تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : (الخليج) أمير تاج السر: كتابة الرواية أصبحت "موضة"



رذاذ عبدالله
3 - 1 - 2011, 10:42 AM
يؤكد أننا نعيش عصر فوضى النشر

أمير تاج السر: كتابة الرواية أصبحت "موضة"




http://www.iraqup.com/up/20110103/thf88-S6IG_118903553.jpg (http://www.iraqup.com/)





أعلن الروائي السوداني، أمير تاج السر، إن ما تعانيه الرواية العربية الآن ليس أزمة نشر لكنها مشكلة كتابة، فالكل صار يكتب روايات، من ربات البيوت إلى عمال ترميم الشوارع وصارت أكتاف الكتب تصطدم بعضها بعضاً في تلك السكة، ووسط هذا النزيف الطباعي يقف القارئ يتلفت في ذعر ثم يفر بلا رجعة .

في حواره مع “الخليج” يشتبك تاج السر الذي دخلت روايته “صائد اليرقات” في القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية مع واقع الرواية العربية اليوم ووقوفها في مفترق الطرق على حد تعبيره .

كيف تشخص حالة الرواية العربية اليوم؟

حتى وقت قريب كانت كتابة الرواية ونشرها وعثورها على قارئ، يحاورها بصبر ويغوص فيها، مسألة في غاية الصعوبة، فوسائل النشر محدودة، ولا تحتفي إلا بأسماء بعينها، ولا تود إضافة الكتّاب الجدد مهما تكن موهبتهم، وكان الذي يبتلى بمرض الكتابة يحمل نصه المكتوب بخط اليد ويدور به من جهة رافضة إلى أخرى، وربما ينتهي به الأمر إلى نسيانه أو توزيعه على أصدقائه لكن في الوقت الحالي اختلف الأمر، فالنشر الإلكتروني، وتعدد المواقع الثقافية التي تنشر كل شيء بلا تدقيق، ومع انتشار الفيس بوك والتويتر والنت لوج أصبح من السهل أن يصبح كاتب خواطر مبتدئ في قرية “حجر العسل” في شرق السودان صديقاً افتراضياً لأمبرتو إيكو لذلك أرى أن الرواية لا تعاني اليوم من أي أزمة نشر، فالفرصة باتت متاحة للموهوبين وغير الموهوبين، لكن المشكلة التي تعانيها الرواية هي مشكلة كتابة، فالكثيرون يكتبون كل يوم لكن القليل من هذا المكتوب يمكن أن يقال عنه إنه راوية .

والمشكلة الأعمق التي تواجهها الرواية الآن هي التلقي، فما دامت الرواية وصلت إلى هذا المستوى فإنها بالطبع لن تجد قراءة وهكذا سيفر القراء من الرواية كما فروا قبل ذلك من الشعر .

الكل يكتب رواية الآن هل هذا في صالح الرواية أم ضدها؟

هذا غالباً ضد الرواية فهي صارت موضة، فربات البيوت وهن يطبخن يكتبن الرواية والخادمة تغلق باب حجرتها في المساء لتكتب رواية، وهي واقعة حقيقية رأيتها، وهذا الإقبال على كتابة الرواية يخيفني من أن تحدث لها هزة، كما حدثت هزة الشعر، فالشعر أسهم أهله في انهياره، فالقصائد التي كتبت في السنوات الأخيرة تقوض بنيان الشعر، وانتشار الرواية الآن فيه شيء من التقليد، وعدم الدراسة، والظن بأن كتابة الرواية ستجلب له الشهرة .

هذا الانتشار ظاهرة لها أسباب وظروف كثيرة محيطة بها، وأنا كقارئ أدخل المكتبات فأجد عناوين كثيرة وجذابة، أشتريها لكنني لا أستطيع استكمال قراءتها لمستواها غير الجيد، حتى النقاد أنفسهم لا يستطيعون أن يلاحقوا هذا التزايد المستمر في الكتابة الروائية .

قلت إن جيلك أسهم في تعقيد الكتابة الروائية وتقليص عدد متلقيها . . كيف حدث ذلك؟

نعم جيلي خفض من شعبية الرواية، وخصوصاً أنها كانت فناً جديداً إلى حد ما في الوطن العربي، وكانت قد بدأت في استقطاب جماهير الشعر، لأن الرواية بسعيها إلى الابتكار في اللغة والشكل أغفلت المتلقي الذي كان منهمكاً في الحكايات السلسة، ولا يحتمل تعقيداً لحياته أكثر مما هي عليه، فهو يريد التخفف من أعبائه، باختصار هو يريد كتاباً سلساً ومسلياً قبل أن ينام، لابد أن يفتح رواية فيجد عبارة مثل “لا يعرف أحد بالتحديد متى بدأت عقارب الإغاثة تتلوى في رمال توجار”، فالقارئ لا يزال يريد الدخول إلى حارة غاصة بالبشر، أو يعيش في الريف كبطل الرواية ويستعيد معه بعض ذكرياته، ويريد أن تكون علاقات شخوص الرواية واضحة بلا أغطية، أي أن هذا الجيل عقد الكتابة أمام القارئ، فكان من الصعب أن يخرج من بين أبنائه كاتب ذو شعبية جارفة مثل نجيب محفوظ أو الطيب صالح .

على الرغم من مواقف القراء فإن النقاد استقبلوا الكثير من أعمالك بالحفاوة ك”زحف النمل” و”توترات القبطي” و”صائد اليرقات” هل ترى أن النقد أنصف الرواية السودانية؟

اهتم النقاد بتجربتي لكن بشكل عام الرواية السودانية لم تأخذ حظها من النقد والاهتمام وظلمت كثيراً، لكنها الآن بدأت تظهر قليلاً، لكن قبل ذلك كان الأدباء السودانيون يكتفون بالطبع والنشر المحلي وربما لأنني أعيش خارج السودان اهتم كثيرون بتجربتي، وقد بدأت دور النشر العربية تهتم بالأدب السوداني وصار الأدب العربي مطلوباً الآن في أوروبا، فدور النشر الأوروبية تراسلنا وتطلب إنتاجنا الأدبي، لكن أتوقع خلال السنوات المقبلة أننا سنجد كتباً وروايات سودانية مطبوعة بصورة جيدة ومنتشرة في الأسواق .

الوضع السياسي الحالي في السودان وما يكتنفه من توتر هل أثر في تجربتك الإبداعية؟

أقيم خارج السودان ولا أدري ماذا يحدث بالنسبة للثقافة في الداخل، لكن لم يمنع أحد كتبي، بالعكس أنا شخصيا يحتفى بي رسميا عندما أذهب إلى السودان ولا أشعر بأي قمع، لكن لا أعرف ماذا يحدث في الحياة الثقافية في السودان .

معايير الكتابة تفرض طريقة التعامل معها، ليس في السودان فقط لكن في أي مكان، فالكاتب في أي مكان يكتب لابد أن يكون لديه رقابة داخلية حتى في أوروبا رغم وجود حرية كاملة، لكن الكتابة التي نسميها العارية والفضائحية لا مجال لها في أي مكان .

أنا شخصيا لا أكتب هذا النوع من الكتابة ولا أحب الكتابات المباشرة ولا أعرف كيف يتم التعامل مع ما يكتبه غيري .

لك تجارب مبتكرة في توزيع كتبك ورواياتك ماذا عنها؟

حدث في بدايتي منذ أكثر من عشرين عاماً أن صعدت إلى أتوبيس ووزعت إحدى روايتي على الركاب، وكان ذلك حتى أفك الرهن على ساعتي “الرولكس” وهذه الساعة عندما رهنتها استطعت أن أنشر أول كتاب وبعد أن نشرت كتابي استعدتها، فهذه الساعة ساعدتني كثيراً، وربما لو لم يكن لدي هذه الساعة ما استطعت نشر كتابي، والسير في طريق الأدب .

قلت إن الكتابة تصيبك بالكآبة كيف؟

الكتابة بالنسبة لي تعذيب، فأكثر الأيام كآبة عندي هي الأيام التي أكتب فيها لأني لا أنام بصورة كافية ولا أتعامل مع أسرتي تعاملاً راقياً، ويحتشد ذهني بالفكرة التي أكتبها ولا أستريح إلا بعد أن أنتهي مما أكتب .

فأنا حينما أعثر على بداية الخيط أستمر في الكتابة بشكل يومي، وأكتب نحو ألف كلمة في اليوم من دون تخطيط، وعندما أكتب هذا العدد من الكلمات أتوقف تماما عن الكتابة فأشعر بإرهاق .

وأحيانا في عطلة نهاية الأسبوع أكتب ألفي كلمة وفي اليوم التالي لا أكتب شيئا، فأنا أكره الشد العصبي أثناء الكتابة، والكآبة التي ترافقها والانحسار الاجتماعي الذي يصيبني وانعزالي عن أسرتي، وأيضا أتوقف عن القراءة تماما في فترة الكتابة .

وما أكثر رواياتك التي استمتعت وأنت تكتبها؟

روايتي “صائد اليرقات” كنت مستمتعاً وأنا أكتبها وهذه الرواية بالتحديد لم تصبني بأي حالة كآبة، لذلك ربما حالفها الحظ، واحتفى بها النقاد والجمهور، لكن المسألة نسبية، فالبعض أعجبه روايتي “العطر الفرنسي”، وآخرون أعجبهم “بحر الصياح” والبعض مثلا أشاد بنص “نهر الزغاريد”، وهو نص تجريبي كتبته في بدايتي، وعموماً القراءة أذواق لكن لا أدري لماذا كان هناك شبه إجماع على محبة “صائد اليرقات” .

إلى أي مدى ترى أهمية التجريب في النص الروائي؟

في بداية حياتي كنت أكتب نصوصاً تجريبية، إلى أن وصلت إلى صيغة أوازن فيها بين الشعر والسرد، وأصبح لي أسلوبي في الكتابة الآن، وأستخدم التجريب في التقنية وليس في الأسلوب، فكل رواية تأتي بتقنيتها الخاصة، لكن أسلوبي هو المزج بين الشعر والسرد .

البعض يرشحك لملء الفراغ الذي تركه الطيب صالح كيف ترى ذلك؟

لا أحد يملأ الفراغ الذي تركه الطيب صالح، ثم إنني لست متفرغاً كالطيب صالح فأنا طبيب، لا أستطيع السفر متى أشاء وأتعيش من الطب، أما الكتابة فأذهب إليها حينما تأتيني فكرة، فهي عشقي وأنا مصاب بجرثومة الكتابة التي لا شفاء منها .

حالة الانصراف عن القراءة في العالم العربي هل تصيبك بالإحباط؟

في فترة من الفترات كان هناك انصراف عن القراءة، لكن دور النشر نفسها اكتشفت حيلاً وطرقاً للترويج كحفلات توقيع الكتب وغيرها، أيضاً الكتّاب صار لهم أصدقاء عبر النت وهم يقتنون أعمالهم ويناقشونهم فيها .