تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : محمود البريكان.. في عزلته الماسيّة



رذاذ عبدالله
3 - 1 - 2011, 10:27 AM
«حارس الفنار» منتظراً سفينة الأشباح في ظلمة الرؤيا

محمود البريكان.. في عزلته الماسيّة

د. حاتم الصكَر





http://www.iraqup.com/up/20110103/Gn6NK-x84o_307668603.jpg (http://www.iraqup.com/)





يصدق كثيراً وصف (حارس الفنار) للتعبير عن حالة الشاعر الراحل محمود البريكان (البصرة 1931- 2002) رغم أن القصيدة المعنونة بذلك تعود إلى مراحل العزلة الأولى الطويلة التي عاشها، حتى عُرف بأنه الصامت الأشهر في الشعر العراقي، وأنه المعتزل المستوحد طوعياً، لكنه في الآن نفسه يطل على العالم من معتزله، ويراقب دقائق المشهد الحياتي والثقافي وتفاصيلهما بدقة يعرفها مَن عرفه عن قرب، أو أتيح له لقاؤه وقراءة ما لا ينشر من نصوصه.

لكن الملفت هو أن قصيدة “الزائر المجهول” المكتوبة في عقود تجربة البريكان الأولى تصف حالته لا كما عاشها فحسب، بل كما توقع لها من نهاية، فهو سيموت مغدوراً قتيلاً دون سبب في موضع عزلته ذاتها، ومن زائر مجهول كما اتضح في التحقيقات حول مقتله، فتح له الباب بنفسه وكأنه على موعد معه.. موعد لخّصه سؤاله القلق المقلِق في القصيدة ذاتها:

... متى يجيء



الزائر المجهول
أوقدتُ القناديل الصغارْ

ببقية الزيت المضيء

فهل يطول الانتظار؟

كان الشاعر ينتظر زائراً يأتي (بلا خطى ويدق دقته على الباب ويدخل في برود) وهو التصور ذاته الذي سيكرره في إحدى قصائد مجموعة (عوالم متداخلة) وهي قصيدة (الطارق) المكتوبة عام 1984 التي تحكي عن زائر متخف أو رسولٍ من الغيب ينتظره الشاعر ويتوقع دقاته على الباب، في يقين غريب هو جزء من نبوءة عجيبة بالقدر المحتوم الذي سيلاقيه من بعد:

“.. على الباب نقرٌ خفيف / على الباب نقرٌ بصوت خفيض/ ولكنْ شديد الوضوح

يعاود ليلاً أراقبه. أتوقعه ليلة بعد ليلة / أصيخ إليه بإيقاعه المتماثل

يعلو قليلاً قليلاً /ويخفت/ أفتح بابي/ وليس هناك أحد. / مَن الطارق المتخفي؟ ترى؟/

شبحٌ عائد من ظلام المقابر؟ / صيحةُ ماضٍ مضى وحياة خلت/

أتت تطلب الثأر؟/ روحٌ على الأفق هائمة أرهقتها جريمتها

أقبلت تنشد الصفح والمغفرة؟ /رسولٌ من الغيب يحمل لي دعوة غامضة”.

الزائر المجهول

ولعل هذا الطارق الليلي المفاجئ هو ذاته (الزائر المجهول) الذي كان ينتظره حارس الفنار، منهياً عزلته الفنارية المتميزة بتعاليها على الأشياء حد رؤيتها بوضوح واسترجاع ماضيها والتنبؤ بمصيرها، وبمصيره أيضاً المعبر عنه بدعوة غامضة يحملها الزائر القادم، وهي ما سماها الشاعر في (حارس الفنار) اللحظة العظمى حيث ينغلق المدار وتجمد الساعة.

وكان أن جاء هذا الزائر مقتحماً وحدة البريكان وعزلته، والغريب أن ذلك كله حصل في غموض وسرّية كما توقع الشاعر، وبات حتى اليوم لغزاً محيراً، فكأنه يكمل وجوده الهامشي واحتمال الحياة أو إمكان وجودها في الذكرى الغائبة أو الغياب الحاضر، تماماً كحضور البريكان نفسه بقوة في الشعرية العراقية رغم انسحابه من الظهور الرسمي والنشر واستراحته للعزلة.

تنقسم القصيدة إلى ثلاثة مقاطع تفصل بينها حدود طباعية، ويمكن التعرف عليها بدلالاتها؛ فالقسم الأول يمثل انتظار الزائر والتهيؤ للقائه، لكن النظر إلى البحر من الفنار- وهو مكان مراقبة السفن وإرشادها قريباً من الساحل - لا ينبئ عن مجيئه، فالأفق خال: لا ظل سفينة ولا علامة للرحيل. هكذا ينتهي المقطع الأول؛ لنشهد في الثاني حركة انهيار لعالم ساكن تبدأ بالفعل (سقطت) بينما تسود الرياح فراغ العالم، فيتذكر الحارس عالمه الذي يتيحه المنظور الفناري: الموتى بداء الوهم، والسفن الغرقى بنا تحمل من كنوز وحيوات وعيون وجدائل ونياشين وأسلحة القراصنة في القاع. إنه (الشاهد الحي الوحيد) الذي ينقل ما يراه في طوفان الانهيار أمامه: آدم تعيساً والمدن مهدمة والأرواح مشوهة والغزاة يضجون بأبواقهم في الليل، وما يظل سوى دمعة لا تُرى، تختزنها الروح ولا تسيل.

وينقلنا المقطع الثالث الأخير إلى النهاية أو القرار، فهو مقطع زمني يبدأ بعبارة تتكرر في الجمل الشعرية الثلاث (الوقت أدرك) دون ذكر ما سيحين بإدراكه، وهو الموت الذي يزيد مهابة ورعباً بعدم ذكره، تماماً كالزائر المنتظَر ذاته. وهنا فقط لا يكون الحارس المنعزل وحيداً (لستُ وحدي) فقد حضرت النهاية، وكل شيء يشي بها، فالرؤى تمت وانغلق المدار وانسد الأفق الذي يراقبه من فناره، وبرزت النهاية على الجدار حيث الساعة السوداء يتأرجح رقّاصها يميناً ويساراً، ثم يستقر إلى اليسار مرتين؛ لتنتهي القصيدة بانتهاء الزمن. ولا شك أن ميل الرقاص القلق إلى اليسار يعني اختياره جهة القلب الذي سيتوقف بتوقف الساعة، ما يعني انتهاء الحياة ذاتها.

البعد الفلسفي في الرؤيا

أثّرت قصيدة البريكان تلك بوضوح في توصيف حالته، وسرتْ عدواها كمعالجة ميتافيزيقية للمصير الإنساني إلى مجايليه الخمسينيين أيضاً؛ فكتبوا عن زائر يطرق الباب بهدوء وينتزع الكتاب (الزائر الأخير لعبد الرزاق عبد الواحد) وزائر بخطى مثقلات برصاص العمر (سعدي في بطاقة زيارة) كما صارت علامة تختزل البريكان نفسه الذي بدأ مع جيل الرواد، لكنه خمسيني المزاج والرؤية والأسلوب، وميزته بينهم أنه مستريح لعزلته التي اختلفت تفسيراتها، رغم شيوع خوفه المفرط ورهابه من النشر بسبب الأخطاء أو زهده به وتقطع نشره لفترات، كما لاحظ السياب نفسه في حديث عن البريكان.

لكنني كلما تأملت إصراره على العزلة مع معايشته الحياة ومراقبة الخارج أحيل تلك العزلة إلى همّ كوني وفلسفي تحديداً لا تستوعبه القصيدة، وقد كشف عن ذلك في محادثته الشهيرة مع الشاعر البصْري حسين عبد اللطيف عام 1970 حين اعتبر (التمثل الخاص للتغير في الزمن وقلق المصير) هما دوافع الكتابة الشعرية وغرضها، دون أن يغفل جدلية الموت والحياة وما سماه (التوتر) بينهما، وهذا ما تؤكده قصيدة حارس الفنار بمقاطعها الثلاثة: الانتظار - القيامة - المصير. فهي تحتشد بمفردات تلك العلاقة المتوترة التي تصل حد تشبيه الشاعر لها بالقول: (يبدو الوجود/ كالقوس مشدوداً) لكن فنارات العالم تسقط مطلع القسم الثاني دون صوت، هكذا في غموض وخفوت كالجريمة. فحدث الموت في نهاية الأمر قتل غير مرئي كما كانت شعرية المتنبي تسميه، وهو قادم متخف أيضاً وسارق دقَّ شخصه عنده، يسعى بلا قدم، ولا ترده السيوف والرماح التي يعدها البشر فتقتلهم (المَنون بلا قتالِ). ولعل في هذه التداعيات النصية ما يوحي بآباء نص حارس الفنار الشعري، لكن التصادم الأزلي بين الموت والحياة ذو رسّ فلسفي ومرجعية تأملية دون شك، ما جعل الشاعر يستعيد مصائر سابقيه عبر حديث الحارس عن الموتى وسفنهم وأشيائهم الجميلة والثمينة الغارقة في القاع، ولا شك أنه يطارح هنا فكرة ميتافيزيقية عن الموت والحياة؛ فكأن الحياة حلم أو ذكرى تتبادل الأدوار مع الغياب في اليقظة أو مع اليقظة في الغياب، ويركز فكرة العيش في ظل الحياة أو ذكراها لا الحياة نفسها.

ويؤازر هذا التصور الميتافيزيقي تصميم قصدي لتوزيع الكلمات والأبيات على السطح الكتابي، مما يهب المفردات والتراكيب وجوداً خاصاً يفرض أعرافه عند التلقي، كما هو عند الكتابة، متجاوزاً متطلبات خطّية البيت الشعري أو إيقاع الوزن، بالحرص على توزيع كلماته في الأسطر الشعرية ووضع النقاط في أماكنها، وحرصه على مساحات البياض. واعتماد الجملة الشعرية لا التقطيع الوزني؛ فيكتب كما تشاء الدلالة لا كما يفرض الوزن، وتغدو الجملة الشعرية بديلاً في قصائده عن البيت أو السطر الشعري، وهذا يفسر وجود جملتين معاً في سطر واحد كقوله في القصيدة مثلاً (إن الرؤى تمت. وإن الأفق يوشك أن يدور).

يبدو الشاعر في مرحلة حارس الفنار كلها سارداً فاعلاً ومراقباً يروي بشخصه وضميره النحوي؛ فتعود الأفعال إليه من البداية (أعددتُ/ هيأتُ/ أوقدتُ..) وهذا يسهم في تلون القصائد بغنائية عالية وموسيقى شعرية ضاجة تبرز فيها القوافي التي ستخف في المراحل اللاحقة، كما يبتعد الشاعر كذات ساردة وفاعلة إلى ناقل محايد لخبر. وهذا ما تبرزه قراءة بلورات عوالم متداخلة وقصائدها القصيرة الشبيهة بحكم مختزلة دون عائدية لسانية على المتلفظ.. فتلاشت الغنائية، وخفّت الأوزان الشعرية واختفت القوافي تماماً؛ فبدا بعضها وكأنه نثر مرسل.

أعددت ُ مائدتي.. وهيأتُ الكؤوسَ.. متى يجيءُ

الزائرُ المجهول؟

أوقدتُ القناديل الصغيرهْ

ببقية الزيت المضيء

فهل يطول الانتظار؟

أنا في انتظار سفينة الأشباح تحدوها الرياح

في آخر الساعات. قبل توقف الزمن الأخير.

في ظلمة الرؤيا.

... سقطت فنارات العوالم دون صوت.

الرياح هي بعد سيدة الفراغ. وكل متجه مباح.

..أتذكر المدن الخفية في البحار

أتذكر الأموات. والسفن الغريقة. والكنوز

وسبائك الذهب المصفى، والعيون اللامعات

وجدائل الشعر الجميلة في القرار

منثورة، وأصابع الأيدي المحطمة النحيلة

مفتوحة لا تمسك الأمواج.

في القاع، تنتثر النياشين الصقيلة

وتقر أسلحة القراصنة الكبار.

يا طالما أسريت عبر الليل، أحفر في القرار

أستنطق الموتى. أرى ما كان ثم َّوما يكون

... الوقت أدرك

رعشة في الريح تعكسها الصخور

الوقت أدرك

موجة تنداح من أقصى العصور

الوقت أدرك

لست وحدي

إن الرؤى تمت

وإن الأفق يوشك أن يدور.

أنا في انتظار اللحظة العظمى

سينغلق المدار

سينغلق المدار

والساعة السوداء سوف تشل، تجمد في الجدار

أنا في انتظار

والساعة السوداء تنبض- نبض إيقاع بعيد -

رقاصها متأرجح قلق يميل إلى اليمين

إلى اليسار

إلى اليمين

إلى اليسار

إلى اليسار.