تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : (موضوع خاص) في ذكرى رحيل المخرج العالمي مصطفى العقاد



رذاذ عبدالله
28 - 11 - 2010, 01:21 PM
في ذكرى رحيل المخرج العالمي مصطفى العقاد

رسمي محاسنة

* دار الخليج



http://www.iraqup.com/up/20101128/1DDvH-7hu4_533120859.jpg (http://www.iraqup.com/)




المخرج العربي العالمي الراحل ، مصطفى العقاد ، الذي مرت ذكرى غيابه بعد أن كان ضحيه تفجيرات عمان (2005) ، في مسيرة مجللة بالإبداع والحضور ، وإرادة تحقيق الذات ، والدور الفاعل ، محاولةً لتغيير الصورة النمطية عن العرب والمسلمين ، الذين لم تنصفهم هوليوود.. هذه المسيرة التي بدأت من حلب التي أنهى فيها دراسته الثانوية ، ولم تتمكن الأسرة الفقيرة من تأمين أكثر من 200 دولار للشاب الذي غادر إلى أميركا ، محملاً بالأحلام.

هوليود ، القاسية والعنصرية ، لم تتقبل وجوده بعد حصوله على شهادة الإخراج السينمائي من أميركا ، لكن عزيمته ، ومخزونه الثقافي ، وإصراره على أن يكون له مكان محترم.. كل ذلك أوصله إلى مصاف الأسماء الكبرى ، التي صنعت القيمة الحقيقية والعليا للسينما ، بوصفها أداة سمعية بصرية لها دورها ، وحضورها ، وتأثيرها في مشاعر الجمهور وأفكاره.

وقد أدرك العقاد ، في وقت مبكر ، أن تميزه وتفرده يكمنان في تقديم ما هو غير مألوف ، وله علاقة بتاريخه ، وإرثه الحضاري ، فهو يدرك قوة هوليود وتأثيرها. لكن ذلك لم يجعله مفتوناً بأضوائها ونمطيتها ، فقد قدمت هوليود أفلاماً ذات ميزانيات ضخمة ، مستندة إلى العهد القديم والجديد ، ومدعومة بإيدولوجية سياسية يقدمها أباطرة هوليود اليهود ، الذين وجدوا في السينما فرصة لتقديم أفلام دينية وتاريخية ، منسجمة مع ثوراتهم ، ومحكومةً بتوجهاتهم.

لكن العقاد لديه رؤيته وفلسفته ، فهو يعود إلى التاريخ ليس بطريقة هوليود وأسلوبها الذي يسوق الكذب والوهم والتزوير ، وإنما يريد أن يسلط الضوء على زاوية لطالما تم تجاهلها ، بقصد وتصميم ، وبتزييف الوقائع التاريخية ، فهو يريد أن يقدم رسالة الإسلام بوصفها رسالة إنسانية حضارية ، تبنى على ما هو إنساني ومشترك ، وتقدم الخلاص للإنسانية من دون تعصب ، وتكريس روح التسامح والمساواة بين البشر ، واحترام حرية الاختيار ، ولذلك جاء فيلم "الرسالة" ، 1976 ، يبين هذا التحول الإيجابي في حياة أمة كانت غائبة عن الفعل الإنساني الحقيقي ، متمسكة بالوثنية ، ومتشرذمة في ما بين الإمبراطورية الرومانية ، من جهة ، والفارسية ، من جهة أخرى. ومن هنا يأتي التمايز الواضح بين العقاد وبين بعض المخرجين الذين تصدوا لأفلام دينية وتاريخية ، من مثل "سيسيل دي ميل": ففي الوقت الذي كانت فيه هذه السلسلة من الأفلام الدينية تنطلق من أساطير ، وتبنى على أكاذيب ، وتروج لشعوب وأديان تتعالى على الآخرين ، وتعتبر نفسها محور الكون ، وبدايته ونهايته ، جاء العقاد ـ في فيلم "الرسالة" ـ ليبنى على ما هو إنساني مشترك ، وعلى جوهر الدين - خارج التزييف ، والتزوير ، والتحريف - لأن مفهوم "إقامة الدين" ، في الإسلام ، لا يعني شعائر وعبادات ، فقط ، وإنما هو سلوك وممارسات يومية ، ودوره في بناء الحضارة الإنسانية ، وتوسيع مساحة ما هو مشترك مع الآخر ، والاشتباك الإيجابي مع كل منتج حضاري ، والقبول به ، بعيداً عن مفهوم الصراع والإقصاء ، حتى اختيار اسم الفيلم ، "الرسالة" ، جاء منسجماً مع مضمون الفيلم لرسالة سماوية إلى الإنسانية ، كافة ، سواء للمؤمنين بها ، وغير المؤمنين.

ومن هنا نجد هذه الحفاوة الكبيرة ، التي قوبل بها العقاد من قبل كثير من كبار المخرجين السينمائين ، والمفكرين العالميين ، الذين وجدوا فيه صاحب مدرسة سينمائية مميزة ، من جهة ، وصاحب رؤية مستندة إلى ثقافة عربية وإسلامية واعية وناضجة ، تخاطب العقول والمشاعر ، وتزيح غشاوة تصل إلى حد العمى ، أحياناً ، في عيون الغربيين الذين استسلموا لآراء وأفكار معادية للإسلام ، ومشوهة له ، من أصحاب أجندات سياسية مقصودة ومدروسة.

إن أحلام العقاد كانت أكبر ، بكثير ، مما حققه على أرض الواقع ، رغم أهمية ما قام به ، فهو لم يجد ذلك الاهتمام الذي يستحقه من أمته ، وكان يسعى إلى أن يعيد إنتاج الصورة النمطية عنها في أذهان الغرب ، وأن يصحح المفاهيم ، ويقرب المسافات الوهمية بين العرب والمسلمين ، وبين الأمم الأخرى . لقد التقى الكثيرين من أصحاب السلطه وأصحاب المال. وربما أكثر ما كان يؤلمه هو ما كان يعرضه عليه البعض من تقديم أفلام لها أهداف شخصية ، لكنه يعرف وجهته وطريقه وموقفه ومسؤوليته تجاه وعيه ونفسه أمته.

برغم أن العقاد كان يعيش بعيداً ، إلا أنه بقي مسكوناً بهواجس المنطقة ، ومشاكلها ، وقلقه على مصيرها ، وقضاياها حاضرة في ذهنه ، ففي ملحمته الثانية ، "عمر المختار" ، لا يعيد إنتاج وقائع وأسماء وحوادث مرحلة معينة من تاريخ المقاومة الليبيه بقيادة الشيخ الثائر ، عمر المختار ، فحسب ، وإنما يستحضر مجمل مكونات شخصيات هذه المرحلة ، هذه المكونات التي تظهر في سلوكها المقاوم ، وفي ظروفها الاجتماعية ، والبيئية التي تحتضنها ، ونشأت بها ، وساهمت في تكوينها الثقافي والديني والاجتماعي والأخلاقي ، في مقابل نماذج من شخصيات الاحتلال ، التي اختل فيها الوازع الديني والأخلاقي ، وتدفعها وحشيتها وشراهتها نحو مزيد من العنف والشراسة والدموية.

فالمقاومة ، في الفيلم ، تنتمي إلى بيئتها وترابها ومنظومة القيم التي تغرس جذورها بها ، فهي أصيلة وأخلاقية ، بعكس المحتل الطارئ ، والقادم من بعيد ، محملاً بهوس القتل والإبادة واللاأخلاقية. وبالتالي فإن شخصية عمر المختار ، والمقاومين ، كانت بمثابة المرايا التي تكشف عورات المحتل والمعتدي.

ويبدع العقاد في المشهد الأخير ، عندما يتم شنق عمر المختار ، لكنه ، هنا ، لا يريد التأريخ لهذه اللحظة ، فقط ، وإنما يريد من المشاهد الجالس أمام هيبة موت شيخ المجاهدين أن يحمل معه ما يقلق العقل ، ويحفزه على التفكير ، فيرتد به من لحظة تاريخية إلى رؤية مستقبلية.. هذه اللحظة ـ عندما تلتقي عيون عمر المختار عيون الطفل ـ تقول الكثير ، وتحمل من الرسائل ما تحمل ، أقله هذا التواصل فيها بين الأجيال ، وكأن المختار يسلم الراية "بعينيه"إلى الجيل الجديد ، وحتى الكسور التي حدثت لنظارة المختار فان الولد يلتقطها ، ويسلم عمر المختار الروح وهو مطمئن على مستقبل جيل له موروثه ، وثقافته ، وأخلاقياته ، وإرادته ، ورموزه.

وكان العقاد يحمل حلماً بحجم الأمة ، أنجز فيلمين سيبقيان في الذاكرة ، لكن حلمه الأكبر كان "صلاح الدين الأيوبي" ، وأذكر ـ في آواخر الثمانينيات من القرن الماضي ـ في لقاء إذاعي مفتوح ، من إذاعة صوت أميركا ، حيث حاورناه (مجموعة من النقاد العرب) ، وتحدث بشغف عن المشروع الذي يحمله عن صلاح الدين ، وأذكر أنه تحدث عن تصوير جزء كبير منه في الأردن: لأن الأردن كان واحدة من محطات صلاح الدين الأيوبي ، في طريق تحرير القدس ، وكان مفتوناً بالجغرافيا الأردنية ، التي تمثل بيئة رائعة للتصوير. ولاحقاً أصبح هذا الهاجس يلح عليه بشكل أكبر ، بعد أن بولغ في ضخ جرعات من التشويه لصورة الإسلام وكراهية متنامية للعرب والمسلمين ، وأخذ الإعلام الغربي ، على عاتقه ، مهمة الترويج لصراع الحضارات ، وإقصاء موروث إنساني كامل عن سياقه التاريخي ، وإنكار لدوره الحضاري ، وكان مهماً جداً ، بالنسبة للعقاد ، أن يستحضر صلاح الدين ، حتى يعيد التوازن في لحظة اختلال أصابت الحقيقة ، بسبب جنون الهجمة الغربية على الإسلام ، وكان يريد أن يذكرهم بمغامرة الحروب الصليبية باسم الدين المسيحي. وبما أن المسيحية لا تتحمل وزر هذه الحرب القذرة ، فإن الإسلام ، كذلك ، لا يتحمل وزر مغامرة بعض الذين يقومون بأعمال إرهابية باسم الدين.

كانت الأندلس حاضرة ، في ذهن العقاد ، بما تمثله من حالة تواصل إنساني وثقافي وحضاري ، ما زالت آثارها شاهدة على دور الحضاره الإسلامية ، كما كان المطران هيلاريون كبوجي ، مطران القدس ، نموذجاً وقف في وجه المشروع الصهيوني.

وفي الوقت الذي كان يبحث عن تمويل لأفلامه ، رافضاً كل أشكال التنازلات ، قام بإنتاج مجموعة من أفلام الهالويين ، التي حققت نجاحاً كبيراً في شباك التذاكر الأميركي ، من دون أن يتخلى عن حلمه بتحقيق أفلام كبيرة ، قدمها بمواصفات السينما الهوليوودية: من إنتاج ضخم ، واحترافية عالية في عناصر الإنتاج السينمائي كافة (رسم ، سيناريو ، ديكور ، تصوير ، موسيقى) واعتناء دقيق بالتفاصيل التي جعلت منه مخرجاً عالمياً مشهوداً له.

المخررج الراحل ، مصطفى العقاد ، منارة عربية إسلامية ، عملت من مكتب هوليود ، وأضاءت جوانب مشرقة من ثقافتنا وحضارتنا العربية الإسلامية.. شعلة أطفأتها قوى الجهل والتطرف.