المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كـونـديــرا منظــراً للروايــة الأوروبيـة



رذاذ عبدالله
2 - 1 - 2011, 08:04 PM
كـونـديــرا منظــراً للروايــة الأوروبيـة

* الدستور الاردنيــة





http://www.iraqup.com/up/20110102/3lLAo-0D6i_635790268.jpg (http://www.iraqup.com/)






يعتبر ميلان كونديرا المولود في براغ في ثلاثينات القرن الماضي في تشيكوسلوفاكيا آنذاك والمولود من أسرة يهودية ، واحداً من أهم الروائيين المعاصرين في العالم. وهو يقيم في باريس منذ أكثر من خمس وثلاثين سنة حيث يكتب بعض رواياته باللغة الفرنسية إضافة إلى لغته التشيكية واللغة الألمانية التي يجيدها كما أجادها قبله صنوه البراغي المولود من أسرة يهودية أيضا الروائي الإشكالي المتفرد فرانز كافكا ، وسوف نتطرق بعد قليل إلى علاقة كونديرا بكافكا وأيضا فيما إذا كانت أصولهما اليهودية تنعكس بأي شكل على انتمائهما للصهيونية ولاحقا لإسرائيل.

الرواية المثقفة

يكتب كونديرا ما يمكن أن نسميه بالرواية المثقفة الحافلة بالأفكار والواعية للتاريخ وضروب الفكر والفلسفة - وهو روائي غزير الإنتاج عموماً والذي يهمنا هنا هو أنه من ألمع النقاد الذين نظروا لتاريخ الرواية الأوروبية وإلى ما يمكن تسميته بفلسفة وجودها - وعن دورها أيضا في التأسيس للأزمنة الحديثة في أوروبا أو ما يسمى بالحداثة الغربية. وقد اعتمدت في هذا المقال على كتابين لكونديرا ترجما إلى العربية في السنوات الأخيرة وهما "فن الرواية" ترجمة د. بدر الدين عرودكي صادر على دار الأهالي في دمشق عام 1999 وكتاب "الوصايا المغدورة" ترجمة معن عاقل صادر عن الأوائل للنشر في دمشق أيضا وصدر عام ,2000

الفكرة المركزية في هذين الكتابين هي أن الرواية وليس الفلاسفة أو المفكرين هي التي لعبت الدور الأكبر في التأسيس للأزمنة الحديثة في أوروبا (القرون الأربعة الماضية) وفق كونديرا.

ويرى أن سرفانتس في روايته "دون كيخوته" هو المؤسس الحقيقي للرواية الأوروبية وبالتالي لتشكيل المناخ الثقافي لأوروبا في الأزمنة الحديثة - أكثر من ديكارت الذي أسس فلسفته على أنقاض المؤسسة الدينية الغاربة وثقافتها الدينية الغيبية حيث طرح "الأنا المفكر" في مواجهة الكون وحيداً مضاداً كلياً للفكر الديني المسيحي الذي يرى الإله مهيمنا على كل شيء - هذا الموقف الديكارتي اعتبره هيجل فيما بعد موقفاً بطوليا وهو كذلك بالفعل إذ أن سطوة المقدس رهيبة ولا حدود لها.

لقد تفتت المطلق إلى أجزاء صغيرة هي أنوات لا حصر لها ، الأمر الذي جعل من الحقيقة أمراً نسبياً بعد أن كان مطلقاً. وهذا قاد كما يقول كونديرا إلى حكمة اللايقين والتي هي جوهر الرواية الأوروبية.

ويتساءل كونديرا: ما الذي تريد أن تقوله رواية سرفانتس الكبرى؟.

هناك فيض من الكتابات حول هذا الموضوع ، منها ما يزعم أنه يرى في هذه الرواية نقداً عقلانيا لمثالية دون كيشوت الضبابية ، وأخرى ترى فيها تمجيداً لهذه المثالية ذاتها - وهذان التفسيران خاطئان لأنهما يريدان أن يريا في أساس الرواية موقفا أخلاقياً متحزبا - وليس تساؤلا وهو أساس الرواية.

ويستطرد كونديرا معلقا على هذه الفكرة: يتمنى الإنسان عالماً يمكن فيه تمييزالخير والشر بوضوح كامل لأن في أعماقه رغبة فطرية لا فكاك منها في الحكم على الأمور قبل فهمها ، وعلى هذه الرغبة قامت الأديان والإيديولوجيات.

انها لا يمكن أن تتصالح مع الرواية إلا إذا ترجمت لغتها النسبية الغامضة إلى خطابها العقائدي والقاطع أنها تطلب أن يكون ثمة أحدَ على حق. فإما أن (أنا كارنينا) ضحية مستبد محدود العقل وإما أنه خلاف ذلك ضحية لزوجة خائنة ، إما أن جوزيف (في رواية المسخ لكافكا) البريء ، مسحوق تحت وطأة محكمة ظالمة وإما أن العدالة الإلهية تختبئ وراء المحكمة وهكذا فان كافكا مذنب.

تتضمن هذه (الإما وإما) العجز عن تحمل النسبية الجوهرية للأشياء الإنسانية. العجز عن غياب الحاكم المطلق وجها لوجه. ومن الصعب بسبب هذا العجز قبول وفهم حكمة الرواية كحكمة اللايقين.



الفكاهية وتاريخها واثرها في الرواية

يقول اوكتافيو باز: لم يعرف هوميروس ولا فيرجيل الفكاهة وهي لم تتشكل إلا مع سرفانتس ويضيف بأن الفكاهة هي الابتكار العظيم للروح الحديثة ، وهي ليست ممارسة عريقة للإنسان ، ولكنها ابتكار مرتبط بولادة الرواية الأوروبية ، وليست الفكاهة إذن هي الضحك والسخرية والهجاء وإنما نوع خاص من الهزل - في رأي باز - هو المدخل لفهم جوهر الفكاهة ، ويلخص باز ظاهرة الفكاهة كما يلي: أنه - أي جوهر الفكاهة - يجعل كل ما يلمسه غامضاً.

يعود كونديرا إلى روائي أسمه (رابليه) ويعتبره مؤسسا لظاهرة الفكاهة بالإضافة إلى سرفانتس. رابليه في نظر كونديرا يعتبر الملهم لروائيين كبار مثل سلمان رشدي في روايته (آيات شيطانية) حيث استوحى الأجواء الفانتازية المرحة التي يقوم بها بطل رابلية المسيحي بانورج. وبالمناسبة فان كونديرا دافع عن رشدي عندما ثارت عاصفة آيات شيطانية وحيث أصدر الخميني حكما بإعدام رشدي. ويقول كونديرا بأن رشدي لم يجدف ضد الإسلام وانما كتب رواية ذات طابع فانتازي غير جدي والذي يضمه المشهد الأول للرواية حيث نرى بطلا الرواية جبريل فاريشا وسالادين شامشا بعد انفجار طائرتهما في الجو وهما يثرثران ويغنيان ويتصرفان بطريقة هزلية وغير متوقعة بينما من فوقهما وخلفهما وتحتهما في الفضاء ، تطفو مقاعد بمساند قابلة للطيّ (مقاعد الطائرة المنفجرة) وأقداح من الكرتون وكمامات أوكسجين.. الخ. ويقول كونديرا: يريد رشدي بهذا أن يقول للقارئ منذ البداية بأن ما يروى هنا ليس جديا حتى لو كان الجو مخيفاً.

بهذا التوضيح دافع كونديرا عن رشدي ضد فتوى الخميني آنذاك. وفي نفس الوقت فان كونديرا شن حملة على مثقفي أوروبا والهيئات الثقافية والإعلامية فيها لأنهم وأن كانوا قد أكدوا على حرية الإبداع ، إلا أنهم خذلوا الرواية في رأيه وخذلوا أنفسهم حيث أنهم لم يفهموا الرواية ولم يقرؤوها أصلا ، واكتفوا بجانب الإدانة التي تمس المشاعر الدينية.

ويذهب كونديرا بعيدا هنا ، ليؤكد أن هذا الموقف عموماً قد طعن حداثة الغرب في الصميم ، وطعن جوهر الرواية باعتبار أن أوروبا هي ابنة الرواية كما قال الروائي الفرنسي سيلين ذات مرة وكنديرا يتبنى هذا الرأي.

ان موضوع آيات شيطانية والعاصفة التي هبت بشأنها هو موضوع قديم يعود إلى أكثر من خمسة وعشرين عاماً ، ولكن الموضوع ظل في جوانبه الدعائية والعامة ولم يتم التطرق إلى الرواية نفسها (أظن أن د. صادق جلال العظم دافع عن الرواية بشكل ما) وما أريد أن أقوله هنا بأن كونديرا دافع عن الرواية باعتبارها نوعا من الفانتازيا المستوحاة من أجواء رابلية - أحد مؤسسي الفكاهة والفانتازيا كما أسلفنا القول - ولكن - ونفترض هنا حسن النية لدى كونديرا - يبدو أن كونديرا لا يعرف شيئا عن تاريخ الإسلام ولا يعرف شيئا عن الرموز الجليلة والمقدسة لهذا التاريخ. فسلمان رشدي - ونظن أنه قصد هذا - عمد إلى استخدام أربعة أسماء يشكل كل منها أسما مقدسا أو شبه مقدس - جبريل - سالادين أي صلاح الدين - عائشة - وتحوير اسم محمد ليصبح (ما هو ند) - وهو اسم التحقير الأوروبي لاسم محمد. رشدي يورد هذه الأسماء بخفة وفي معرض الفكاهة والمسخرة - جبريل ينتهي به الأمر إلى تمثيل فيلم فكاهي سيىء - أما عائشة في الرواية فهي أشبه بالغولة رغم جمالها وفتنتها تقود جموعا إلى البحر للموت غرقاً.

نفترض أن كونديرا لا يعرف حساسية هذه الرموز كونه غير مطلع على تاريخ الإسلام ، ولكن من المؤكد أن رشدي الخبيث وهو من أصول إسلامية - يعرف هذه الرموز ومدى الحساسية التي يثيرها وضعهم في أوضاع فانتازية.. أن رشدي لم يكن بريئا وبالتالي فان رد الفعل كان متوقعاً.



كونديرا وكافكا

يتحدث كونديرا عن كافكا كأنه توأمه ، فمن ناحية أولى هما من أسرتين يهوديتين وولدا في نفس المدينة براغ - لا يذكر كونديرا شيئا عن هذا ولكنه يتحدث عن كافكا باعتباره من أهم الروائيين عبر العصور ولا يبدو أن كونديرا مهتم بأن كافكا كان يهوديا ، وأيضا لا تلمس في روايات كونديرا يهوديته أو أي انتماء من أي نوع لليهودية أو الصهيونية أو إسرائيل فهو برئ فعلا من هذه الناحية وان كان قبل جائزة من إسرائيل قبل حوالي عقدين من الزمان - شكرهم على الجائزة لكن ليس أكثر من ذلك.

أما حديثه عن كافكا فيأخذ طابعاً فكريا فلسفيا لا علاقة له من قريب أو بعيد باليهودية أو الصهيونية.



ما هي الكافكاوية؟

يقول كونديرا: الكافكاوية ليست مصطلحاً سوسيولوجيا أو سياسياً - لقد فسرت روايات كافكا باعتبارها نقداً للمجتمع الصناعي والاستغلال وللاستغراب والأخلاق البورجوازيه وبإيجاز للرأسمالية - لكننا لا نعثر في عالم كافكا على أي شيء تقريبا مما تنطوي عليه الرأسمالية - ليس فيه المال وسلطته ولا التجارة ولا الملكية والملاك ولا صراع الطبقات كما أن الكافكاوية لا تستجيب لتعريف الشمولية فليس في رواياته الحزب ولا الأيدلوجية ومفرداتها ولا السياسة ولا الشرطة ولا الجيش.

يلخص كونديرا جوهر الكافكاوية كما يلي:

يبدو أن الكافكاوية تمثل قوة كامنة أولية في الإنسان وعالمه وهي قوة كامنة غير محددة تاريخيا ، ترافق الإنسان حتى الأبد تقريباً.

بهذا يكون كافكا بعيدا عن يكون صهيونيا كما استنتج بعض النقاء والباحثين العرب - ولعل تخصيص معهد لدراسة كافكا في الجامعة العبرية في القدس قد أوحى بهذا الانطباع - ومن المؤكد أن كافكا لم يكن صهيونيا.



خلاصة عامة

ان هذه الأفكار والتأملات حول الرواية الأوروبية ونشأتها ستقودنا مباشرة إلى التساؤل عن الرواية العربية والتي كانت بشكل ما تقليدا للرواية الغربية ، ان المسألة الجوهرية لدى المقارنة هي أن الرواية الأوروبية لم تستطيع أن تشق طريقها إلا بعد انحسار أجواء القرون الوسطى بأجوائها الدينية الضاغطة - إذ كان من المستحيل أن تظهر الرواية في الأجواء الصارمة لتعاليم الكنيسة ورجال الدين وأولها أن الفكاهة والدين متعارضان (عالج ذلك امبرتو ايكو روايته اسم الوردة).

لقد ساهمت الرواية الأوروبية في إشاعة أجواء الحداثة في أوروبا كما يكتب كونديرا - ولكن ما ساعدها على الظهور والتفتح هو انفتاح الأجواء وضمور المقدسات والممنوعات.

فهل تحظى الرواية العربية بتمثيل هذه الأجواء؟ هل تم انجاز الحداثة العربية بدءاً بتحديث الدين وإلحاقه بروح العصر؟.

لم يحدث ذلك حتى الآن إلا بوتائر تكاد لا تكون معروفة إلا لبعض النخب.

وهكذا فان الرواية العربية تكتب في ذات الأجواء التي يحظر فيها التعرض إلى التابوهات المعروفة: الدين والسياسة والجنس.

لقد تم بعض الاختراق بطبيعة الحال ولكن الاجواء لا تزال هي اجواء القرون الوسطى بشكل عام حيث تسير الأجواء إلى مزيد من الانغلاق وسيادة روح الخرافات.

ثمة تقدم في مكان ما يقابله تراجع أشد وأعمق في كل مكان.. وهذا ما يجعل مهمة الروائي العربي محفوفة بالمخاطر اذا كان يهدف إلى أن تكون روايته جزءاً من عملية التحديث وفتح الآفاق المغلقة.

لقد انتبه بعض الروائيين العرب إلى هذه المسألة إذ في حديث للروائي الجزائري واسيني الأعرج في مجلة أخبار الأدب المصرية - العدد قبل الأخير - قائلاً بأنه لم يبق إلا الرواية لتمرير أفكار حداثية بعيدا عن رقابة البوليس الديني والايديولوجي.