المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (الخليج) لوركا يتجوّل في الزمن الإنساني



رذاذ عبدالله
27 - 11 - 2010, 09:35 AM
لوركا يتجوّل في الزمن الإنساني




http://www.iraqup.com/up/20101127/l5QSn-4f0R_795568092.jpg (http://www.iraqup.com/)




عرفت الشاعر الإسباني فيديريكو غارثيا لوركا (1899 - 1936) في سنوات الصبا، ورافقتني صورة فارسه وقمره الوحيد في الطريق إلى غرناطة زمناً طويلاً، ومع ذلك لم أكتب عنه شيئاً، وتركت للترجمات الانكليزية العديدة التي ظهرت لمجموعاته الشعرية أن تأخذني إلى أفياء قصائده ونافوراته وطرق ليله الموحشة وغجرياته، بالإضافة إلى الترجمات العربية التي افتتحها الشاعر بدر شاكر السياب في ستينات القرن الماضي بترجمة “قصيدة السائر في نومه” (حسب المترجم) إلى عربية فصحى تصرفت بالنص تصرفاً جميلاً .

لم اكن أجيد الإسبانية آنذاك، ولكنني أدرك الآن، وأنا أقرأ قصائده في لغتين، الإسبانية والانكليزية، كم كانت جناية الترجمات العربية فادحة على شعره، وكم كان مؤسفاً أن ينفرد بترجمته مترجمون أكاديميون لا شعراء، وكم كانت مساحة الغفلة عن تقاناته الشعرية واسعة، إلى درجة أغفال سعة ثقافته، وفي جانبها الشرقي بخاصة، ذلك الذي أقام له نسباً بشعر “رابندراناث طاغور” وقصائد شعراء الهايكو اليابانية .

ركز المترجمون العرب على تلقط علاقة “لوركا” بالألفاظ العربية في قصائده (وهي موجودة في الإسبانية المعاصرة على أية حال)، وعلى علاقته بماضي غرناطة العربي، والتفتوا أخيراً إلى نهايته المأساوية على يد حزب الكتائب الإسباني بين أحراش الزيتون، وفي ظل كل هذا لم يكن القارئ العربي الغارق في ترجمات غالبيتها ركيكة، يستطيع الوصول إلى لوركا الشاعر، إلا بعد جهد جهيد، وبعد تمكنه من إعادة صياغة ما يقرأ، هذا إن كان ذا خبرة بالشعر وفنونه .

الأسباب كثيرة، والشواهد لايتحملها مقال قصير، وسأكتفي ببعض الملحوظات .

الأولى، إن المترجمين العرب، بسبب عدم معرفتهم بتقانة قصيدة الهايكو، لم يتمكنوا من الإمساك بالومضة الشعرية التي تميز قصائد من هذا النوع، أي لم يتمكنوا من ترجمة “الصورة” التي هي عماد هذا الشعر، واستخدموا مخزونهم هم من ذكريات التشبيه والاستعارة الشائعة في شعرهم العربي . كأن يكتب الشاعر بالإسبانية “نهرا غرناطة/ أحدهما دم والآخر دموع” فتأتي الترجمة العربية لتقول “نهرا غرناطة/ أحدهما يذرف دمعاً والآخر ينزف دماً”! . ويصل الأمر إلى الخلط بين الضمائر في الخطاب . فيقول الشاعر باسبانية فصيحة “أيها الرفيق، أود أن أبادل/ بيتكَ بحصاني/ مرآتكَ بسرجي/ بطانيتك بسكيني”، وتأتي الترجمة العربية لتقول “أيها الرفيق/ أود لو بادلتها حصاني ببيتها/ وسرجي بمرآتها/ ومديتي بغطائها”! . وتدمر ترجمة أخرى مسار القصيدة بأكمله حين لايعرف المترجم أن القمر في الإسبانية “أنثى”، ولأنه كذلك فهذه الأنثى هي التي تغري الطفل وتأخذه من يده وترحل به . ويبلغ التصرف في الترجمة حداً فادحاً حين يجهل المترجم تركيب هاتين الصورتين المقصود في ذهنية طفل “السفينة على البحر/ والحصان على الجبل”، فتجريان في الترجمة العربية هكذا “وزورقا يمخر عباب اليم/ وجوادا يركض في الجبل” .

الثانية، إن المترجمين العرب ظل ينقصهم الإحساس بقيمة التدوير بين السطور، أي تقطيع السطور وفق إيقاع خاص ذي معنى بالنسبة لتدفق شعور الشاعر وصوره، ومن دون هذا التدوير يفقد تيار الشعور معناه ويصبح اعتباطياً، فالتأخير والتقديم يمتلكان معنى بلاغيا، كما يمتلك إفراد سطر واحد لكلمة واحد دلالة إضافية، وبسبب انعدام هذا الإحساس تختلط ولا تتمايز الوقفات ونقط التدوير، ولا يصبح هناك فرق بين أن تكتب القصيدة في سطور متلاحقة أو تتوزع على عدة سطور، ويظهر هذا واضحاً في قصائد “أغاني الغجر” ذات الطابع الدرامي، في هذه القصائد يؤدي التقطيع وتوزيع الصور على السطور دوراً كبيراً في الإيحاء بالحركة، بلحظات الذروة ولحظات الانسراح، ويضيع كل هذا بالطبع حين يهتم المترجم بنقل معنى السطور فقط من دون أن يميز بين موجة شعور وأخرى، أو يقيم وزناً لتنظيم التدفقات والصور تنظيماً تشكيلياً . ومن يقرأ شعر لوركا في لغته الأصلية لايمكن أن تفوته ملاحظة النزعة التشكيلية في توزيع سطوره وصوره وتنويع وقفاته .

الثالثة، إن أصحاب هذه الترجمات العربية على كثرتها (هناك ترجمتان على الأقل لأعماله الكاملة ناهيك عن كتب المختارات) لايبدو أنهم معنيون بمعرفة وجود ترجمات أخرى سبقت ترجماتهم، ولذا تخلو كتبهم من أي مراجعة لأي ترجمة سابقة أو حتى الإشارة إليها، ولهذا نجد، مثلا، اختلافا غير مبرر في ترجمة كلمة “أغنية”، فبعضهم يترجمها بكلمة “موشح” وبعضهم بكلمة “موال” وبعضهم بعبارة “أغنية موجزة”! . بل وجدت عدة نسخ تترجم كلمة “رفيق” مرة إلى “صبي” ومرة إلى “عراب”! ولا أدري كيف يمكن الاطمئنان إلى مترجمين يبلغ الاختلاف بينهم هذا الحد الفاحش . بل ويصبح حتى المثنى عندهم مفرداً .

إضافة إلى هذه الملحوظات، رغم أهميتها، تتفوق ملحوظة أكثر أهمية، وهي عدم التفات المترجمين إلى المناخ الشعري لدى هذا الشاعر؛ مناخ الاستغراق بالأندلس الضائعة، أو أندلسيا باللغة الإسبانية، وهي ذلك الجزء من إسبانيا الذي أطلق العرب اسمه على الأرض كلها .

الأندلس المفقودة، حسب الشائع العربي، تشكل مهاد الرؤيا الشعرية لدى هذا الشاعر، فهو يستعيدها أو يستنقذها من العدم، ويتلمسها في حزن مقيم يكتشفه في الأغنية وزوايا الأزقة القديمة والخوف المقيم في الأنهار والآبار وغياض الزيتون والمذابح، وبذلك يستنقذ مايمكن أن يكون جوهر الأرض وحلمها الأبدي .

لقد تأبد في تجربة لوركا تاريخ تلك الأندلس، وهذه مفارقة غريبة إذا التفتنا إلى جملة “الأندلسات” التي تضيع عادة في الثقافة الشعرية العربية، ومنها تجربة “أندلسيا” ذاتها، فهذه التجربة التي تحولت إلى نسغ في الثقافة الإسبانية تنعدم أو تكاد في الثقافة العربية، إلا من تلك الاستعادات الشهيرة التي تغنت فترة بالأندلس بوصفها فردوساً مفقوداً، من دون وعي بمعنى الأندلس حين يتجاوز التحسر على ضياع ملك أو مزرعة إلى التحسر على ضياع ثقافة وتراث .

أليس غريباً أن يكون ورثة الأندلس وثقافتها العربية الإسلامية من خارج مدارات هذه الثقافة؟ أليس غريباً أن تحيا الأندلس (أندلس الثقافة والحضارة) هناك في شعاب الثقافة الغربية، ولا نجد لها أثراً في نبض وإيقاع الثقافة العربية؟

لوركا ليس إلا مثلاً بالطبع، والمثل الأشد وضوحاً، على الكيفية التي يتعامل بها شاعر مع ماضيه بكل تنوعاته وروافده، ولكن هذا التعامل أكثر عمومية مما نتصور في ثقافة شعراء اللغات الأخرى . الماضي بوصفه تجربة تستعاد وتعاش ويستخلص منها الشاعر ما هو أبدي وخالد، ولا يكتفي، كما يفعل الشعراء العرب، بعناوين أشبه باللافتات، ثم يتخرج من مدرسة عصره حاملاً لافتة “الحداثة”، مزهواً بأنه بلا ذاكرة .

ذاكرة الشعر الإسباني، ولوركا أحد أبرز ممثليه، مدهشة في تعاملها مع الأمكنة والأزمنة، وفي قدرتها على صهر عناصر من ثقافات متنوعة في جسد واحد، ليس بسبب عنصري بالتأكيد، بل بسبب وعي انساني استثنائي بأن الإنسان أخ للإنسان مهما تباعدا بالزمان والمكان، ومهما اختلفت اللغات التي يغني بها كل واحد منهما أغنيته، ولعل أكثر الأمثلة دلالة في هذا المجال ذلك الأرجنتيني، خورخي بورخيس، وذلك المكسيكي أوكتافيو باث، على سبيل المثال للحصر، اللذان أخذا إلى اللغة الإسبانية ألوان حجارة ووديان وشعوب وتاريخ الأرجنتين والمكسيك، وكذلك فعل بقية كتّاب أمريكا اللاتينية الناطقين بالإسبانية .

هكذا يفعل الشعراء بالطبع، إنهم يتخطون الجغرافية الثقافية والطبيعية، ويتجولون طويلاً في الزمن الإنساني.