تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : (الخليج) واسيني الأعرج: العالم يعيش اليوم بهويات جريحة



رذاذ عبدالله
6 - 2 - 2011, 08:48 PM
يؤكد أن الحاضر يستنسخ الماضي

واسيني الأعرج: العالم يعيش اليوم بهويات جريحة



http://www.iraqup.com/up/20110206/Cirk1-21IH_748395486.jpg (http://www.iraqup.com/)




لا تستطيع أن تمسك بكل الخيوط إذا جلست أمام روائي بحجم الجزائري واسيني الأعرج لتحاوره، فإجاباته تغرق في التفاصيل مثلما تفعل رواياته في قرائه، ولا تكاد تستقر على محور للحوار فيفتح مجالات أخرى، واسيني طلب من العرب التركيز على الجوائز الأدبية العربية لأن نوبل لها حسابات خاصة ضد العرب بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) وهنا حوار معه:


هل خشيت أن تصنف روايتك “البيت الأندلسي” كعمل تاريخي يعامل أكاديمياً أكثر من كونه أدبياً بالدرجة الأولى؟

لا أبداً . لأنها ليست الرواية التاريخية الأولى، ولكنها أتت بعد استقرار تجربتي الجديدة في الرواية التاريخية التي بدأتها منذ ما لا يقل عن عشر سنوات، وأصدرت خلالها كتاب “الأمير”، و”سوناتا لأشباح القدس” و”سراب الشرق” وأخيراً “البيت الأندلسي” . أنا أقول دائماً إن التاريخ هو مطية وقد يكون ديكوراً عاماً بلغة المسرحيين لا أكثر، ولكنه أيضاً، من الناحية الأدبية على الأقل، القناة التي من خلالها أبني هندسة الرواية ومعمارها، وأفهم صيرورة الحاضر من منطلق منجز الماضي سلبيا كان أو إيجابيا . ما يحدث لنا اليوم ليس حاضراً نازلاً من السماء ولكنه حاضر صنعته أيادٍ بشرية كثيرة تكاتفت لتنجزه على الشكل الذي نراه فيه .


من هنا أقول إن ما يشغلني ليس الماضي لأن الماضي أُنجز وانتهى، ولكن الحاضر بكل ملابساته، التي نعيشها اليوم بقسوة . وفي “كتاب الأمير” حاولت أن أجيب عن سؤال فكرة حوار الأديان والحضارات البشرية والتوافق وإيجاد الصيغ الممكنة التي تحفظ البشرية من الزوال أو تمدد في عمرها على عكس أطروحات هنتنجتون القاسية والمرتبطة بالمصلحة الأمريكية الضيقة . في “سوناتا لأشباح القدس” نبهت لوجود محرقة صامتة لا أحد يتحدث عنها، هي محرقة الشعب الفلسطيني التي يجب أن تثار علناً وأن ندافع عنها بقوة وبكل الوسائل الثقافية التي نملك، وهذا ما حاولته . نتحدث عن محرقة اليهود التي لا تشرف البشرية طبعاً وأوروبا تحديداً لأنها هي من كان وراءها، في القرن العشرين يباد الإنسان على أساس ديني وعرقي .


أدين مثل هذه الممارسات البدائية بقوة ولكني لا أصاب بالعمى في ما يتعلق بفلسطين . هناك محرقة خفية تمارس ضد الشعب الفلسطيني الذي يموت كل يوم بتواطؤ عربي وعالمي . شيء في داخلي يتحسس هذه المآلات الخطرة ولهذا أرفضها قبل حدوثها . في رواية “سراب الشرق” الرواية الملحمية الطويلة حاولت أن أجد فيها إجابة صادقة روائياً، عن حقيقة التمزق والجرح القوي والعميق الذي يعيشه الإنسان العربي . ما يحدث للعرب من صراعات حاضرة واختلالات بنيوية وتقاتل مصالح بين الأخوة، مرده اتفاقيات سايكس- بيكو ونتائجها الدرامية التي مزقت الأرض الواحدة وأدخلتها في صراعات مدمرة . وهي مشكلات مرتبطة بالحاضر وليست مشكلات ماضٍ فقط . وفي رواية البيت الأندلسي عالجت مشكلات الهوية القاسية كيف أننا نعيش يومياً بهويات جريحة وهويات لم نعرف كيف نضطلع بها بقوة . هويات ممزقة هي السبب وراء حروبنا الحديثة والقريبة منا .


يفترض من كتابة التاريخ أن تفسر الواقع وتسبر أغوار المستقبل، فهل تحاول في “البيت الأندلسي” تحليل المجتمع العربي ثقافياً لاكتشاف مستقبله؟

فهمي للتاريخ هو عودة للحاضر، لأنه بمواصفاته الحالية لا يمكن أن ينشأ هكذا بشكل فجائي، إلا لو كان هناك مجموعة أخطاء تراكمت حتى أعطت هذا الناتج النهائي، وبالنظر إلى الجزائر الآن أكيد هناك وضع سياسي واجتماعي متغير، وما حدث في فترات من العنف هو ثمرة للحظة تاريخية، وشيء ما جاء من بعيد وتراكم حتى تجلى بشكل عيني، وأتصور أن التوقع الثاني هو الأقرب، هذا المظهر تكون من شيء توالد سابقاً ولم نعرف كيف نحله في زمانه، ومع تراكم هذه القضايا كيف نخرج برؤية مستقبلية في ظل هذا الخراب، يحتاج الأمر إلى تصور كبير لا يقتصر على الأدب وحسب، فهل نملك تصوراً ومجتمعاً مدنياً قادراً؟ وهل يمكن للمجتمع الموجود حالياً أن ينتج رؤية مستقبلية، لا أعلم؟!


هل لمشهد النهاية في روايتك رؤية مستقبلية للواقع العربي والجزائري بشكل خاص؟

الرواية تنتهي بمشهد بيت يبنى بجوار “البيت الأندلسي” الذي يتحطم برغم كل الحقب التاريخية التي مر بها من الأندلسيين والأتراك والفرنسيين، والجزائريون للأسف ساعدوا في تهديمه ولم يحاولوا الحفاظ عليه، ولم يصنعوا كياناً حضارياً فكرياً يستوعب كل هذه التغييرات لبناء رؤية مستقبلية، بعض النقاد قالوا لي لماذا التشاؤم وكأنك تقول إن الجزائر ستهدم، أو ستقضي نحو الحائط المسدود؟! أعتقد أن كل المجتمعات العربية ذاهبة إلى الحائط ولا ندري كيف تكون النهاية، الجميع يتحدث عن أن لديه أملاً، وحلولاً ولكني ليس لدي حل لهذه الرؤية وتوقفت عند أن هذا البيت سينهار . وقبل أن ينهار البيت أسأل ألا يوجد حلول ولا توجد عبقرية خلاقة يمكن أن توفر أسئلة جديدة تفتح سبل الإجابة عليها؟ أنا لا أملك الجواب .


هل توجد جوائز خاصة بالأدب العربي تجعل العرب يتناسون حلم الوصول لنوبل لفترة، خاصة أن هذه الجوائز تكاد تقترب من القيمة المعنوية لنوبل وتوازيها ماديا؟

المشكلة في الوطن العربي هي أننا لم نخلق إلى اليوم جائزة في قيمة نوبل من الناحية المعنوية وليس المادية . الجانب المادي مهم ولكنه ليس حاسماً، أي ليس كل شيء . نوبل قطعت هذه الخطوات لأنه كانت هناك استراتيجية ثم انفتحت عالميا ولم تبق منحصرة لغويا في سياق واحد . يمكننا طبعاً في الوطن العربي أن ننجز نموذجاً من الجوائز الذي يتخطى حدودنا، ولكن ذلك يحتاج إلى ترسانة حقيقية من البشر والمراسلين والمكاتب العالمية، واستقلالية كاملة، ومن يريد اليوم أن يستثمر في نموذج من الجائزة بهذا الشكل؟ العرب من هذه الناحية مظلومون لأن نوبل تكاد تكون أوروبية ولم تخرج عن هذه الدائرة إلا نادراً للحفاظ على بعض المصداقية الممكنة، أنا لا أنزعج بحكم متابعتي للحياة الثقافية والروائية العالمية، عندما تمنح لشخص يستحقها لأن الأهم في ذلك كله أن تذهب نحو مكانها الحقيقي بغض النظر عن البلد أو الجنسية . لكن يجب أن تكون رؤيتها أكثر اتساعاً وأكثر موضوعية . للعرب إمكانات ثقافية ومالية كبيرة ويستطيعون أن ينجزوا مشروعاً عالميا مثل هذا ويخرجوا شيئاً فشيئاً من الدائرة العربية، ولكن هذا رهين الزمن والخيارات الثقافية، وماذا نريد من وراء ذلك . أرى في الوقت الحالي دولتين قادرتين على هذه المغامرة الرائعة قطر والإمارات العربية . لكن تبقى في الوقت الحالي الجوائز العربية لها أهميتها وتسد نقصاً كبيراً وتقدم الشيء الكثير للأدباء العرب مثل جائزة الشيخ زايد، وجائزة العويس وجائزة البوكر العربية وجائزة ملتقى الرواية العربية في مصر، كلها مهمة جدا لأنها في عالم يشكو من اختلالات ثقافية كبيرة، حضورها يفتح بعض الآمال للكتاب العرب .


لكن هناك نقاداً أجانب مثل الأمريكي روجر آلن يرجعون إبعاد الأدباء العرب عن ترشيحات نوبل بسبب ضعف الترجمة إلى لغات أوروبية؟

لا أعتقد أن عامل الترجمة حاسم ولو أنه إشكال حقيقي . أعتقد أن مراسلي جائزة نوبل غير متخصصين في الأدب العربي، في منطقة الشرق الأوسط، المغرب العربي، وغيرهما . ومن يتابع المنجزات الأدبية والروائية على مدار السنة يكتشف بشكل واضح هذه النقيصة . أعتقد أن الإشكال الكبير هو عامل التسويق، العرب لا يسوقون لثقافتهم كما يجب ولا يسهرون على ترجمة أعمالهم، لا توجد مؤسسة ترجمة عربية عالمية هدفها الأسمى توصيل النصوص العربية إلى العالم على الرغم من توافر المال والعقل الخلاق . هناك عامل آخر أخطر من ذلك كله مرتبط بصورة العربي اليوم في أوروبا، فهي ليست صورة مثالية من الناحية الإعلامية، فتم الابتعاد عن كل ما هو عربي وبشكل أوسع ما هو مسلم . الأسباب نعرفها جميعاً منذ أحداث 11 سبتمبر/أيلول والنتيجة هي النفور، وهذا يخدم بالضرورة كل الذين يروجون إعلاميّاً لترسيخ هذه الصورة عن العربي والمسلم، وهذا ينتقل بالضرورة إلى قراء الأعمال الأدبية العربية في نوبل، وبالتالي نادراً ما يتم التفكير في عربي . إذن المشكلة ليست لغوية ولكنها بنيوية في نظام وتفكير ما يحيط بجائزة نوبل، حتى لو افترضنا أن نوبل خارج هذه الحسابات فهي مؤسسة أوروبية في وسط أوروبي له حساسياته المختلفة، وليس غريباً أن يتصاعد الحس العنصري في السويد نفسها والدنمارك وسويسرا وغيرها من البلدان التي كانت تبدو بعيدة عن هذا المرض .


ما النقطة الفاصلة بين ما نتخيله وما نعيشه وبين ما نخلقه من شخصيات حسبك كأديب؟

بالنسبة لي أحيانا ما نتخيله أقوى مما نعيشه ويملك حضوراً قوياً فينا، مثلا وصف لقاء غرامي المهم في اللقاء ليس اللحظة التي يلتقي فيها اثنان تلك اللحظة الحقيقية بكل حيثياتها أي ما قبل وما بعد الموعد، الخيال هو الذي يصنع العالم الحقيقي ويحدد علاقتي بالشخص الآخر، لذا أعتمد عليه كثيرا في كتاباتي لأنه جزء مهم في حياتنا، وخاصة في حياة الكاتب الروائي .


القارئ لروايات واسيني الأعرج يلاحظ أن شخصية مريم من (طوق الياسمين) إلى (سيدة المقام) وصولا إلى (أنثى السراب)، تطاردك في كل رواياتك، ما سر هذه الشخصية؟

مريم حلمي وواقعي وذاكرتي المكبوتة والمباحة، مريم حبيبتي وصديقتي وإلهامي، هي شخصية تجتمع فيها الأضداد .


يقودني كلامك إلى سؤال آخر، ما سر حضور الأنثى في كتابات واسيني أو ارتباطك غير العادي بها، حتى عناوين رواياتك: سيدة المقام، أنثى السراب . . وغيرها؟

علاقتي بالأنثى مبنية على علاقتي بنفسي، أولا كبرت في وسط نسائي، والدي استشهد في سنة ،59 الوالدة تشتغل لتعيل العائلة، ربتني جدتي والخالات وبنات الخالات والعمات، لذا وجدت نفسي محاطاً بعالم أنثوي وهذا العالم يعجبني كثيراً، هو عالم حساس ثم أنا لا يهمني الجانب القوي في الإنسان بقدر ما تهمني هشاشته .


ربما يعكس هذه القناعة ما تقوله في كتابك حول الأمير لأنك ركزت على إنسانيته وليس على قوته كزعيم؟

صحيح لأنني أعتبر أن الهشاشة مرادفة للقوة، الوسط النسائي الذي كبرت فيه ربى عندي ارتباطي بالأنثى، الأمر الذي أعتبره إيجابياً وأكتب عنها من منطلق إعجابي بها واقتناعي بوجودها مستقلة عن الرجل وليس أبداً تعاطفاً أو من باب المجاملة.