المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (الخليج) الذاكرة أرشيف المبدع


رذاذ عبدالله
20 - 11 - 2010, 04:23 AM
تلعب دوراً مهماً في تكوين شخصية الكاتب


الذاكرة أرشيف المبدع



http://www.iraqup.com/up/20101120/42Dvw-b7AI_990921774.jpg (http://www.iraqup.com/)





لا يمكن النظر إلى أي نوع من الإبداع، سواء أكان مسموعاً أو مرئياً، من دون الإشارة إلى الذاكرة التي يكون لها حضور كبير في المساحة الإبداعية في قصيدته أو لوحته أو قصته أو روايته أو مسرحيته أو حتى مقطوعته الموسيقية التي أبدعها .

حول هذه العلاقة بين المبدع والذاكرة، استطلعت “الخليج” آراء عدد من المبدعين الإماراتيين، الذين أدلوا بآرائهم حول هذه العلاقة، وقد تحدث الشاعر عبد الله الهدية عن هذه العلاقة قائلاً: “أعتقد أن الذاكرة هي التغذية الراجعة بالنسبة إلى الشاعر، من حيث الوقوف على مستوى تجربته، ومن حيث الهاجس الذي يحرك الإبداع، وإن التجربة الشخصية هي في جوهرها ذاكرة، تتشكل على امتداد الزمن، وبالتالي إن هذا البعد التراكمي هو المغذي والمحرك الرئيس لأي عملية إبداعية .

وأضاف الهدية: “أنت الآن مثلاً لا تستطيع أن تنظر من زاوية الحاضر، من دون أن تنهل من ذاكرة الزمن، وتبلور هذه الذاكرة، بطريقة أو بأخرى، وهي تحدد مسار ما هو يومي، لأن المرء عبارة عن مخزون تراكمي على امتداد الزمن، ومن ثم إن هذا المخزون يصبح بطريقة أو بأخرى نوعاً من الطبع والطقوس اليومية، لأنه المحرك للعملية الإبداعية” .

ورأى الهدية أن إبداع الشاعر في نهاية المطاف، ليس وليد أي عملية مصادفة، وإنما يكون إبداعه هذا نتاج تغذية راجعة من الذاكرة، بالإضافة إلى نظرة مستقبلية، وأوضح الهدية: “أنه عبارة عن ذاكرة وواقع ومستقبل، ولكي يحقق هذا الإبداع الخلود، فإن هذه النظرة يجب أن تكون في لحظة الولادة، ولا يمكن التحدث بلغة اليوم ما لم يكن هناك رصيد قديم متراكم” .

بينما أشار الشاعر جمال علي بدوره إلى “أن الذاكرة ضرورية بالنسبة إلى المبدع، وهي بمنزلة الإرشيف له، لأن أرشيف المبدع ومكتبته الشخصية تكمنان في ذاكرته، كما أن الذاكرة في تكوينها هي ترسبات الحياة اليومية، منذ الطفولة والولادة حتى اللحظة الراهنة، وأن كل هذا الإرث يختزن في الذاكرة ضمن إطار العقل الباطني، بل إن أية تجربة أو قراءة من قبل المبدع، لا بد من أن يتم اختزانها في داخل ذاكرته، سواء أكان ذلك نتيجة لذاكرة بصرية، أو شعورية، أو حسية، ومن هنا، فإن أية لحظة كآبة أو تفاؤل من قبل المبدع لا بد أن تعود، وتمارس تأثيرها في شكل أو آخر في إبداعه” .

ورأت الشاعرة الهنوف محمد أن الذاكرة مرتبطة بالموقف، “لأن هذا الموقف هو الذي يستنهض ما يلزم المبدع في اللحظة الإبداعية المطلوبة، وذلك من خلال استحضار ما هو مطلوب، وإقصاء ما لا يلزم” .

كما بينت الشاعرة الهنوف أن ذاكرتها الشخصية تتحرك تحت هيمنة الألم، الذي تكاد لا تتخلص منه، “بالرغم من أن تشكيل الذاكرة يكون نتاج الأزمنة الثلاثة: الماضي، ولحظة الآن، والنبوءة الشخصية للمبدع، أو ما يمكن نعته بالمتوقع، حيث إن كل تلك الأزمنة هي التي تلون القصيدة، ولا يمكن لأي إبداع أن يخرج من فضاء هذه الأزمنة الثلاثة” .

الكاتبة والمترجمة باسمة يونس لا تفصل بين المنتج الإبداعي والذاكرة، “فالذاكرة في صورة من الصور، يمكن النظر إليها باعتبارها تشكل معياراً ثقافيا، بما تمثله من شريط ذكريات يختزن عالمي الطفولة والشباب بكل ما فيهما من تفاصيل صغيرة تلعب دوراً كبيراً في تشكيل شخصية الأديب، بل لعل الذاكرة وحاضر المبدع هما عنصران رئيسيان يرسمان الملامح الكلية للتجربة الإبداعية، ودعنا في الوقت نفسه لا ننسى حاضر المبدع الذي تتجلّى فيه كثير من مقومات الفعل الثقافي، فهناك التكنولوجيا، والأثر المفتوح على ثقافات العالم والمعرفة البشرية بكل تفاصيلها وتنوعها، وهناك ما يتجسد على أرض الواقع من أحداث يمكن الكتابة عنها لمئات السنين القادمة” .

ومن واقع تجربتها الشخصية، تؤكد باسمة يونس أنها كثيراً ما تلجأ، وربما رغما عنها، إلى هذا الماضي، “الذي يملي شروطه كمكون ثقافي وحياتي، لا يقل أثراً عن اللحظة الراهنة التي تختزل هي الأخرى حقائق من التاريخ والتحولات الكبيرة التي نشهدها ونعايشها ونكتوي بنارها أو نعمتها على حد سواء” .

ويؤكد المخرج المسرحي جمال مطر من حيث المبدأ أهمية اللجوء إلى الماضي باعتباره عتبة مهمة للدخول من خلاله إلى الحاضر، ومن ثم المستقبل، ويبرهن على ذلك من واقع التجربة المسرحية في الإمارات، “التي يكاد يكون فيها الماضي ظاهرة عامة، ذلك أنها من وجهة نظره تجربة لم تكتمل بعد، وهذا لا يعني بالضرورة أن المسرح في الإمارات قد وقف عند حدود الماضي، بل العكس هو الصحيح، وهناك دائما تجارب يمكن التأشير على رصانتها، لكنّ الإبداع في صورته المعاصرة، لا يجب أن يتوقف عند فترة زمنية بعينها، وإلا أصبح رهنا لأيديولوجيا قاصرة عن تتبع حركة الزمن ورصد فاعليته وتطوره وملامسة المتغيرات التي تجري على أرضه” .

واعتبر جمال مطر أن هناك أسباباً عديدة، تجبر المبدع أحياناً لكي يتوقف عند الماضي، “ومنها الخوف من الرقابة، وهذا لا يعود مبرراً مقنعاً لزج الماضي في عمل فني، لا يناقش التفاصيل الكثيرة التي ترسم خريطة الزمن المعاصر”، على أن الماضي بوجه عام بحسب ما يؤكد جمال مطر يمكن أن يكون موجهاً للذاكرة الثقافية والفنية، “إذا استخصلنا منه تلك الشاعرية، وتلك البساطة، وتلك التلقائية، التي كانت إحدى مكونات الماضي الرئيسية، وقبل أن يتشظى الراهن المعاصر بكثير من أسباب الضياع والفوضى والحيرة، التي يجب أن تكون هاجساً يوجّه بوصلة المبدع في ابتكار أفكار وأعمال تعبر عن واقع الإنسان وطموحه في التطور والتجاوز” .