المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : غازي القصيبي.. النسيان النعمة واللعنة وجحيم يدعى الزهايمر



رذاذ عبدالله
16 - 12 - 2010, 12:13 AM
غازي القصيبي.. النسيان النعمة واللعنة وجحيم يدعى الزهايمر


* الدستور الاردنيــة







http://www.iraqup.com/up/20101215/yCi6I-c38J_130256440.jpg (http://www.iraqup.com/)





يدفع الكاتب والدبلوماسي والوزير السعودي الراحل غازي عبد الرحمن القصيبي قارئه إلى دروب رحلة رهيبة لا أمل فيها ، هي رحلة إلى جحيم عرف في عصرنا هذا باسم مرض "الزهايمر".

القصيبي ، الذي وافته المنية في آب الماضي ، قبل أن يرى كتابه الأخير "الزهايمر" مطبوعا ، يصف محتوياته باسم فيه لباقة ودبلوماسية هو "أقصوصة" ، الذي هرب به من مصطلح الرواية مثلا كي لا ندخل في عالم شروطها ومقوماتها.

لكن التعبير الدبلوماسي قد يقول الكثير ، حتى حين يمتنع أحيانا عن التحديد أو خاصة حين يمتنع. ومهما كان فهمنا لمصطلح الأقصوصة فسنجد أن الكاتب حملنا إلى ما قد يكون اكثر من رواية ومن اي شكل قصصي اخر اذ حملنا إلى الحياة نفسها بمآسيها التي قد تعصى القدرة على التسمية لأنها اوسع واعمق واكثر زئبقية وغرابة من الاسماء التي تهدف إلى حصر معنى او صورة ما.

وقد قال القصيبي ذلك ببساطة وبكل ما في البساطة من قوة مدخلا قارئه إلى عالم لا طريق للعودة منه.

قديما قيل "سبحان من وهب الانسان نعمة النسيان" لانها في بعض الاحيان تشكل طريقة لحماية النفس والهرب من مآسي الحياة ومشكلاتها المستعصية. وقيل: ان بعض معاني الانسان هي ذات علاقة بالنسيان وقدرتنا على تحقيقه او قدرته على التغلب علينا. الحالتان راحة وحماية للنفس احيانا.

اما النسيان الذي يصوره لنا القصيبي فهو اشد رهبة من مصائب كبرى اخرى وقد يكون كما اضاف الكاتب وقال اخرون اشد قسوة من الموت.

ولربما وجد بعض القراء انفسهم - من ناحية ما - عند قراءة ما يدونه بطل القصيبي قبل ان يفقد الذاكرة يتذكرون كتاب الراحل الدكتور انيس فريحة "قبل ان انسى".

صدر كتاب القصيبي عن دار "بيسان للنشر والتوزيع والاعلام" في بيروت وجاء في 127 صفحة متوسطة القطع.

يبدأ الكاتب اقصوصته عبر مدخل قدم لنا فيه "بطله" والمعنى هنا لا ينطبق على الواقع فالرجل ضحية قدر ساحق وليس بطلا. وهو كذلك ليس بطلا بمعنى البطل الاغريقي القديم ذاك الذي يصارع اقدارا اقوى منه ويسقط بسبب "خلل" او ضعف ما فيه سقوطا مفجعا. اما هنا فالشخصية الاساسية او الوحيدة الرئيسية حرمت حتى من القدرة على الصراع الحقيقي. فالصراع يقتضي ارادة وتصميما ووعيا.. وضحية مرض الزهايمر بعيد عن ذلك ولا يلبث ان يغيب عن كل ذلك غيابا يوصف بانه يمحو كل شيء.

يصور غازي القصيبي لنا "يعقوب العريان" في بداية محنته. انه يعجز حتى عن ان يعبر عن حبه للتي يحب. يقول "يقف يعقوب العريان امام بائعة العطور ليشتري زجاجة من عطر زوجته المفضل... تسأله البائعة ماذا يريد ويحاول عبثا تذكر الاسم... بعد دقائق أحمر فيها وجهه وبدت عليه علامات الاضطراب غادر المتجر وهو يعد البائعة التي تبتسم بعطف بأن يعود اليها ومعه الاسم مكتوبا." يعقوب العريان ادرك ما الذي يسير اليه فقرر ترك عائلته الحبيبة مبعدا عنها الامه ومعاناته. كل فصل من الفصول يأتي في شكل رسالة إلى زوجته.



يقول "عزيزتي. كان علي ان اخبرك بمجرد علمي. ومتى علمت.. قبل شهور او ربما سنة. التفاصيل الصغيرة بدأت تضيع وقريبا تضيع التفاصيل الكبيرة. اه هل يمكن ان تكبر التفاصيل وتظل مجرد تفاصيل .." ويتلك البساطة النفاذة الجارحة يقول القصيبي بلسان العريان "لم يعد مجرد شك.. حانت ساعة القرار. ودعتك وقلت لك انني ساذهب بمفردي في رحلة عمل طويلة حول العالم.. الا انك ادركت باحساسك الفطري... اني بحاجة إلى الابتعاد عنك وعن زهير وهيفاء والناس كلهم... شددت الرحال إلى طبيبي الذي اصبح صديقي البروفسور جيم ماكدونالد رئيس مركز الزهايمر في جامعة جورج تاون." والقصيبي يتناول في لفتات واشارات سريعة وببعض التفصيل احيانا امورا مختلفة في الحياة من خلال تلك الرسائل وذلك الحديث البسيط من القلب إلى قلوب القراء وان كان ، في الغالب ، موجعا للقلوب.