المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (الخليج) أحمد العسم في ديوانه "يحدث هذا فقط": قصائد ووجوه تستظل بقامة الزمن


رذاذ عبدالله
20 - 11 - 2010, 09:22 AM
أحمد العسم في ديوانه "يحدث هذا فقط":

قصائد ووجوه تستظل بقامة الزمن




http://www.iraqup.com/up/20101120/Qc47b-fWC7_905286315.jpg (http://www.iraqup.com/)




يشكل ديوان “يحدث هذا فقط” للشاعر أحمد العسم ، أحد النتاجات الشعرية الأكثر حضوراً في الشعرية الإماراتية الجديدة، وهو الثاني تسلسلاً، بين أعمال الشاعر، وقد ظهرت طبعته الأولى في العام ،2002 ثم أعيدت طباعته للمرة الثانية في العام 2008 .


لا يمكن تناول تجربة الشاعر العسم - حقيقة - إلا ضمن إطار قصيدة النثر العربية، وهذا ما يرتب عليها الخضوع إلى مقاييس تلك التجربة، تحديداً، بعيداً عن الجذور الأولى للشعرية العربية،


وهو ما يجعلنا أن نكون أمام موضوعات جديدة، تتناولها هذه القصيدة، تنمّ عن حساسية جديدة تجاه العالم، والذات، وهو ما يجعلنا هنا - أمام نوع من الشطب، ولو الجزئي، على ما يمكن وسمه بالأغراض القديمة، ضمن فضاء هذا الديوان . ولعلّ من أبرز ما يسجل لقصيدة النثر- عموماً - أن كل نص إبداعي ينتمي إليها، يقترح مقاييسه الخاصة، مادام أنه ينبع من تجربة أصيلة، وهو ما يدفعنا لتناول نصوص ديوان - يحدث هذا فقط - ضمن هذا المنظور .


إن النصوص التي جاءت بين دفتي ديوان الشاعر العسم تمثل تلك النقلة الكبرى على صعيد الأغراض الشعرية، أو الموضوعات، من العام، باتجاه الخاص . ومن هنا، فالعسم الذي لا يفقد ذلك الخيط السري الذي يربط قصيدته بمن حوله، يحافظ على تناول ما يفكر به، وما يجول في خلده، من ألم، وأمل، ومن انكسار، وإخفاق، ونجاح، بل ومن رغبات صغيرة، طالما تعالت عليها القصيدة الرصينة من قبل:


رغبة واحدة

يضيء المصباح

كلما أرقني ابتعادك

مشيت ببطء

حين وصلت

عانقت وهماً أخف من ظل

يقول الشاعر عبدالله السبب تحت عنوان “حدث في مثل هذا العوم”، وهو يدون مقدمة أولى لهذه الطبعة الجديدة للديوان قائلاً: “لقد ارتكب أحمد العسم شعراً طاف به العواصم العربية التي راحت تجند محابرها للغوص في أعماق قصائده المرتجلة والقريبة من نبض الشارع المحلي العربي، حتى تم الانقضاض على جميع النسخ التي بحوزة العسم من مجموعته الشعرية “يحدث هذا فقط” ما دفع باتحاد كتاب وأدباء الإمارات إلى تقصي أثر المجموعة الشعرية النافدة، من أجل أن يكون له السبق في إصدار “الطبعة الثانية” بحلة جديدة . . إلخ، كي يكتب محمد الجزائري مقدمة ثانية للديوان، نفسه، وبلغة احتفالية، يذوب فيها الشعر النقد، ليؤكد أن نصوص هذا الديوان مثال نفسها وقيافة فتنتها . ولعل هذين المفتاحين اللذين جاءا متبوعين بمفتاح سابق عليهما من قبل الشاعر، في إهاب الإهداء حين يقول “كمن يحمل مصباحاً ويطوف به حقول السماء زمناً، كمن طاف بلاداً وبلاداً، ليستذكر والديه: الوالد أولاً . . . ومن ثم الوالدة” والدي . . نبض قلبي وبريق عيوني، والدتي . . صنو الروح وإشراقة الحياة: أنت نهر ماء أتعبه الجفاف، والنافذة قلق بلا أشباح . وإذا كان هذا المفتاح/الإهداء، من قبل الشاعر، يأتي في الصفحة الأولى من ديوانه، فإنه يستدرك ليكتب أسماء أخرى في مفتاح ثان له، هي “إبراهيم، خولة، أديب” ليرصع بها شجرة الأسرة، سابقة على عنوان الديوان الذي يكرر - مرة ثانية - قبل أن يلج أول قصائده - ليل - ليتّخذه عنوان أول نص له، ليترجم هذا العنوان في السطر الأول منه:


كل ليلة

يتسلل إلى البيت كلص

يضغط على أكرة الباب بهدوء

يصطدم بدمية ابنته في الممر

يرتعب

يجلس

يلتقط خسائره

يدخن كعجوز محبط: . . . نافد


واضح أن الشاعر هنا يسعى إلى كتابة نص تتمحوره ملامح من سيرة الذات، يورد من خلاله بعض التفاصيل الصغيرة الحميمة، مظهراً عبره جوانب من خصوصية الذات الشاعرة، في بساطتها، وصدقها، بل وفي انكساراتها، التي مهد لها من قبل، أثناء إهدائه المجموعة لأبويه مصوراً نفسه “نهراً يجف”، دليلاً على معاناة الروح الشاعرة في مواجهة تفاصيل الحياة، ومفرداتها الهائلة .


حالة اليأس المطبق، تنداح في روح الشاعر، كما يعكسها أول نصوص ديوانه، ما دام أن الكذب يحتل مكانه في المقهى، لنكون أمام سلسلة انكسارات أخرى تترى في سفود الحزن:

هناك

حيث يجلس الكذب على مقهى

تتساقط من يأسها وجوه

أتساقط

ليلة تعاطيت الترياق في مهبّ الريح

ألملم الكارثة

أمضي، تاركاً بقايا الزوال

لكناس أعمى

حيث الذاكرة مفتوحة

أتناوب وأصدقاء اليأس

بمزاجية بحار خاسر


من خلال معاينة مثل هذا المقطع، يجد المتلقي أنه يتم تكرار الفعل “يتساقط” مرتين، إلى جانب تكرار كلمة اليأس مرتين أيضاً، ناهيك عن ورود عبارات ومفردات غارقة في العدم والحزن والانكسار، ك “الزوال - الكناس الأعمى - البحار الخاسر . . إلخ” . والشاعر لا يقف مكتوف اليدين إزاء ما يتعرض له، بل إنه يروح إلى أبعد مما هو منوط بشاعر مرهف الإحساس مثله، إذ يسقي ليله بترياق الحلم، كي يفكّ عن اليأس الحبال التي تلفه، محرراً إياه، ليحوله إلى تفاؤل:


ماذا يفعل رجل

يحتفي كل ليلة بوحدته؟

صمت أعمق من بئر

عمن يبحث في دفاتر الأيام

الأوراق تحرسها الدواليب

والحنين شاهق . . مر

الحلم يبقى لي وحدي

أنا كفيل بانفعاله وتوجسه

أدسه تحت وسائدي

أمنحه الفعل كي لا يفلس

أربط اليأس بخيط

أطلقه


إذا كان الشاعر، بروحه الطفلة الغارقة في صدقها، وبراءتها، قد بدأ ديوانه بالإشارة إلى أبويه، وأفراد أسرته، إلا أنه لا ينسى البتة الإشارة إلى أصدقائه، في أكثر من نص، بل يكاد هؤلاء أن يشغلوا مساحة أكبر في روحه، وقصيدته فهو لا يفتأ يذكرهم في مواجهة لحظات الحياة الأكثر تعاسة:


أذهب إليهم

ببريق ناقص

ألتقيهم

- الأصدقاء -

الأحبّ إلي من حقيقة!

نسحب الليل إلى آخره

ونطفئه

بغفلة

نهب الأسرة الكلام

تأخذنا هادئة

- المودة -

أيدينا في الفراغ

لا حيلة لنا

إلا بترطيب العتمة


ثمة أكثر من قصيدة، يؤنسن من خلالها الشاعر الجمادات من حوله، وهي محاولة منه للرد على انزياح حالة التشيؤ - بعامة - ومن هنا، فإن جمهرة من التماثيل في حالتي الحركة أو العطالة، يقدمها الشاعر أكثر من مرة:


وحده التمثال

كهاتف عمومي

معطل

التمثال


إن مفهوم الأنسنة يتوسع في روح الشاعر، ليشمل المكان، يملؤه بالاشتعال، ليضيء عتمة الشارع المهجور:


أراه هنا

يحرك أصابعه

يتسلل إليه الكلام

يحدق بسيجارته

لا تنطفىء

بينما فوق رأسه

يسيل عرق السواحل

تحديداً في المكان نفسه

نمت إشاعة

بأن رجلاً اشتعل

صار مصباح شارع مهجور

ويأخذ الليل اهتماماً كبيراً من الشاعر، ذلك لأنه يجمعه بالأصدقاء والقصائد، وهو نفسه ذلك الليل الذي طالما هام به الشعراء الرومانسيون، واجدين فيه ملاذاً، ليعلقوا على مشاجبه انكساراتهم وهزائمهم وأحلامهم:


كلما

دخل الليل

ازداد بياض الأصدقاء

وكلما اتسعت اللغة

ابتل الساحل بالحروف


وأحلام الشاعر جد كثيرة، وبسيطة، لا يتوانى عن ذكرها - أنى تهيأ له ذلك - وهي في التالي أحلام مشروعة وجميلة:


ما أحلم به

سور

تنطلق منه كل العصافير


ويلاحظ قارىء الديوان أن مفردة-حنين- تتكرر في أكثر من قصيدة، بل وتدخل في إطار عنوان إحدى قصائده،وإن كان الحنين يقدم نفسه، على يديه، في صور مختلفة:


هنا

أجلس محاطاً بحنيني القديم

ألمي قديم . . ولا شيء يلمع

أنتظر امرأة تتنزه في مخيلتي

ترجني بقوة

تسحب الذكريات مني

. . . . . . . . . . . .

هناك

حيث عيون الأحبة

تستقر

والحياة طازجة في حقل

حيث الحنين مزدهر

ومؤجل


إنه يؤنسن الحنين، كي يحيط به، ليستحضر صورة أنثى لا تبارح مخيلته، بل تهزه من الأعماق، وهو يبين لنا ماهية أرومة هذا الحنين، وإن كان ثمة أكثر من ضرب منه يمكن التعرف إليه في نصوص أخرى يقول:


حين أصل متأخراً

تستنفد قواها . . . عاطفتي

يتصدع حنيني


لا مفر له سوى أن يواجه وحدته، الصمت المطبق من حوله الذي يذكر ببئر، أن يهرع إلى دفاتره التي تشعل في روحه نوستالجيا غريبة:


عمن يبحث في دفاتر الأيام

الأوراق تحرسها الدواليب

والحنين . . شاهق . . مر

الحلم يبقى لي . . وحدي


يولي الشاعر الزمن - في النص - أهمية كبيرة، مادام أنه أحوج إليه، ليكتب المزيد من القصائد تحت ظل قامته الأكثر علواً، بل ولكي يقضم من فاكهة شجرة الوقت أكثر ما يمكن أن تغدق بها عليه، وهو في حضرة الأصدقاء والأحبة من حوله، وهم يشكلون عالمه الأثير:


أنا اليوم

لن أفعل شيئاً

سوى

ملء النهار في علبة

وادّخار الوقت في كيس

لن أذهب إلى أبعد من ذلك

فقط

سألقي نظرة صديقة

على عمل رائع

يحدثه الخلخال

في رجلك


ليؤكد في نص- تال - مباشرة، يعنونه ب “حريق” تشبثه بالحياة التي وجدها - على حين غرة - مهددة - ما دعاه إلى الألم:


لم يحدث قط

أن تعطلت أدوات نومي

إلا أني

شاهدت النوم

على شماعة الملابس

صورة مؤلمة وحزينة

حياتي البارحة

كانت تتنزه

في حريق هائل


وقد يسابق الشعر الزمن، عندما نكون في حضرة إحدى مفردات الحياة - مثل الماء - بل إن جدول الزمن يتداخل مع جدول الماء، كي يسبق وجه الشاعر كل ذلك، خارج مدارات الزمن والجدول:


بدأ الماء

يقودني إلى جداوله الأخيرة

وجهي يستبق

لحظة حضوره


يكتب العسم تلك القصيدة المكثفة، المضغوطة، المكتوبة بأقل ما يمكن من مفردات، لدرجة أن بعض النصوص، يكاد لا يتجاوز عدد مفرداتها بضع كلمات، فحسب، وهو ما ينم عن قدرة اختزالية واضحة لديه، بعيداً عن الشطح، والاسترسال، والإطالة، مما لم يعد يناسب قارىء هذه المرحلة البتة .


وإذا كانت اللغة جد بسيطة في نصوص الشاعر، يغسلها من صدأ يعلق بها، لتكون أقرب إلى اللغة اليومية - كما يكتب محمد الماغوط ونزيه أبو عفش ورياض الصالح الحسين وغيرهم كثيرون من أصحاب التجارب العربية السابقة على تجربته - ليراهن على تلك اللغة العادية، يشيد بوساطتها عمارة قصيدته، فإن لاستخدام الشاعر مثل هذه اللغة - تماماً - ما يجعلها مدهشة على يديه، من خلال إعادة صياغتها، وبث روح الشعرية في أوصالها، لنكون في التالي أمام صور شفافة، توائم البساطة التي تقدم خلالها اللغة بطاقتها الشخصية .


إن أكثر ما يسجل لنصوص هذا الديوان هو تخلصها من الهذر والاستطالة، وتواؤمها ضمن إطار الفلاش، أو اللقطة، بعيداً عن الاستغلاق اللغوي، ما يحتل لقصيدة العسم مكانتها كنص شفاهي، يعتمد على خلاصة اليومي، من خلال اللقطة الذكية، التي لا تبتعد كثيراً عن مرابع النفس، ما يجعل طريقها سهلاً إلى روح متلقيها .

راك1
20 - 11 - 2010, 12:52 PM
أحمد العسم
عندما يتكلم تنصت جلفار خجلاً

رذاذ عبدالله
20 - 11 - 2010, 12:57 PM
ارتشافات أدبية رائعة لشاعرنا المبدع أحمد العسمــ،،
أسعدني حضورك بين حروفــه،،
في انتظار هطــول آخــر،،
كــن بخير،،