رذاذ عبدالله
15 - 2 - 2011, 09:00 AM
طاغور المتعدد في النموذج السامي
* الثــورة السـوريــة
http://www.iraqup.com/up/20110215/T8ymy-Q33K_838337282.jpg (http://www.iraqup.com/)
عبد الناصر حسو:يحتفل العالم هذا العام «2011» بذكرى مرور 150 عاماً على ميلاد كاتب وفيلسوف الهند رابندارانات طاغور الذي أغنى الفكر العالمي بإبداعاته الخالدة وقدرته على محبة الإنسانية بغض النظر عن عرقه ولونه ومذهبه وحضارته.
أنا هذا البخور الذي لا يضيع عطره ما لم يُحرق
أنا هذا القنديل الذي لا يشع ضوؤه ما لم يُشعل
ولد طاغور في عام 1861 في القسم البنغالي من مدينة كلكتا، أصغر أخوته وأخواته لأسرة ثرية من طبقة البراهمة الكهنوتية، كان يستوقفه صوت والده الذي يرتل أناشيده الدينية، لم ينتظم في مدرسة، إذ تلقى تعليمه على يد والده وأستاذه دفيجندرانات الذي كان عالماً وكاتباً ومسرحياً وشاعراً، كما أنه تعلم اللغة السنسكريتيه وآدابها ورياضة الجودو أيضاً، كان والده مفكراً ومصلحاً اجتماعياً ودينياً، حيث كانت عائلته من رواد النهضة البنغالية، وأسهمت في إغناء الثقافة والأدب والموسيقى البنغالية، وسعت إلى الربط بين الثقافة الهندية والأفكار الغربية، فكان الأب يصطحب الابن معه في رحلاته إلى جبال هيمالايا، وتؤثر هذه المشاهد في نفسية الطفل المتشوقة للحرية منذ صغره، فانكب على قراءة الشعر وقصائد كاليداسا.
توفيت والدته وهو في الرابعة عشرة من عمره، وأصبحت الطبيعة رفيقاً وأماً له، فاكتشف طاغور في هذا العمر معنى الحب الإنساني عند إحدى قريباته، وفي أحد أيام عام 1883 عرف طاغور في الرؤيا أن الحب الإنساني واحد من حب الطبيعة وحب الله.
كانت رغبة والده أن يعد الطفل لدراسة القانون، فأرسله إلى انكلترا، لكنه استفاد من إقامته فيها الكثير من الفن والأدب، وغذّى نزعته الأدبية، ونهل من خزائن الأدب الانكليزي، ليرفد ثقافته الشرقية بالثقافة الإنكليزية، وعاد إلى الهند دون أن ينهي الدراسة، ونشر ديوانه الأول «أغاني المساء» الذي لاقى اعجاباً في الأوساط الأدبية، ثم نشر ديوانه الثاني بعنوان «أغاني الصباح».
تزوج طاغور عام 1883، من فتاة تدعى مريناليني بناء على رغبة أسرته، لكنه انتقد عادة الزواج تحت رغبة الأهل في رواية «حطام السفينة»، ورزق ثلاثة أطفال، لكن سعادته لم تدم طويلاً، فقد ماتت زوجته ثم ابنه ثم ابنتيه، ثم والده في فترات متقاربة، ولولا إيمانه بأن الموت هو حياة خالدة أكثر نضارة من هذه الحياة لكاد أن يستسلم لليأس.
نشر مجموعة من القصائد في ثمانينيات القرن التاسع عشر، وتوّجها بمجموعة ماناسي، التي شكلت قفزة نوعية ليس في شعر طاغور فحسب بل في الشعر البنغالي، وعندما انتقل إلى بنغلاديش لإدارة ممتلكات العائلة كان يجوب في نهر بادما، إذ كان على احتكاك مباشر مع القرويين البسطاء، وشكلت هذه الأوضاع المتردية لهم وتخلفهم الاجتماعي والثقافي موضوعات في كتاباته من دون إخفاء تعاطفه معهم، وكانت الطبيعة الريفية مصدر تجربته في نشر مجموعة دواوين أهمها «القارب الذهبي» إضافة إلى مسرحياته مثل شيترا عام 1892.
أسس في العام 1901 مدرسة تجريبية لتطبيق نظرياته الجديدة في التربية والتعليم عبر مزج التقاليد الهندية بالتقاليد الغربية الحديثة، وتحولت المدرسة إلى جامعة فيسفا بهاراتيا، الجامعة الهندية للتعليم العالي عام 1921.
قدم طاغور للتراث الإنساني أكثر من ألفي قصيدة شعرية وحوالي 25 مسرحية، وعدة مجلدات قصصية ومثلها روائية كما أنه كتب عشرات الكتب والمقالات والمحاضرات في الفلسفة والدين والتربية والتعليم والسياسة والقضايا الاجتماعية، واتجهت عبقريته إلى الرسم حيث أنتج آلاف اللوحات وأقام العديد من المعارض، وألف أكثر من ألفي أغنية، منها النشيد الوطني للهند «روح الشعب» عام 1950 بعد الاستقلال، والنشيد الرسمي لبنغلاديش «البنغال الذهبية» عام 1970 بعد انفصال بنغلاديش عن باكستان، يقول: إن الموسيقى هي أنقى أشكال الفن، وهي أقرب تعبير للجمال، وأننا لنشعر أن إفصاح اللانهاية في الأشكال المحدودة الخلق، هو الموسيقى نفسها تنساب صامتة ظاهرة..
رغم غزارة إنتاجه المتنوع واعتماده على أساطير هندية إلا أنه كان يكتب للحاضر والمستقبل الإنساني طالما كان مؤمناً بالإنسانية «إنساني النزعة» إذ قال ذات يوم: «من أنت أيها القارئ، أنت الذي سوف تقرؤني بعد مائة عام؟ ليس في مكنتي أن أبعث إليك بزهرة واحدة من الأكليل الربيعي، ولا بشعاع مذهب واحد من تلك السحب هناك، افتح الأبواب وتأمل في المدى القصي..» متخطياً الحدود الجغرافية والثقافية، ومتجاوزاً الأطر السياسية ليكتب للإنسان، ورغم أنه لم يكن معروفاً خارج الهند إلا أنه أصبح في عام 1912 نجماً ساطعاً في سماء أوروبا عندما سافر إلى انكلترا لأول مرة بعد أن ترك الجامعة برفقة ابنه، وبدأ في الطريق بترجمة ديوانه جينجالي «القربان الشعري» إلى الانكليزية من باب التسلية أثناء السفر الطويل بحراً من دون أي هدف من الترجمة.
التقى في انكلترا بصديق له يدعى روثنستاين وهو رسام شهير كان قد التقى بطاغور في الهند، وعندما علم بأمر ترجمته، أطلع عليها إذ كانت الأشعار فتحاً جديداً في الشعر العالمي، اتصل مباشرة بصديقه الشاعر دبليو بي ييتس الذي دهش بدوره بتجربة طاغور بعد قراءة الترجمة، نقّحها وكتب مقدمة لها بنفسه، وصدر الديوان بالانكليزية عام 1912، وقد عكس حضوراً روحياً وإبداعياً هائلاً، فوجد الغربيون أنفسهم أمام تجربة مكثفة للجمال الصوفي الذي تختزل الثقافة الهندية في أكثر الصور نقاءً وبوحاً ودفئاً، وأوضح ميله لصداقة انكلترا التي كانت سبباً في محاولة اغتياله، وفي 1913 نال طاغور جائزة نوبل للآداب وهو أول أديب من الشرق، ثم نال وسام الفارس من ملك بريطانيا جورج الخامس، لكنه خلعه في 1919 إثر مجزرة قامت بها القوات الانكليزية راح ضحيتها أكثر من 400 متظاهر هندي.
تنقل طاغور بين العديد من دول العالم لإلقاء الشعر والمحاضرات والاطلاع على ثقافة الآخر، وظل يكتب ويلقي الشعر حتى قبيل وفاته في عام 1941 إثر عملية جراحية فاشلة عن عمر يناهز الثمانين عاماً.
ساهم في الحركة الوطنية من خلال شعره وأغانيه، واختلف مع غاندي الذي اعتمد الزهد والسلام كسلاح لمقاومة الانكليز، ورغم ذلك قال عنه غاندي إنه: منارة الهند، وفعلاً أصبح منارة الشرق كله، ونداء الإنسانية والمحبة والجمال، كان مبدؤه البساطة والعمل، وهكذا فقد أضاء شمعة بدلاً من أن يلعن الظلام، فسطعت وأضاءت في النفوس التواقة إلى الحق، لذا كان يعد في حياته أكثر الشعراء صوفية، وأكثر الصوفيين شاعرية، وفي ذلك دلالة على ما بلغته نفسه من نقاء وصدق وما وصلت إليه روحه من ارتقاء وحرية.
استوحى أفكاره وموضوعاته من قصائد كاليداسا المسرحية، وسحر المثقفين في الغرب بكتاباته، ثم انتشرت ترجماته في العالم كله، برع طاغور على مدى ستين عاماً، فكان معلماً روحياً بالدرجة الأولى، ومجدداً أدبياً واجتماعياً وفيلسوفاً وروائياً ومسرحياً ورساماً، وقبل ذلك كله كان شاعراً، ينهل من إرث روحي عريق في البنغال، ومن تجربة داخلية عميقة، كانت ينبوعاً لا ينضب للإلهام والإبداع، ويرى الفكر الغربي أن كل شيء منخفض دانٍ في سلم الإنسانية هو الطبيعة، وأن كل شيء يحمل سمة الكمال الفكري والخلقي هو إنساني، وبالمقابل فإن الفكر الهندي لا يتردد في الاعتراف بصلته وقرابته من الطبيعة واستمرار وشائجه بكل شيء.
كان طاغور يتمتع بموهبة تحويل الألم إلى فرح، وكان يحب الحياة إلى حد أنه أراد ألا يضيع قداستها بالوقوف عندما تسببه حركتها من شعور بالألم، كانت مهمته مزدوجة: اكتشاف ربه، له الجمال في الطبيعة، وقوانين العلم، والجسد والفكر ولقول والفعل، وتحويل الحياة وتعديلها لتصبح جميلة بكليتها.
كان مؤمناً بأن الإصلاح الاجتماعي يسبق الإصلاح السياسي، وأن إنعاش الريف أهم أسس الإصلاح الاجتماعي، لذلك لجأ إلى الريف، كان ينبذ التعصب بين الطوائف والأديان في الهند في رواية جورا التي فضحت فيها التعصب الديني الهندوسي مما سبب له بعض المشاكل من أهله، والتقى مع شخصيات سياسية وأدبية، وزار مصر عام 1936، وقيل إنه التقى مع الملك فيصل في العراق عام 1932 وأيضاً التقى مع الشاعر جميل صدقي الزهاوي.
وعندما كان طاغور يرتقب الموت مريضاً ببصيرة صافية، وكانت الحرب العالمية الثانية قد اندلعت، أعلن في عيد ميلاده الثمانين: عندما أجول ببصري من حولي أقع على أطلال مدينة مغرورة تنهار وتتبعثر في أكوام هائلة من التفاهة والعبث، ومع ذلك فلن أذعن للخطيئة المميتة في فقدان الإيمان بالإنسان، بل إنني بالحري سأثبت نظري نحو مطلع فصل جديد من فصول تاريخه، عندما تنتهي الكارثة ويعود المناخ رائقاً ومتناغماً مع روح الخدمة والتضحية سيأتي يوم يعاود فيه الإنسان، ذلك الكائن الأبي، خط مسيرته الظافرة على الرغم من كافة العراقيل ليعثر على ميراثه الإنساني الضائع.
* الثــورة السـوريــة
http://www.iraqup.com/up/20110215/T8ymy-Q33K_838337282.jpg (http://www.iraqup.com/)
عبد الناصر حسو:يحتفل العالم هذا العام «2011» بذكرى مرور 150 عاماً على ميلاد كاتب وفيلسوف الهند رابندارانات طاغور الذي أغنى الفكر العالمي بإبداعاته الخالدة وقدرته على محبة الإنسانية بغض النظر عن عرقه ولونه ومذهبه وحضارته.
أنا هذا البخور الذي لا يضيع عطره ما لم يُحرق
أنا هذا القنديل الذي لا يشع ضوؤه ما لم يُشعل
ولد طاغور في عام 1861 في القسم البنغالي من مدينة كلكتا، أصغر أخوته وأخواته لأسرة ثرية من طبقة البراهمة الكهنوتية، كان يستوقفه صوت والده الذي يرتل أناشيده الدينية، لم ينتظم في مدرسة، إذ تلقى تعليمه على يد والده وأستاذه دفيجندرانات الذي كان عالماً وكاتباً ومسرحياً وشاعراً، كما أنه تعلم اللغة السنسكريتيه وآدابها ورياضة الجودو أيضاً، كان والده مفكراً ومصلحاً اجتماعياً ودينياً، حيث كانت عائلته من رواد النهضة البنغالية، وأسهمت في إغناء الثقافة والأدب والموسيقى البنغالية، وسعت إلى الربط بين الثقافة الهندية والأفكار الغربية، فكان الأب يصطحب الابن معه في رحلاته إلى جبال هيمالايا، وتؤثر هذه المشاهد في نفسية الطفل المتشوقة للحرية منذ صغره، فانكب على قراءة الشعر وقصائد كاليداسا.
توفيت والدته وهو في الرابعة عشرة من عمره، وأصبحت الطبيعة رفيقاً وأماً له، فاكتشف طاغور في هذا العمر معنى الحب الإنساني عند إحدى قريباته، وفي أحد أيام عام 1883 عرف طاغور في الرؤيا أن الحب الإنساني واحد من حب الطبيعة وحب الله.
كانت رغبة والده أن يعد الطفل لدراسة القانون، فأرسله إلى انكلترا، لكنه استفاد من إقامته فيها الكثير من الفن والأدب، وغذّى نزعته الأدبية، ونهل من خزائن الأدب الانكليزي، ليرفد ثقافته الشرقية بالثقافة الإنكليزية، وعاد إلى الهند دون أن ينهي الدراسة، ونشر ديوانه الأول «أغاني المساء» الذي لاقى اعجاباً في الأوساط الأدبية، ثم نشر ديوانه الثاني بعنوان «أغاني الصباح».
تزوج طاغور عام 1883، من فتاة تدعى مريناليني بناء على رغبة أسرته، لكنه انتقد عادة الزواج تحت رغبة الأهل في رواية «حطام السفينة»، ورزق ثلاثة أطفال، لكن سعادته لم تدم طويلاً، فقد ماتت زوجته ثم ابنه ثم ابنتيه، ثم والده في فترات متقاربة، ولولا إيمانه بأن الموت هو حياة خالدة أكثر نضارة من هذه الحياة لكاد أن يستسلم لليأس.
نشر مجموعة من القصائد في ثمانينيات القرن التاسع عشر، وتوّجها بمجموعة ماناسي، التي شكلت قفزة نوعية ليس في شعر طاغور فحسب بل في الشعر البنغالي، وعندما انتقل إلى بنغلاديش لإدارة ممتلكات العائلة كان يجوب في نهر بادما، إذ كان على احتكاك مباشر مع القرويين البسطاء، وشكلت هذه الأوضاع المتردية لهم وتخلفهم الاجتماعي والثقافي موضوعات في كتاباته من دون إخفاء تعاطفه معهم، وكانت الطبيعة الريفية مصدر تجربته في نشر مجموعة دواوين أهمها «القارب الذهبي» إضافة إلى مسرحياته مثل شيترا عام 1892.
أسس في العام 1901 مدرسة تجريبية لتطبيق نظرياته الجديدة في التربية والتعليم عبر مزج التقاليد الهندية بالتقاليد الغربية الحديثة، وتحولت المدرسة إلى جامعة فيسفا بهاراتيا، الجامعة الهندية للتعليم العالي عام 1921.
قدم طاغور للتراث الإنساني أكثر من ألفي قصيدة شعرية وحوالي 25 مسرحية، وعدة مجلدات قصصية ومثلها روائية كما أنه كتب عشرات الكتب والمقالات والمحاضرات في الفلسفة والدين والتربية والتعليم والسياسة والقضايا الاجتماعية، واتجهت عبقريته إلى الرسم حيث أنتج آلاف اللوحات وأقام العديد من المعارض، وألف أكثر من ألفي أغنية، منها النشيد الوطني للهند «روح الشعب» عام 1950 بعد الاستقلال، والنشيد الرسمي لبنغلاديش «البنغال الذهبية» عام 1970 بعد انفصال بنغلاديش عن باكستان، يقول: إن الموسيقى هي أنقى أشكال الفن، وهي أقرب تعبير للجمال، وأننا لنشعر أن إفصاح اللانهاية في الأشكال المحدودة الخلق، هو الموسيقى نفسها تنساب صامتة ظاهرة..
رغم غزارة إنتاجه المتنوع واعتماده على أساطير هندية إلا أنه كان يكتب للحاضر والمستقبل الإنساني طالما كان مؤمناً بالإنسانية «إنساني النزعة» إذ قال ذات يوم: «من أنت أيها القارئ، أنت الذي سوف تقرؤني بعد مائة عام؟ ليس في مكنتي أن أبعث إليك بزهرة واحدة من الأكليل الربيعي، ولا بشعاع مذهب واحد من تلك السحب هناك، افتح الأبواب وتأمل في المدى القصي..» متخطياً الحدود الجغرافية والثقافية، ومتجاوزاً الأطر السياسية ليكتب للإنسان، ورغم أنه لم يكن معروفاً خارج الهند إلا أنه أصبح في عام 1912 نجماً ساطعاً في سماء أوروبا عندما سافر إلى انكلترا لأول مرة بعد أن ترك الجامعة برفقة ابنه، وبدأ في الطريق بترجمة ديوانه جينجالي «القربان الشعري» إلى الانكليزية من باب التسلية أثناء السفر الطويل بحراً من دون أي هدف من الترجمة.
التقى في انكلترا بصديق له يدعى روثنستاين وهو رسام شهير كان قد التقى بطاغور في الهند، وعندما علم بأمر ترجمته، أطلع عليها إذ كانت الأشعار فتحاً جديداً في الشعر العالمي، اتصل مباشرة بصديقه الشاعر دبليو بي ييتس الذي دهش بدوره بتجربة طاغور بعد قراءة الترجمة، نقّحها وكتب مقدمة لها بنفسه، وصدر الديوان بالانكليزية عام 1912، وقد عكس حضوراً روحياً وإبداعياً هائلاً، فوجد الغربيون أنفسهم أمام تجربة مكثفة للجمال الصوفي الذي تختزل الثقافة الهندية في أكثر الصور نقاءً وبوحاً ودفئاً، وأوضح ميله لصداقة انكلترا التي كانت سبباً في محاولة اغتياله، وفي 1913 نال طاغور جائزة نوبل للآداب وهو أول أديب من الشرق، ثم نال وسام الفارس من ملك بريطانيا جورج الخامس، لكنه خلعه في 1919 إثر مجزرة قامت بها القوات الانكليزية راح ضحيتها أكثر من 400 متظاهر هندي.
تنقل طاغور بين العديد من دول العالم لإلقاء الشعر والمحاضرات والاطلاع على ثقافة الآخر، وظل يكتب ويلقي الشعر حتى قبيل وفاته في عام 1941 إثر عملية جراحية فاشلة عن عمر يناهز الثمانين عاماً.
ساهم في الحركة الوطنية من خلال شعره وأغانيه، واختلف مع غاندي الذي اعتمد الزهد والسلام كسلاح لمقاومة الانكليز، ورغم ذلك قال عنه غاندي إنه: منارة الهند، وفعلاً أصبح منارة الشرق كله، ونداء الإنسانية والمحبة والجمال، كان مبدؤه البساطة والعمل، وهكذا فقد أضاء شمعة بدلاً من أن يلعن الظلام، فسطعت وأضاءت في النفوس التواقة إلى الحق، لذا كان يعد في حياته أكثر الشعراء صوفية، وأكثر الصوفيين شاعرية، وفي ذلك دلالة على ما بلغته نفسه من نقاء وصدق وما وصلت إليه روحه من ارتقاء وحرية.
استوحى أفكاره وموضوعاته من قصائد كاليداسا المسرحية، وسحر المثقفين في الغرب بكتاباته، ثم انتشرت ترجماته في العالم كله، برع طاغور على مدى ستين عاماً، فكان معلماً روحياً بالدرجة الأولى، ومجدداً أدبياً واجتماعياً وفيلسوفاً وروائياً ومسرحياً ورساماً، وقبل ذلك كله كان شاعراً، ينهل من إرث روحي عريق في البنغال، ومن تجربة داخلية عميقة، كانت ينبوعاً لا ينضب للإلهام والإبداع، ويرى الفكر الغربي أن كل شيء منخفض دانٍ في سلم الإنسانية هو الطبيعة، وأن كل شيء يحمل سمة الكمال الفكري والخلقي هو إنساني، وبالمقابل فإن الفكر الهندي لا يتردد في الاعتراف بصلته وقرابته من الطبيعة واستمرار وشائجه بكل شيء.
كان طاغور يتمتع بموهبة تحويل الألم إلى فرح، وكان يحب الحياة إلى حد أنه أراد ألا يضيع قداستها بالوقوف عندما تسببه حركتها من شعور بالألم، كانت مهمته مزدوجة: اكتشاف ربه، له الجمال في الطبيعة، وقوانين العلم، والجسد والفكر ولقول والفعل، وتحويل الحياة وتعديلها لتصبح جميلة بكليتها.
كان مؤمناً بأن الإصلاح الاجتماعي يسبق الإصلاح السياسي، وأن إنعاش الريف أهم أسس الإصلاح الاجتماعي، لذلك لجأ إلى الريف، كان ينبذ التعصب بين الطوائف والأديان في الهند في رواية جورا التي فضحت فيها التعصب الديني الهندوسي مما سبب له بعض المشاكل من أهله، والتقى مع شخصيات سياسية وأدبية، وزار مصر عام 1936، وقيل إنه التقى مع الملك فيصل في العراق عام 1932 وأيضاً التقى مع الشاعر جميل صدقي الزهاوي.
وعندما كان طاغور يرتقب الموت مريضاً ببصيرة صافية، وكانت الحرب العالمية الثانية قد اندلعت، أعلن في عيد ميلاده الثمانين: عندما أجول ببصري من حولي أقع على أطلال مدينة مغرورة تنهار وتتبعثر في أكوام هائلة من التفاهة والعبث، ومع ذلك فلن أذعن للخطيئة المميتة في فقدان الإيمان بالإنسان، بل إنني بالحري سأثبت نظري نحو مطلع فصل جديد من فصول تاريخه، عندما تنتهي الكارثة ويعود المناخ رائقاً ومتناغماً مع روح الخدمة والتضحية سيأتي يوم يعاود فيه الإنسان، ذلك الكائن الأبي، خط مسيرته الظافرة على الرغم من كافة العراقيل ليعثر على ميراثه الإنساني الضائع.