المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (الاتحاد) عبيدٌ على نصلٍ طويل.. والقلب كوكب الجسد


رذاذ عبدالله
17 - 12 - 2010, 08:58 AM
«حضارة الرماد» لجمال علي إبراهيم: مرثية طويلة لغربة الكائن، لمسخه المبرمج


عبيدٌ على نصلٍ طويل.. والقلب كوكب الجسد



http://www.iraqup.com/up/20101217/10lM6-jPVi_580427212.jpg (http://www.iraqup.com/)




لا يستطيع قارئ “حضارة الرماد” الصادر عن مشروع “قلم” في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث للشاعر جمال علي إبراهيم، أن يمنع وخزة يستشعرها في روحه تمرق مثل سهم، ولا أن يحمي رأسه من تناسل أسئلة تحدق به وتتركه حائراً يتساءل عن صوابية ما يحدث في الحياة. فهنا، ثمة أسباب وجيهة جداً للحزن والجري وراء إجابات تبدو بعيدة، تماماً كبعد الكائن عن مجرته الوجودية، لعذابات وخذلانات ومآسٍ تعيشها البشرية ويتجرعها الشاعر لتنعكس مراراتها على النص وأجوائه ومناخاته. ثمة ما يستدعي الحزن على الأوطان التي يؤرق حالها الشاعر ويجسدها على الورق في تفاصيل النصوص وتضاعيفها ليشيد نصاً فدائحياً ممتلئاً بالإيحاءات والدلالات في إهاب فني وخصوصية إبداعية وبقدر كبير من الشعور بالغربة والاغتراب بل والانسحاق تحت وطأة عالم يفقد فيه روحه وجسده وذاكرته.

وإذ يفعل، يغرق الشاعر في غربة شعورية عن كل ما حوله، لتصل في أوجها إلى قطيعة مع العالم البرّاني والغوص أو الارتداد الى العالم الجوّاني كونه الملاذ ومنطقة الحماية التي تجد فيها الذات الشاعرة أمنها وأمانها، بل إن القطيعة تصل الى الشكل الفني أيضاً حيث الاشتغال على صور غرائبية، واستيلاد دلالات مغايرة للألفاظ قادرة على تصوير ما تمور به الروح من ألم ومعاناة، وكأن الغربة الداخلية التي يشعر بها الشاعر لا تعبر عنها إلا قصيدة مغتربة هي الأخرى.

وفي محاولته التعبيرية لقول أزمته الوجودية في عمقها الفلسفي، يجسد الشاعر غربة الكائن وتشظيه في هذا العالم بكل مستوياتها ودلالاتها وتمظهراتها الفنية والمضمونية وهذه هي الثيمة الأكثر وضوحاً في الديوان. من الغلاف إلى الغلاف يرحل القارئ مع شاعر مؤرق بمعنى وجوده على الأرض، وما الذات الشاعرة هنا وهي تبوح بأحزانها وتشوقاتها وآلامها الوجودية سوى نموذج للإنسان المعاصر، المحاصر بكل ما يتآمر عليه ويتركه مجرد شيء، غير قادر على الفعل ولا أثر له.



وبخلاف مجموعات شعرية أخرى تركز على الخطاب الذاتوي وتغرق في التفاصيل بوصفها فعلاً شعرياً قادراً على صوغ الذات الشاعرة، يذهب الشاعر جمال علي إبراهيم إلى التفاصيل الصغيرة ليصوغ موقفاً فكرياً من العالم الأكبر وموجوداته وكائناته، محدقاً في دلالات الأشياء قارئاً ما يكمن خلفها من قيم تتآكل وبشرية تنوء بأحزانها وظلاماتها، وهو بالتالي يخرج من إطار القول أو الفضفضة الى طرح تساؤلي يفتح للنص أمداء حياتية جديدة.
يرقب الشاعر العالم وكائناته بحسرة، يقرأ تحولاتها وتبدلاتها باحثاً فيها عن النور الموعود فلا يرى سوى العبث. في سبيله لقول روحه يستعين بمظاهر الكون، خاصة “الليل” التي غالباً ما يرمز في قصائده الى العتمة والديجور، و”الشمس” التي ترمز للنور والوضوح. ها هو في “عندما نسيت النسيان” يستعير الليل كصورة كونية بكل ما تحمله من دلالات الغموض ليوظفها في مستويات فنية متوالية راسماً عبرها صورة للحياة نفسها إذ يحكمها ليل لا يبين له نهار وسبيله لإيضاح ذلك هو الحياة التي فقدت جدواها:

الليل يغرق بعيدا/ العتمة تهرب/ كظل قطار / ينزلق بين ازقة ضيقة/ متعرجة/ يختبئ بين تصدعات الجدران/ بلا مبالاة/ تاركاً خلفه /ما تبقى من رماد الندم/ ومن أحلام هلامية / مندلقة على الرصيف./حياتي كذلك، لم تعد تركع للأوهام/وعند كل فجر/ لم أعد أرى سوى الغروب!

وإذا كان تشظي الشاعر الروحي يقف في مستواه الأول عند رؤية ما يختفي خلف ظواهر الأشياء من دلالات متوارية غالباً ما يتم سترها، فإنه في المستوى الثاني يرتفع الى سدة ثانية بحيث تصبح رديفاً لفعل الحياة في الفراغ، الفراغ الذي يزود الشاعر بقارورة يحفظ بها ما تبقى من أيامه، والقارورة ليست سوى رأسه الذي من خلاله يرى العالم بشفافية بدلالة السطور التي تليها: “جُمجمتي الأخرى ستكونُ أيضاً/ زُجاجية لكن أنيقة/ شفافة/ أرى عبرها/ حقيقتك/ أيُّها اللاوُجودُ/ الـمُتسلطُ على المكانِ”. وما استخدامه للزجاج الذي يكشف عما يحتفظ به، إلا بحثاً عن الرؤية الواضحة التي غالباً ما تغيب في الليل، الليل هنا بمعناه الواقعي (الليل ثانية بألوانه المأساوية/ ومعوله الثقيل/ يجر صهريجاً عظيما/ مترعاً بالآلام) والذي يتماهى الشاعر في صورته، وهي صورة مفارقة بلا شك، والليل بمعناه المجازي أيضاً الذي يخذله ويحضر في قصيدة ثانية بدونه، أي بدون الشاعر ومع غيابه تحضر الذاكرة التي لا تفعل سوى أنها تكرس غربته عن المدينة وموجوداتها:

عادِ وحيداً/ بِدوني/ يُفَجّرُ الصخور/ ينبش ذاكرتِي الـمُتكَلِسَة/ كَحقلٍ مَحروقٍ/ ذكرياتٌ هي، رَمَيناها/ عِندَما كُنّا مَعاً/ نَتَسَكّعُ في المدينةِ/ عَبرَ شرايينها الـمُتصَلِبةِ

بين أضرحَةٍ إسمَنتيةٍ/ قاسِيةٍ/ تُمزّقُ الضّبابَ/ مُتآمرةً/ تَتَطاوَلُ عالياً/ وَتطعَنُ السّماء بِقرونِها/ ولكِن/ أيضاً/ لا جَدوى مِن كُلّ ذَلِكَ!/ (...) عادَ لِيترُكَني وحيداً/ تائهاً/ كالشّبَح الأخرَسِ/ لا أُكلّمُ أحَداً/ وحيداً/ بِلا أنا/ وبدونِي.

لكن لماذا كل هذا الشعور بالاغتراب الداخلي؟ لماذا كل هذا الامّحاء للذات الفاعلة؟

الجواب يأتي في القصائد التالية، في كون الشاعر يرى مظاهر العتمة وتجلياتها الحياتية والحضارية، والعتمة هنا رمز للغياب الحضاري لهذا يبحث الشاعر عن الشمس التي تصبح رمزاً للحضور الحضاري، للحضارة في معناها الحقيقي، والتي يتم صنعها في مكان آخر. والشاعر يبدو ها هنا كمن يركب عربة الزمان الذهبية ويتجول في مجرات الوجود باحثاً عن حريته في عوالم تمتلئ بموتى لا يسمعونه:

يقول في “أعبر أوطاناً بحثاً عن شمس”: نزعت جثتي/ من أوراق الخديعة/ ووثائق الوهم/ من بطاقة العبودية/ وأكبر معتقلات الموتى/ لأقذف بها بعيداً/ عبر عتمة لوحاتي/ عبر عتمة الوجود/ عبر كل الاحتمالات الممكنة/ وكنت أشق السديم/ وأعبر أوطاناً/ ليس لها من وجود/ وأغني/ بصوتي المكتوم/ الذي يطحن الفولاذ. /ألفت انتباه الموتى/ وابتسم/ حتى يتمزق وجهي/ فينزف سُيولاً/ من دمار. هكذا/ كانت تغرق التوابيت أمامي/ في ظلام الفاجعة/ بحثاً عن نتفة شمس.

لكن سوداوية الفكرة الطاغية هنا، لا ينبغي ان تشغل عيوننا عن جمالية الصورة الشعرية التي ينجزها الشاعر والتي تبدو أقرب الى مشهد دمار كوني سينمائي شاعري تضفي عليه صفوف التوابيت الغارقة في بياض السديم غرائبية عالية.

والغرائبية في هذه المجموعة لا تقف عند تخوم الفكرة والصورة الشعرية بل تمتد أيضاً الى الألفاظ نفسها، حيث الاستخدامات غير المألوفة للالفاظ تنشئ علاقات مختلفة عما اعتادته الذائقة اللغوية، من ذلك تعبيرات “ثاني أكسيد البلاهة” و”حمض يأس مركز” وغيرها.

لا يرى الشاعر في الموجودات سوى صورة للفناء والموت. تتعدد صور الموت لكنه يؤدي في النهاية الى اللاشيء: في “إناء الليل” صورة للعبث مفرداتها الفاقعة هي السقوط والقبر والندم والغبار، وفي “دماء الليل” مقاربة أخرى للعلاقة بين الليل والشمس، أي بين العتمة والضوء، ينسجها الشاعر من ذاكرة معجونة بالأوجاع تسيح “مثل شمعة/ بلا قتيل/ تذوب في قلب شمس/ معطوبة بلا حراك”، بينما الشاعر محزوناً يؤرقه سؤال مضنٍ يفري روحه: لماذا لا يشيخ ألمي ولا يتعب؟

في “حرث السراب” تصبح الشمس آلة للوقت، مجرد إعلان عن الزمن، عن شروق صباح لا يحمل سوى موت جديد للكائنات، هكذا تصبح الرحلة اليومية بين اليقظة والنوم مجرد رحلة موت مملة، يعود منه الشاعر بنصيبه من الدمار والسأم:

عند اشراقة شمس الهلاك/ أصحو من الموت/ أذهب/ إلى موت آخر./ في عودتي/ أحمل على هيكلي/ المنهار/ نصيبي من الدمار/ أسأل السأم/ الذي يرافقني كالأقدار/ هل نحن نحرث الأرض لنعيش/ أو/ نعيش لنحرث أرض السراب؟!

إن الشاعر لا يرى حوله سوى الموت المحتوم الذي يأتي حتى في “العلم” الذي يخاطبه في صيغة سؤال استنكاري: ما الذي أبعدك عن الأرض/ أيها العلم المنكس/ تخفق عالياً والسماء / آيلة للسقوط.

في “مستقبل الماضي، ذاكرة المستقبل” يواصل الشاعر إلحاحيته وطرحه العوْدَوي لسؤال الوجود ليعلن أنه مجرد خديعة، وفي نبرة لا تخلو من دهشة عالية يصرخ: “يا لمكيدة العدم”. لكنه في هذه القصيدة يغرق في نوع من التفلسف والمساءلة الفكرية لمفهوم الوجود وماهيته وغايته:

لمصلحة من/ نساق عبيداً/ في قوافل عارية/على نصْلٍ طويل/ لا ينتهي/ نحو مجهول/ يكشر/ عن أنياب المصير. إذاً، لقد خلقنا/ ولم نمت/ نحن هنالك/ قبل الأزل/ ملء الجنة والنار.

ويختتم الشاعر هذا النشيد العدمي، بقصيدة “مسخ الخيال” وهي مرثية سوريالية للمخيلة البشرية تزدحم بالصور الغرائبية، وتجسد فداحة التشيؤ الذي يعيشه الكائن لكنها مع ذلك تحمل كل الأمل في أن يبقى الإنسان أكبر من أولئك الذين يحاولون مسخه:

لقد غربلوا كل مكان

وجهلوا اللامكان

لهذا...

لن يعثروا علينا

أبداً

لأنَّ

القلب كوكب الجسد

والروح الطريدة

تعبر أكواناً

تتخطى سماواتٍ

بلا أثر.