رذاذ عبدالله
29 - 1 - 2011, 09:21 AM
صوت شعري فارق في القصيدة العربية
محمد الثبيتي يستقي الأمل من رمال الصحراء
إبراهيــم اليوســف
* الملحــق الثقافـــي
http://www.y4yy.net/images/95199946506515604209.jpg (http://www.y4yy.net/)
استطاع الشاعر السعودي الراحل محمد الثبيتي(1952-2011)، وعبر تجربته الإبداعية، تسجيل مكانة رفيعة للقصيدة الجديدة، في بلده بشكل خاص، وفي الجزيرة العربية، بشكل عام، ذلك لأنه من الشعراء الذين يترجم إبداعهم الشعري عوالمهم الروحية، ليكون كل منهما صدى للآخر، وهي مرتبة لا يمكن تحققها إلا لدى من يجنح قصيدته، لتحلق عالياً، وتكاد لا تشبه إلا حرائقه الخاصة، وتضاريس روحه المائزة .
لقد شكلت التجربة الإبداعية للثبيتي ملامحها منذ مجموعته الشعرية الأولى “عاشقة الزمن الوردي” ،1982 ومروراً بمجموعاته التي تتالت بعد ذلك: “تهجيت حلماً تهجيت وهماً” 1984 و”التضاريس” ،1986 وغيرها، كي تكون واضحة الهوية، حيث استطاع خلالها أن يحدد مساره في عالم الحداثة، وهو ما دعا للفت الأنظار إليه بقوة، وينال الجائزة تلو الأخرى، بالرغم من الجحود الذي جوبه به من خلال بعضهم في محيطه الاجتماعي، لما كان يحمله من رؤى مختلفة، وروح إنسانية سامية، قبل أن يكون فارس قصيدة، إذ لم ينخرط في كيل المديح لأحد، وهو ما بدا للعيان عندما تعرض للغيبوبة منذ مارس/آذار ،2009 ولم يكن في مقدور أسرته تأمين نفقات علاجه، أو تأمين ما يلزمها من سبل الحياة الكريمة، شأن أي مبدع حقيقي يكتوي بنار الموقف . كي ينتبه كثيرون من الغيارى- ولو متأخرين- ليطلقوا الصيحات المطالبة بتكريمه وإنصافه، وتخصيص جائزة باسمه، وغير ذلك، وقبل كل شيء وضع حد للعوز الذي تعانيه أسرته، وتأمين مسكن يليق بها، بعد أن سكنت روح الشاعر، وانتقلت إلى باريها .
من الجوائز التي نالها الثبيتي “جائزة نادي جدة” ،1991 عن قصيدته “التضاريس”، وجائزة “عبد العزيز سعود البابطين” 2000 عن قصيدته “موقف الرمال . . موقف الجناس”، إضافة إلى جائزة اللوتس وغيرها، لكي يثير نيله إحدى الجوائز عاصفة سجالات ساخنة، بين مؤيدين لعبقرية موهبته، وناكرين لحضوره الإبداعي، مشككين به، بسبب مواقفه المتفردة، وسلوكه الحياتي الذي ارتآه لنفسه، ولم يحد عنه قيد أنملة .
ولعلّ الأمثلة التي تبين مدى أهمية الشاعر الثبيتي ما يرويه عنه صالح الطريقي حين يورد أن صحافياً في قرطاج طلب من الشاعر محمود درويش إجراء حوار خاص معه، فراح درويش يسأله: من أي بلد أنت؟، وعندما أجابه الصحافي عن سؤاله مسمياً بلده، قال: آها . . من بلد الثبيتي إذاً!، إن هذه الشهادة تكاد تبين- تماماً- مدى حضور روح هذا الشاعر وقصيدته، على نطاق الشعرية العربية، بكاملها، على اعتبار أن درويش كان معروفاً بعدم المجازفة برأيه، لولا أنه يدرك أهمية هذا الشاعر، وها هو لسان حال قصيدة الشاعر الثبيتي يترجم بعضاً من خصال إبداعه:
أمضي إلى المعنى
وأمتصّ الرحيق من الحريق
فأرتوي
وأعلّ
من
ماء
الملام
وأمر ما بين المسالك والمهالك
حيث لا يم يلمّ شتات أشرعتي
ولا أفق يضمّ نثار أجنحتي
ولا شجر
يلوذ به حمامي
أمضي إلى المعنى
وبين أصابعي تتعانق الطرقات
والأوقات
ينفضّ السراب عن الشراب
ويرتمي
ظلي أمامي
إن الكثير من الشهادات التي جاءت على لسان أترابه من المبدعين والنقاد، بعد تعرضه للمرض الذي جعله طريح الفراش، كما جاء ذلك في مقال نشرته صحيفة الرياض لمشعل العبدلي، متناولاً خلاله، بعض ما جاء في أمسية تأبينية للشاعر الثبيتي، من قبل نادي الرياض الأدبي، رافقت أول أيام مجلس عزائه، ومما جاء على ألسنة كثيرين منهم، من بينهم عبد الله الوشمي الذي قال: أن يموت شاعر فكأنما نفتقد شيئاً من الأبجدية، وأن تنتج الأمة شاعراً وعبقرية مثل الثبيتي، فهي تحتاج إلى مدى طويل، ذلك لأنه جسّر العلاقة بين الحداثيين والذوق العام- بحسب إبراهيم الشتوي- في الأمسية نفسها، بل إن معجب الزهراني راح يرى أن محاولة إماتة الشاعر قد تمت من قبل، إذ قال: خسرنا الثبيتي ليس بموته، الثبيتي كسرت روحه منذ فترة طويلة، وأزعم أنه الشاعر المعاصر الوحيد الذي ينافس محمود درويش لو توافر له محيط يدعمه، لا أن يهاجمه . كما رأى محمد خضر أن قصيدة الثبيتي أثرت في جيله وفي من أتى بعده من الأسماء الشعرية، وأنه “استمر في تثبيت حساسيته الجديدة للشعر، وبلغة جزلة وقادرة على الدهشة، دهشة الفن، ودهشة الحياة المليئة بالحزن والإنسانية واجتراح مناطق الشعر في تجربته، فنقرؤه في قصائد باتت شهيرة، ويتناقلها عشاق شعره، كما رأت منى المالكي أننا لا نستطيع الاقتراب من سيرة محمد الثبيتي الشعرية، إلا من خلال معمل لغوي، ورومانطيقي، النزعة تتبدّى فيه أقصى طاقات أناه، وهي تحاول تفسير الحياة” .
إن مثل هذه الشهادات وغيرها كثير، يشكل مقاربة جدّ مهمة من عالم هذا الشاعر الاستثنائي الذي عاش قصيدته، وعاشته القصيدة، دونما اغتراب، يشبه حالة اغترابه الرهيب عن محيطه:
يا أيها النخل
يغتابك الشجر الهزيل
ويذمك الوتد الذليل
وتظل تسمو في فضاء الله
ذا ثمر خرافي
وذا صبر جميل
يا أيها النخل
هل ترثي زمانك
أم مكانك
أم فؤاداً بعد ماء الرقيتين عصاك
حين استبدّ بك الهوى
فشققت بين القريتين عصاك
وكتبت نافرة الحروف ببطن مكة
والأهلّة حول وجهك مستهلة
والقصائد في يديك مصائد
والليل بحر للهواجس والنهار
قصيدة لا تنتمي إلا لباريها
وباري الناي
لقد فهم الثبيتي قوانين دورة الحياة، ما دفعه إلى مواجهة المعادلة التي تربطه بالآخر، كما يشتهي، يحدو روحه العالية تهيامها بلوثة الجمال التي ظلت تبوصلها، وتدفعه إلى ارتكاب فعل الإبداع والحياة الحرة، من دون أن تبالي إلا بنواميسها الخاصة:
أدر مهج الصبح
صب لنا وطناً في الكؤوس
أجل، لم يرض الشاعر الثبيتي أن يعيش أية حالة فصام عن رؤاه، حتى وإن تسبب ذلك في أن ينأى عمن حوله، ويدفع ضريبة ذلك غالية يقول:
اختر هواك على هواك عساك
أن تلقى هناك إلى الطريق طريقا
وامخر صباح التيه منفرداً فما
أحلى الصبا خلا
وما أحلى الصباح رفيقا
فمتى؟
متى كانت ليالي المدلجين خليلة
ومتى
متى كان الظلام صديقا؟
كل هذا دعا الثبيتي إلى أن يكون نسيج نفسه، يصوغ فلسفته الخاصة التي لا يكف عن التعبير عنها، واصفاً حالته، وهو يمعن في تناول الهوة البليغة بينه والآخرين:
ظمآن
تستسقي الرمال
تصوغ من آلامها قدحاً
ومن آمالها إبريقا
أرأيت إذ تمتدّ أعناق الرفاق
إلى المحاق
يلوح في أقصى الظلام
يرونه برقاً . . وأنت ترى بريقا
فارتبت في الأوطان
“لاتحمي العليل من الردى”
وارتبت في الشطآن
“لا تشفي العليل من الصدى”
فذهبت في بحر الجنون
عميقا
إن الشرخ الذي بدا بينه ومن حوله، لم يثن من عزيمته في الاستمرار في التلذذ في خلوته، هذه، ليكون بذلك عالماً أثيراً، يصنعه بنفسه، بالرغم من كل معاناة يدفع ضريبتها، مادام أنه- في نهاية المطاف- حر، يكسر كل صفد أو غل:
ومضيت
لا تلوي على أحد
ولا تأوي إلى بلد
وترمي نحو آفاق من الرؤيا
خطى مغلولة
وهوى طليقا
لقد راح الشاعر يمعن في وصف عالمه هذا، يواصل رسم حالته، وحجم الضريبة المشار إليها:
ماذا هنا للمستجير من الهجير؟
طعامه ورق
ماذا هنا للمستجير من الهجير؟
منامه أرق
ماذا هنا للمستجير من الهجير؟
مدامه موسيقا
إزاء كل ما تعرض له الشاعر من محن شديدة، وهو في موقع الرائي الحقيق، ذي النبوءة، والعراف الذي ينبغي الاحتفاء به، كان يراهن على قصيدته، لأنها كانت رئته التي بها يتنفس، ويواجه كل ما يتعرّض له من عنت وحنق:
مضى شراعي بما لا تشتهي ريحي
وفاتني الفجر إذ طلت تراويحي
أبحرت تهوي إلى الأعماق قافيتي
ويرتقي في حبال الريح تسبيحي
مزمّل في ثياب النور منتبذ
تلقاء مكة أتلو آية الروح
قصائدي أينما ينتابني قلقي
ومنزلي حيثما ألقي مفاتيحي
إن ثقة الشاعر بدوره، ورهانه على قصيدته، ما كان يجعله على الدوام والجاً بوابة الريح، كي تواصل قصيدته في احتلال المكانة التي تليق بها . . وبه:
جئت عرافاً لهذا الرمل
أستقصي احتمالات السواد
جئت أبتاع أساطير ووقتاً ورماد
بين عيني وبين السبت
طقس
ومدينه
وتكاد قصيدة الشاعر، لا تبتعد عن تفاصيل لحظته، بل إنها تعكس كل ما يمتّ إليه بصلة، لتكون تلك المرآة التي تقدمه كما هو يقول في قصيدة الصعلوك:
يفيق من الخوف ظهراً
ويمضي إلى السوق
يحمل أوراقه وخطاه
-من يقاسمني الجوع والشعر والصعلكه؟
من يقاسمني نشوة التهلكه؟
-أنت أسطورة أثخنتها المجاعات
قل لي:
متى تثخن الخيل والليل والمعركه
يفيق من الجوع ظهراً
يتوسد إثفية وحذاء
يطوح أقدامه في الهواء
-من يطارحني قمراً ونساء
- ليس هذا المساء
ليس هذا المساء
ليس هذا المساء
أجل، إن النص يكاد يكون صورة طبق الأصل عن شاعر يستعيد حالة صعلكة الشاعر القديم، ليسرد عوزه وحرمانه مدركاً أن اللحظة الحالية التي يعيشها ليست مرفأه المبتغى، وهو ما يجعله غارقاً في لجة غربته واغترابه:
ما بال هذا النسر كم غنى غناء نابياً حتى
ادلهمّ التيه وانكشفت من البيداء سوأتها
فعاد يمصّ من ظمأ وريده
كم من يد صبت على آثاره وطناً رمادياً
إنه يضع أصبعه على الجرح، ويدرك أن غناء النسر هو السبب في ما آل إليه، من مصير مفجع .
واضح أن الثبيتي الذي كتب قصيدة العمود والتفعيلة، في آن واحد، وكان من رواد التجديد في الشعر السعودي والخليجي، استطاع أن يفهم جوهر الحداثة - ولا سيما في نصوصه الأخيرة - وإن كان حتى في نصوص العمود التي كان يكتبها، يبدو مشغولاً بتحديث نصه، من خلال استخدام لغة جديدة، بل وصورة جديدة، كانت تظهر في قصيدته التي يعنى بإيقاعها، لدرجة أن بعض قصائده كان غارقاً في غنائيته، بل إنه كان مدفوعاً بهاجسه الحداثي، يتخير عناوين قصائده على نحو مختلف، وهو ما دعا عبد العزيز المقالح أن يعده “من المبدعين القلائل الذين يكتبون شعراً حقيقياً، ولا يفتؤون يبحثون في تراب اللغة عن ذهب يصلح لكتابة القصيدة، كما ينبغي أن يكون بغض النظر عن نسق تركيبها، وهوية شكلها” .
من هنا، وغيره، نستبين أن رحيل الشاعر الثبيتي هو خسارة فادحة ليس للشعر السعودي وحده، بل للشعر الخليجي والعربي، في آن واحد، لما لقصيدته من أهمية كبرى في تجربة الحداثة الشعرية .
هوامش
- الثبيتي شاعر كبير . .لكن روحه كسرت في مجتمع يتنكر للمبدعين- مشعل العبدلي-جريدة الرياض 17-1-110g
- القبض على جمر القصيدة في أعمال محمد الثبيتي-عبد العزيز المقالح- جريدة الحياة
- الشاعر السعودي محمد الثبيتي يصدر “بوابة الريح” مكتحلاً ببهاء التضاريس-محمد خضر
- توقف قلب الشاعر محمد الثبيتي عن الخفقان في يوم الجمعة 14-1-2011 بعد صراع مرير مع المرض.
محمد الثبيتي يستقي الأمل من رمال الصحراء
إبراهيــم اليوســف
* الملحــق الثقافـــي
http://www.y4yy.net/images/95199946506515604209.jpg (http://www.y4yy.net/)
استطاع الشاعر السعودي الراحل محمد الثبيتي(1952-2011)، وعبر تجربته الإبداعية، تسجيل مكانة رفيعة للقصيدة الجديدة، في بلده بشكل خاص، وفي الجزيرة العربية، بشكل عام، ذلك لأنه من الشعراء الذين يترجم إبداعهم الشعري عوالمهم الروحية، ليكون كل منهما صدى للآخر، وهي مرتبة لا يمكن تحققها إلا لدى من يجنح قصيدته، لتحلق عالياً، وتكاد لا تشبه إلا حرائقه الخاصة، وتضاريس روحه المائزة .
لقد شكلت التجربة الإبداعية للثبيتي ملامحها منذ مجموعته الشعرية الأولى “عاشقة الزمن الوردي” ،1982 ومروراً بمجموعاته التي تتالت بعد ذلك: “تهجيت حلماً تهجيت وهماً” 1984 و”التضاريس” ،1986 وغيرها، كي تكون واضحة الهوية، حيث استطاع خلالها أن يحدد مساره في عالم الحداثة، وهو ما دعا للفت الأنظار إليه بقوة، وينال الجائزة تلو الأخرى، بالرغم من الجحود الذي جوبه به من خلال بعضهم في محيطه الاجتماعي، لما كان يحمله من رؤى مختلفة، وروح إنسانية سامية، قبل أن يكون فارس قصيدة، إذ لم ينخرط في كيل المديح لأحد، وهو ما بدا للعيان عندما تعرض للغيبوبة منذ مارس/آذار ،2009 ولم يكن في مقدور أسرته تأمين نفقات علاجه، أو تأمين ما يلزمها من سبل الحياة الكريمة، شأن أي مبدع حقيقي يكتوي بنار الموقف . كي ينتبه كثيرون من الغيارى- ولو متأخرين- ليطلقوا الصيحات المطالبة بتكريمه وإنصافه، وتخصيص جائزة باسمه، وغير ذلك، وقبل كل شيء وضع حد للعوز الذي تعانيه أسرته، وتأمين مسكن يليق بها، بعد أن سكنت روح الشاعر، وانتقلت إلى باريها .
من الجوائز التي نالها الثبيتي “جائزة نادي جدة” ،1991 عن قصيدته “التضاريس”، وجائزة “عبد العزيز سعود البابطين” 2000 عن قصيدته “موقف الرمال . . موقف الجناس”، إضافة إلى جائزة اللوتس وغيرها، لكي يثير نيله إحدى الجوائز عاصفة سجالات ساخنة، بين مؤيدين لعبقرية موهبته، وناكرين لحضوره الإبداعي، مشككين به، بسبب مواقفه المتفردة، وسلوكه الحياتي الذي ارتآه لنفسه، ولم يحد عنه قيد أنملة .
ولعلّ الأمثلة التي تبين مدى أهمية الشاعر الثبيتي ما يرويه عنه صالح الطريقي حين يورد أن صحافياً في قرطاج طلب من الشاعر محمود درويش إجراء حوار خاص معه، فراح درويش يسأله: من أي بلد أنت؟، وعندما أجابه الصحافي عن سؤاله مسمياً بلده، قال: آها . . من بلد الثبيتي إذاً!، إن هذه الشهادة تكاد تبين- تماماً- مدى حضور روح هذا الشاعر وقصيدته، على نطاق الشعرية العربية، بكاملها، على اعتبار أن درويش كان معروفاً بعدم المجازفة برأيه، لولا أنه يدرك أهمية هذا الشاعر، وها هو لسان حال قصيدة الشاعر الثبيتي يترجم بعضاً من خصال إبداعه:
أمضي إلى المعنى
وأمتصّ الرحيق من الحريق
فأرتوي
وأعلّ
من
ماء
الملام
وأمر ما بين المسالك والمهالك
حيث لا يم يلمّ شتات أشرعتي
ولا أفق يضمّ نثار أجنحتي
ولا شجر
يلوذ به حمامي
أمضي إلى المعنى
وبين أصابعي تتعانق الطرقات
والأوقات
ينفضّ السراب عن الشراب
ويرتمي
ظلي أمامي
إن الكثير من الشهادات التي جاءت على لسان أترابه من المبدعين والنقاد، بعد تعرضه للمرض الذي جعله طريح الفراش، كما جاء ذلك في مقال نشرته صحيفة الرياض لمشعل العبدلي، متناولاً خلاله، بعض ما جاء في أمسية تأبينية للشاعر الثبيتي، من قبل نادي الرياض الأدبي، رافقت أول أيام مجلس عزائه، ومما جاء على ألسنة كثيرين منهم، من بينهم عبد الله الوشمي الذي قال: أن يموت شاعر فكأنما نفتقد شيئاً من الأبجدية، وأن تنتج الأمة شاعراً وعبقرية مثل الثبيتي، فهي تحتاج إلى مدى طويل، ذلك لأنه جسّر العلاقة بين الحداثيين والذوق العام- بحسب إبراهيم الشتوي- في الأمسية نفسها، بل إن معجب الزهراني راح يرى أن محاولة إماتة الشاعر قد تمت من قبل، إذ قال: خسرنا الثبيتي ليس بموته، الثبيتي كسرت روحه منذ فترة طويلة، وأزعم أنه الشاعر المعاصر الوحيد الذي ينافس محمود درويش لو توافر له محيط يدعمه، لا أن يهاجمه . كما رأى محمد خضر أن قصيدة الثبيتي أثرت في جيله وفي من أتى بعده من الأسماء الشعرية، وأنه “استمر في تثبيت حساسيته الجديدة للشعر، وبلغة جزلة وقادرة على الدهشة، دهشة الفن، ودهشة الحياة المليئة بالحزن والإنسانية واجتراح مناطق الشعر في تجربته، فنقرؤه في قصائد باتت شهيرة، ويتناقلها عشاق شعره، كما رأت منى المالكي أننا لا نستطيع الاقتراب من سيرة محمد الثبيتي الشعرية، إلا من خلال معمل لغوي، ورومانطيقي، النزعة تتبدّى فيه أقصى طاقات أناه، وهي تحاول تفسير الحياة” .
إن مثل هذه الشهادات وغيرها كثير، يشكل مقاربة جدّ مهمة من عالم هذا الشاعر الاستثنائي الذي عاش قصيدته، وعاشته القصيدة، دونما اغتراب، يشبه حالة اغترابه الرهيب عن محيطه:
يا أيها النخل
يغتابك الشجر الهزيل
ويذمك الوتد الذليل
وتظل تسمو في فضاء الله
ذا ثمر خرافي
وذا صبر جميل
يا أيها النخل
هل ترثي زمانك
أم مكانك
أم فؤاداً بعد ماء الرقيتين عصاك
حين استبدّ بك الهوى
فشققت بين القريتين عصاك
وكتبت نافرة الحروف ببطن مكة
والأهلّة حول وجهك مستهلة
والقصائد في يديك مصائد
والليل بحر للهواجس والنهار
قصيدة لا تنتمي إلا لباريها
وباري الناي
لقد فهم الثبيتي قوانين دورة الحياة، ما دفعه إلى مواجهة المعادلة التي تربطه بالآخر، كما يشتهي، يحدو روحه العالية تهيامها بلوثة الجمال التي ظلت تبوصلها، وتدفعه إلى ارتكاب فعل الإبداع والحياة الحرة، من دون أن تبالي إلا بنواميسها الخاصة:
أدر مهج الصبح
صب لنا وطناً في الكؤوس
أجل، لم يرض الشاعر الثبيتي أن يعيش أية حالة فصام عن رؤاه، حتى وإن تسبب ذلك في أن ينأى عمن حوله، ويدفع ضريبة ذلك غالية يقول:
اختر هواك على هواك عساك
أن تلقى هناك إلى الطريق طريقا
وامخر صباح التيه منفرداً فما
أحلى الصبا خلا
وما أحلى الصباح رفيقا
فمتى؟
متى كانت ليالي المدلجين خليلة
ومتى
متى كان الظلام صديقا؟
كل هذا دعا الثبيتي إلى أن يكون نسيج نفسه، يصوغ فلسفته الخاصة التي لا يكف عن التعبير عنها، واصفاً حالته، وهو يمعن في تناول الهوة البليغة بينه والآخرين:
ظمآن
تستسقي الرمال
تصوغ من آلامها قدحاً
ومن آمالها إبريقا
أرأيت إذ تمتدّ أعناق الرفاق
إلى المحاق
يلوح في أقصى الظلام
يرونه برقاً . . وأنت ترى بريقا
فارتبت في الأوطان
“لاتحمي العليل من الردى”
وارتبت في الشطآن
“لا تشفي العليل من الصدى”
فذهبت في بحر الجنون
عميقا
إن الشرخ الذي بدا بينه ومن حوله، لم يثن من عزيمته في الاستمرار في التلذذ في خلوته، هذه، ليكون بذلك عالماً أثيراً، يصنعه بنفسه، بالرغم من كل معاناة يدفع ضريبتها، مادام أنه- في نهاية المطاف- حر، يكسر كل صفد أو غل:
ومضيت
لا تلوي على أحد
ولا تأوي إلى بلد
وترمي نحو آفاق من الرؤيا
خطى مغلولة
وهوى طليقا
لقد راح الشاعر يمعن في وصف عالمه هذا، يواصل رسم حالته، وحجم الضريبة المشار إليها:
ماذا هنا للمستجير من الهجير؟
طعامه ورق
ماذا هنا للمستجير من الهجير؟
منامه أرق
ماذا هنا للمستجير من الهجير؟
مدامه موسيقا
إزاء كل ما تعرض له الشاعر من محن شديدة، وهو في موقع الرائي الحقيق، ذي النبوءة، والعراف الذي ينبغي الاحتفاء به، كان يراهن على قصيدته، لأنها كانت رئته التي بها يتنفس، ويواجه كل ما يتعرّض له من عنت وحنق:
مضى شراعي بما لا تشتهي ريحي
وفاتني الفجر إذ طلت تراويحي
أبحرت تهوي إلى الأعماق قافيتي
ويرتقي في حبال الريح تسبيحي
مزمّل في ثياب النور منتبذ
تلقاء مكة أتلو آية الروح
قصائدي أينما ينتابني قلقي
ومنزلي حيثما ألقي مفاتيحي
إن ثقة الشاعر بدوره، ورهانه على قصيدته، ما كان يجعله على الدوام والجاً بوابة الريح، كي تواصل قصيدته في احتلال المكانة التي تليق بها . . وبه:
جئت عرافاً لهذا الرمل
أستقصي احتمالات السواد
جئت أبتاع أساطير ووقتاً ورماد
بين عيني وبين السبت
طقس
ومدينه
وتكاد قصيدة الشاعر، لا تبتعد عن تفاصيل لحظته، بل إنها تعكس كل ما يمتّ إليه بصلة، لتكون تلك المرآة التي تقدمه كما هو يقول في قصيدة الصعلوك:
يفيق من الخوف ظهراً
ويمضي إلى السوق
يحمل أوراقه وخطاه
-من يقاسمني الجوع والشعر والصعلكه؟
من يقاسمني نشوة التهلكه؟
-أنت أسطورة أثخنتها المجاعات
قل لي:
متى تثخن الخيل والليل والمعركه
يفيق من الجوع ظهراً
يتوسد إثفية وحذاء
يطوح أقدامه في الهواء
-من يطارحني قمراً ونساء
- ليس هذا المساء
ليس هذا المساء
ليس هذا المساء
أجل، إن النص يكاد يكون صورة طبق الأصل عن شاعر يستعيد حالة صعلكة الشاعر القديم، ليسرد عوزه وحرمانه مدركاً أن اللحظة الحالية التي يعيشها ليست مرفأه المبتغى، وهو ما يجعله غارقاً في لجة غربته واغترابه:
ما بال هذا النسر كم غنى غناء نابياً حتى
ادلهمّ التيه وانكشفت من البيداء سوأتها
فعاد يمصّ من ظمأ وريده
كم من يد صبت على آثاره وطناً رمادياً
إنه يضع أصبعه على الجرح، ويدرك أن غناء النسر هو السبب في ما آل إليه، من مصير مفجع .
واضح أن الثبيتي الذي كتب قصيدة العمود والتفعيلة، في آن واحد، وكان من رواد التجديد في الشعر السعودي والخليجي، استطاع أن يفهم جوهر الحداثة - ولا سيما في نصوصه الأخيرة - وإن كان حتى في نصوص العمود التي كان يكتبها، يبدو مشغولاً بتحديث نصه، من خلال استخدام لغة جديدة، بل وصورة جديدة، كانت تظهر في قصيدته التي يعنى بإيقاعها، لدرجة أن بعض قصائده كان غارقاً في غنائيته، بل إنه كان مدفوعاً بهاجسه الحداثي، يتخير عناوين قصائده على نحو مختلف، وهو ما دعا عبد العزيز المقالح أن يعده “من المبدعين القلائل الذين يكتبون شعراً حقيقياً، ولا يفتؤون يبحثون في تراب اللغة عن ذهب يصلح لكتابة القصيدة، كما ينبغي أن يكون بغض النظر عن نسق تركيبها، وهوية شكلها” .
من هنا، وغيره، نستبين أن رحيل الشاعر الثبيتي هو خسارة فادحة ليس للشعر السعودي وحده، بل للشعر الخليجي والعربي، في آن واحد، لما لقصيدته من أهمية كبرى في تجربة الحداثة الشعرية .
هوامش
- الثبيتي شاعر كبير . .لكن روحه كسرت في مجتمع يتنكر للمبدعين- مشعل العبدلي-جريدة الرياض 17-1-110g
- القبض على جمر القصيدة في أعمال محمد الثبيتي-عبد العزيز المقالح- جريدة الحياة
- الشاعر السعودي محمد الثبيتي يصدر “بوابة الريح” مكتحلاً ببهاء التضاريس-محمد خضر
- توقف قلب الشاعر محمد الثبيتي عن الخفقان في يوم الجمعة 14-1-2011 بعد صراع مرير مع المرض.