وإن أورد في بداية كتابه عرضا لبعض تطورات الفكر الغربي النقدي ما بعد البنيوي مما يتصل بالنقد الثقافي، ومما يمكن اعتباره سياقا غربيا للكتاب، مع أن من تفاصيل ذلك العرض ما لا يتضح للقارىء مدى صلته بمحور اهتمام المؤلف، وهو نقد الشعر العربي بوصفه مكمنا لأنساق الثقافة العربية" ( دليل الناقد الأدبي الصفحات 309-311)


ويقول المؤلفان:


" يعرف الغذامي الأنساق الثقافية بقوله: إنها" أنساق تاريخية أزلية وراسخة ولها الغلبة دائما" وهي أنساق تظهر في كيفية استهلاك المنتج الثقافي العربي منذ القدم، مما يجعل النقد الثقافي نوعا من نقد التلقي أو استجابة القارىء:" تأتي وظيفة النقد الثقافي من كونه نظرية في نقد المستهلك الثقافي... وحينما نقول ذلك فإننا نعني أن لحظة الفعل هي في عملية الاستهلاك، أي الاستقبال الجماهيري والقبول القرائي لخطاب ما...". غير أن الملاحظ هو أن معظم تحليلات الكتاب تتمحور حول تأثير الأنساق في عملية إنتاج الشعر أكثر من تمحورها حول أنماط تلقيه، مما يدفع بالمؤلف إلى تذكير القارىء في مرحلة متأخرة من كتابه إلى أن الإبداع ليس المكان الوحيد لاشتغال النسق، وكأن ذلك هو منطقة بحث النقد الثقافي أصلا:" إن من المهم أن نشير إلى أن النسق لا يتحرك على مستوى الإبداع فحسب، بل إن القراءة والاستقبال لهما دور مهم وخطير في ترسيخ النسق يضاف إلى ذلك أن المؤلف لا يوضح كيف يكون النسق تاريخيا وأزليا في الوقت نفسه، فالتاريخ مقيد والأزل غير ذلك".


غير أن الملاحظة الرئيسة على محاولة الغذامي تأتي على ثلاثة مستويات: الأول في مقدار التعميمية في قراءة الأنساق التي يتحدث عنها، وهي أنساق محصورة في الجانب السلبي ( تحول المديح إلى استجداء ونفاق، والفخر إلى تضخم للذات، إلخ) والثاني: بمحدودية الأمثلة وانحصارها في الأدب تقريبا، والشعر بشكل خاص، أما الثالث فيتمثل في غياب المقارنة الثقافية أو استحضار التجارب الثقافية لمجتمعات مختلفة أو حضارات مختلفة. فمع أن في الكتاب شواهد كثيرة وقوية فيما يتعلق بأطروحة الكتاب، فإن فيه أيضا كثيرا من التعميم القائم على تغييب الكثير من النماذج الشعرية التي تخالف النسق الذي يرسمه للشعراء الرسميين" المنافقين" في تاريخ الثقافة العربية، كالشعراء الصعاليك، والمتصوفة، وشعراء مثل: أبو نواس، وبشار، وابن الرومي، وأبو العتاهية. أضف إلى ذلك أنه يفترض في نقد ثقافي أن يتجاوز حدود الأدب ليضرب مثالا لتجذر الأنساق أو " أزليتها" من حقول ثقافية خارج الأدب، كالفلسفة والعلوم الإسلامية، والتاريخ والجغرافيا والعلوم البحتة. هل فكر أولئك كلهم بنفس الطريقة النسقية؟ هل كان ابن رشد والغزالي والرازي والطبري وياقوت وغيرهم محكومين بالفحولة والذاتية والنفاق، إلخ؟ أم أن النقد الثقافي ليس سوى نقد أدبي فحسب؟ " بهذه الرؤية الحادة قرأ المؤلفان تجربة الغذامي، حيث لا صلة بين ما طرحه الغذامي من تنظير في بداية كتابه، وبين الشعر العربي، كما أن الكتاب يشير دائما إلى النسق، ويقع في مشكلة تحديد المصطلح هل هو تاريخي أم أزلي؟ كما أن كتاب الغذامي مترع بالتعميم خاصة حين يتناول مسألة المديح في الشعر العربي ويسميها ب" النفاق" مع أن هناك رأيا مضادا لهذه الرؤية يقول:" إن الشاعر العربي حين كان يمدح إنما كان يمدح القيم الخلقية النموذجية التي يتوسمها في الخليفة أو الوالي" وهذا الرأي – بتصرف- من الباحث الراحل الدكتور شوقي ضيف.



نقد ثقافي أم أخلاقي؟

يوضح المؤلفان: الرويلي والبازعي أمرا آخر حول تكسب الشعراء حيث يرون أن كتاب" النقد الثقافي" يقع في مشكلة أخرى حين يصدر عن اعتقاد المؤلف أن المشكلات التي يحددها محصورة في الثقافة العربية، وهي ليست كذلك. فتكسب الشعراء معروف في ثقافات كثيرة، بل لعلها السمة الثقافية في مراحل تاريخية تسود فيها نظم اقتصادية واجتماعية معينة عرفتها أوروبا كما عرفتها شعوب الشرق، مع ما يصاحب المديح من نفاق وكذب إلخ. وقد عرفت إنجلترا مثلا، ولفترات طويلة من تاريخها شعراء يعيشون على ممدوحيهم ويكتبون لهم وينافقونهم. وإحدى مشكلات محاولة الغذامي هي في تهميشها للظروف التاريخية كمعين على فهم التاريخ. فالمسألة هنا هي نقد أخلاقي إلى حد كبير، كما أنه نقد منفك عن الظروف التاريخية، ولم يفد من مفاهيم كالقطيعة المعرفية عند فوكو، أو ما أضافه الماركسيون مثل: ألتوسير... هذا مع أن في الكتاب ثروة من الشواهد التي كان يمكن أن تغني طرحا نظريا أكثر تدقيقا ومنهجية ".



كما ينتقد المؤلفان رؤية الغذامي لأدونيس وأنه شاعر رجعي، ويحتقر المعنى، حيث يقولان: " يضاف إلى ذلك أن بعض الأمثلة التي ساقها المؤلف غير دقيقة، كما في نقده الحاد لأدونيس بوصفه شكلانيا لا يأبه للمعنى:" وهو يصر على شكلانية الحداثة ولفظيتها، مع عزوف واحتقار للمعنى، وتمجيد للفظ". وهذا مناف للحقيقة، فمن يعود لكتاب:" زمن الشعر" لأدونيس، وإلى المواضع التي يشير إليها الغذامي سيجد أن أدونيس يقول عكس ذلك تماما، " فالشكل يمحى أمام القصد والهدف"، " فالشكل والمضمون وحدة كل أثر شعري حقيقي" إلى غير ذلك من أمثلة. والحق أن أدونيس مع ما يعانيه من تناقضات وتضخم ذات واضح، كما يقول عنه الغذامي فعلا، معني بمشروع يشبه مشروع الغذامي نفسه سواء في كتابه:" الثابت والمتحول" الذي يعد دراسة سابقة لنسقي الثبات والتحول في الثقافة العربية، أو في كتاب:" زمن الشعر" نفسه، حيث نقرأ:" فما يزال نظام العلاقات القديم، بكل إرثه، هو الفعال السائد في الحياة والثقافة العربيتين على السواء" ومشروعه الحداثوي مشروع يهدف إلى إحداث نقلة جذرية في الثقافة العربية، نقلة قد نتفق أو نختلف حولها، ولكن لا ينبغي تهميشها أو عرضها عرضا مخلا لخدمة نسق نحاول إثبات صحته.



هل هي رؤية مسبقة:


من الإشارات القليلة التي يدل عليها صاحبا كتاب:" دليل الناقد الأدبي" إلى النقد الثقافي والدراسات الثقافية، نجد أن المؤلفين لا يعولان كثيرا على هذا النهج النقدي في القراءة، حيث يؤكدان على أن مصطلح " النقد الثقافي" ظل بعيدا عن ذلك القدر والمستوى من التقعيد والتنظير الذي أثر في تبلور اتجاهات أخرى، وما يزال بعض المعاجم المختصة لا يشير إليه، فهو – مثلا- غائب عن عدد من المعاجم النقدية، ومنها المعجم المختص بالجانب الثقافي من النقد:" معجم النظرية الثقافية والنقدية" الصادر عام 1996م بل إن ليتش نفسه الذي ألف فيه كتابا عام 1992م لم يوله اهتماما في المدخل الموسع الذي كتبه ل" الدراسات الثقافية" ضمن المجلد الذي أصدرته جامعة جونز هوبكنز للنظرية والنقد الأدبي عام 1994م / دليل الناقد الأدبي ص 306



وينقل المؤلفان هجوم أحد الرواد لأوائل للنقد الثقافي وهو المفكر الألماني اليهودي تيودور أدورنو الذي يعد النقد الثقافي " نقدا بورجوازيا يمثل مسلمات الثقافة السائدة ببعدها عن الروح الحقيقية للنقد، وما فيها من نزوع سلطوي للسائد والمقبول عند الأكثرية" ومن المفارقات أن النقد الثقافي يصبو إلى قراءة الثقافة الجماهيرية، وثقافة القارىء العام، وهو بهذه السمة البورجوازية المتعالية التي يشير إليها أدورنو يقع في قدر من التناقض مع ما يدعو إليه من جهة، وما ينتمي له من " بورجوازية مؤسساتية" من جهة أخرى.. وتبقى لكتاب الغذامي ريادته وإثارته النهمة إلى الأسئلة ذات الدلالة الثرية الخصبة.