رذاذ عبدالله
19 - 2 - 2011, 05:22 PM
الفزاعة تصادق الطيور
ثائر معروف يؤرشف بالفن لمفردات القرية السورية
http://www.iraqup.com/up/20110219/5jBJv-Rv73_304948382.jpg (http://www.iraqup.com/)
للقرويين ذاكرة الندى ورائحة الأرض، وللقرية ترابها المهجور، ودخانها الذي يسافر أبعد من حدود المدى، لكن الميراث الذي يتركه رحيل الناس عن القرية ليس أكثر من محراث مكسور . وشجرة يابسة، وفزّاعة ما برحت تطرد العصافير حتى عن الحقل الذي لم يعد حقلاً . لذلك صار كل ما تبقى هو القش الذي يتوسده الفزع، وتلمس يباسه أنامل طفل عادت ثانية لتفقد ما تبقى من رائحة الطفولة التي طالما تصادقت مع عالم القرية ومنحت أشياءها الأليفة مكنون الصداقة والتجانس .
الفنان ثائر معروف رسام من قرية سورية اسمها “أم الرمان”، هاجر مثل كل الذين يحلمون بالهجرة، سكن مكعباً من الباطون عند أطراف المدينة، درس ثم سافر من سوريا إلى لبنان ليتعلم في جامعتها فن الرسم، حصل على الماجستير، وأنتج معارض قليلة، كما شارك في معارض جماعية . لكن شيئاً ما بقي مكبوتاً في داخله، إنه التراكم الذي لم ينفجر بعد، بل ذاكرة قريته (أم الرمان) التي لم يستعدها بالشكل الكافي، لذلك انطلق يرسم معتمداً أو مستنداً إلى مفرداتها الأساسية، وفي مقدمتها تلك (الفزاعة) التي يخترعها الفلاح بهيئة شبه آدمية، ويزرعها وسط الحقل الذي زرع فيه بعض خضراواته الصيفية . وهذا الكائن الذي صنعه الفلاح وألبسه بعضاً من ثيابه البالية، وربما وضع على رأسه قماشة عتيقة أو قبعة ممزقة، له مهمته الأساسية التي لا يحيد عنها، ألا وهي طرد العصافير التي تشارك الفلاح رزقه . لكن بعض (الفزاعات) غالباً ما تخون الفلاح فتتصادق مع الطيور والعصافير، بل إن بعض العصافير المشاكسة تصنع لها عشاً وسط قبعة (الفزاعة) .
بعيداً عن النص الإنشائي الذي يصلح كمدخل لموضوع المعرض الذي أقامه الفنان السوري (ثائر معروف) في صالة غاليري “زمان” في بيروت، لا بد من موقف نقدي صريح نستطيع أن نقوم عبره المعرض، لا سيما أننا حيال مجموعة من الأعمال التعبيرية التي احتوتها تقريباً فكرة شبه موحدة، حتى فكرة الضيعة المهجورة، وعالمها المسترجع بعد زمن الهجرة والرحيل .
على صعيد البناء الدرامي للمسطح التصويري يحاول الفنان أن يركز على طاقته في طرح موضوع فزاعة الحقل، من زاوية نفسية بمعنى أنه يصرّ على استعادة رؤيته الطفولية لهذه الفزاعة، لذلك يجعل حضورها في المسطح التصويري الذي يكونه حضوراً مركزياً، فيبدأ بشحنها بعناصر تأليفية إضافية تصل إلى حدود تحميلها الميراث الكامل للحضور القروي . وهنا يفقد الفنان في بعض الأعمال المعلقة الحضور الضروري للفضاء المضيء الذي يلعب دوره اللوني الكاشف .
إن التناقض الواضح بين مقدرة الفنان التطريزية، إذا جاز لنا التعبير، وإهمال التوازن المطلوب في التوزيع الهارموني للإضاءات، جعل من بعض لوحاته مجرد حالة تشظي للسيطرة التأليفية، علماً أن الفنان لديه طاقة تكوينية جيدة، وحساسية قادرة على جعل المساحات اللونية الواسعة بناءً خلفياً متيناً بدل بعض المفردات التي لا سبب يستوجب حضورها .
إن رسم بعض الحيوانات كالماعز الجبلي ومنحه المسحة الجميلة التي تشير إلى عمق التآلف بينه وبين عالم القرية، يصلح أن يكون موضوعاً قائماً بذاته . وبإمكان الفنان هنا أن يلعب تكعيبياً أو سوريالياً بالتكوين الخاص بهذا المخلوق الذي طالما أعجب به بيكاسو فنحته بالبرونز تارة، وجرد شكله، ثم أعاد تكوينه تكعيبياً .
ومن خلال التأسيسات الكولاجية عبر الفوتوشوب للفنان، للوصول إلى الصور التلقائية لبعض العناصر، كالجدران الصخرية أو الصخور أو غيرها . وهنا أود أن أطرح سؤالاً طالما طرحته على العديد من الفنانين الذين اشتغلوا على مسطحات تصويرية ركبوا عليها لصقاً مساحات مصورة على القماش أو الورق، والسؤال هو . . ما دمتم تستطيعون أن ترسموا هذه الأشكال التي تستخلصونها من الصورة الفوتوغرافية، وتسحبونها مصورة بشكل كبير، فلماذا لا تستعملون طاقتكم التصويرية رسماً، لكي تقدموا مشروعكم التشكيلي المتكامل لوناً ورسماً؟
مع ذلك نستطيع أن نتمادى ضمن عوامل التشكيل الكولاجي الذي بات يمتلك الآن مداه الأوسع، بسبب مشروعية فنون (الكونسبت)، أو الفنون المفاهيمية التي هي فنون تركيبية .
إن الحركة الدادية التي تماهت في الفنون الكولاجية كانت حركة إلغاء، ولم تكن حركة تأسيس، فيما بعض الأعمال لدى الفنانين الشباب عندنا، هي حركة تأسيس تعبيرية ذكية ترتكز إما على التداعي الخلاق وإما على الملاحظة الواعية .
لو لم تكن الأعمال المعلقة في صالة زمان التي يشرف عليها الدكتور (موسى قبيسي)، ذات مستوى محفز، وأن الفنان هو فنان جدي ومتين، لما تناولنا الأعمال بهذا المنطق النقدي التأسيسي، لذلك يمكن القول إن (ثائر معروف) هو الفنان التعبيري من رعيل الشباب الذي يمكن النظر إلى وحدة الموضوع عنده باعتبارها أمراً لافتاً في زمن تغيب فيه الموضوعات والأفكار المتماسكة .
وإن موضوعات كثيرة يستطيع الفنان استخلاصها من هذا المعرض بالذات، إنه يستطيع أن يركز في المراحل المقبلة على الحضور الحيواني، وذلك من خلال الاتجاه نحو حالة الرسم التخطيطي بالأسود للحيوانات، مع ترك خلفية مستمدة من الواقع النوراني لعالم القرية .
ناهيك أن ثائر يمتلك طاقة تكوينية جيدة، ويمتلك مقدرة السيطرة على انسيابية اللون . لكن لو ترك أو أهمل ما نطلق عليه الجانب التلقائي المعنوي لعملية التلوين، وركز على لعبة التوازن العقلاني، مسيطراً سيطرة مطلوبة على المسطح التصويري .
إن العديد من المعارض في هذا الموسم باتت ترتكز على الموضوع الموحد والمتماسك، ومع اختلاف الإيقاعات، إلا أن الشباب يميل إلى الجدية والحيوية . فيما نرى بعضاً من الفنانين الذين يعيشون كهولتهم الحياتية والفنية يرتاحون في زوايا النسيان .
ثائر معروف يؤرشف بالفن لمفردات القرية السورية
http://www.iraqup.com/up/20110219/5jBJv-Rv73_304948382.jpg (http://www.iraqup.com/)
للقرويين ذاكرة الندى ورائحة الأرض، وللقرية ترابها المهجور، ودخانها الذي يسافر أبعد من حدود المدى، لكن الميراث الذي يتركه رحيل الناس عن القرية ليس أكثر من محراث مكسور . وشجرة يابسة، وفزّاعة ما برحت تطرد العصافير حتى عن الحقل الذي لم يعد حقلاً . لذلك صار كل ما تبقى هو القش الذي يتوسده الفزع، وتلمس يباسه أنامل طفل عادت ثانية لتفقد ما تبقى من رائحة الطفولة التي طالما تصادقت مع عالم القرية ومنحت أشياءها الأليفة مكنون الصداقة والتجانس .
الفنان ثائر معروف رسام من قرية سورية اسمها “أم الرمان”، هاجر مثل كل الذين يحلمون بالهجرة، سكن مكعباً من الباطون عند أطراف المدينة، درس ثم سافر من سوريا إلى لبنان ليتعلم في جامعتها فن الرسم، حصل على الماجستير، وأنتج معارض قليلة، كما شارك في معارض جماعية . لكن شيئاً ما بقي مكبوتاً في داخله، إنه التراكم الذي لم ينفجر بعد، بل ذاكرة قريته (أم الرمان) التي لم يستعدها بالشكل الكافي، لذلك انطلق يرسم معتمداً أو مستنداً إلى مفرداتها الأساسية، وفي مقدمتها تلك (الفزاعة) التي يخترعها الفلاح بهيئة شبه آدمية، ويزرعها وسط الحقل الذي زرع فيه بعض خضراواته الصيفية . وهذا الكائن الذي صنعه الفلاح وألبسه بعضاً من ثيابه البالية، وربما وضع على رأسه قماشة عتيقة أو قبعة ممزقة، له مهمته الأساسية التي لا يحيد عنها، ألا وهي طرد العصافير التي تشارك الفلاح رزقه . لكن بعض (الفزاعات) غالباً ما تخون الفلاح فتتصادق مع الطيور والعصافير، بل إن بعض العصافير المشاكسة تصنع لها عشاً وسط قبعة (الفزاعة) .
بعيداً عن النص الإنشائي الذي يصلح كمدخل لموضوع المعرض الذي أقامه الفنان السوري (ثائر معروف) في صالة غاليري “زمان” في بيروت، لا بد من موقف نقدي صريح نستطيع أن نقوم عبره المعرض، لا سيما أننا حيال مجموعة من الأعمال التعبيرية التي احتوتها تقريباً فكرة شبه موحدة، حتى فكرة الضيعة المهجورة، وعالمها المسترجع بعد زمن الهجرة والرحيل .
على صعيد البناء الدرامي للمسطح التصويري يحاول الفنان أن يركز على طاقته في طرح موضوع فزاعة الحقل، من زاوية نفسية بمعنى أنه يصرّ على استعادة رؤيته الطفولية لهذه الفزاعة، لذلك يجعل حضورها في المسطح التصويري الذي يكونه حضوراً مركزياً، فيبدأ بشحنها بعناصر تأليفية إضافية تصل إلى حدود تحميلها الميراث الكامل للحضور القروي . وهنا يفقد الفنان في بعض الأعمال المعلقة الحضور الضروري للفضاء المضيء الذي يلعب دوره اللوني الكاشف .
إن التناقض الواضح بين مقدرة الفنان التطريزية، إذا جاز لنا التعبير، وإهمال التوازن المطلوب في التوزيع الهارموني للإضاءات، جعل من بعض لوحاته مجرد حالة تشظي للسيطرة التأليفية، علماً أن الفنان لديه طاقة تكوينية جيدة، وحساسية قادرة على جعل المساحات اللونية الواسعة بناءً خلفياً متيناً بدل بعض المفردات التي لا سبب يستوجب حضورها .
إن رسم بعض الحيوانات كالماعز الجبلي ومنحه المسحة الجميلة التي تشير إلى عمق التآلف بينه وبين عالم القرية، يصلح أن يكون موضوعاً قائماً بذاته . وبإمكان الفنان هنا أن يلعب تكعيبياً أو سوريالياً بالتكوين الخاص بهذا المخلوق الذي طالما أعجب به بيكاسو فنحته بالبرونز تارة، وجرد شكله، ثم أعاد تكوينه تكعيبياً .
ومن خلال التأسيسات الكولاجية عبر الفوتوشوب للفنان، للوصول إلى الصور التلقائية لبعض العناصر، كالجدران الصخرية أو الصخور أو غيرها . وهنا أود أن أطرح سؤالاً طالما طرحته على العديد من الفنانين الذين اشتغلوا على مسطحات تصويرية ركبوا عليها لصقاً مساحات مصورة على القماش أو الورق، والسؤال هو . . ما دمتم تستطيعون أن ترسموا هذه الأشكال التي تستخلصونها من الصورة الفوتوغرافية، وتسحبونها مصورة بشكل كبير، فلماذا لا تستعملون طاقتكم التصويرية رسماً، لكي تقدموا مشروعكم التشكيلي المتكامل لوناً ورسماً؟
مع ذلك نستطيع أن نتمادى ضمن عوامل التشكيل الكولاجي الذي بات يمتلك الآن مداه الأوسع، بسبب مشروعية فنون (الكونسبت)، أو الفنون المفاهيمية التي هي فنون تركيبية .
إن الحركة الدادية التي تماهت في الفنون الكولاجية كانت حركة إلغاء، ولم تكن حركة تأسيس، فيما بعض الأعمال لدى الفنانين الشباب عندنا، هي حركة تأسيس تعبيرية ذكية ترتكز إما على التداعي الخلاق وإما على الملاحظة الواعية .
لو لم تكن الأعمال المعلقة في صالة زمان التي يشرف عليها الدكتور (موسى قبيسي)، ذات مستوى محفز، وأن الفنان هو فنان جدي ومتين، لما تناولنا الأعمال بهذا المنطق النقدي التأسيسي، لذلك يمكن القول إن (ثائر معروف) هو الفنان التعبيري من رعيل الشباب الذي يمكن النظر إلى وحدة الموضوع عنده باعتبارها أمراً لافتاً في زمن تغيب فيه الموضوعات والأفكار المتماسكة .
وإن موضوعات كثيرة يستطيع الفنان استخلاصها من هذا المعرض بالذات، إنه يستطيع أن يركز في المراحل المقبلة على الحضور الحيواني، وذلك من خلال الاتجاه نحو حالة الرسم التخطيطي بالأسود للحيوانات، مع ترك خلفية مستمدة من الواقع النوراني لعالم القرية .
ناهيك أن ثائر يمتلك طاقة تكوينية جيدة، ويمتلك مقدرة السيطرة على انسيابية اللون . لكن لو ترك أو أهمل ما نطلق عليه الجانب التلقائي المعنوي لعملية التلوين، وركز على لعبة التوازن العقلاني، مسيطراً سيطرة مطلوبة على المسطح التصويري .
إن العديد من المعارض في هذا الموسم باتت ترتكز على الموضوع الموحد والمتماسك، ومع اختلاف الإيقاعات، إلا أن الشباب يميل إلى الجدية والحيوية . فيما نرى بعضاً من الفنانين الذين يعيشون كهولتهم الحياتية والفنية يرتاحون في زوايا النسيان .