المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : «الكتابة ملاذاً لتجاوز مشاعر الاغتراب في المنجز السردي العربي في إيطاليا»



رذاذ عبدالله
8 - 3 - 2011, 09:47 PM
«الكتابة ملاذاً لتجاوز مشاعر الاغتراب في المنجز السردي العربي في إيطاليا»

ليديا فيردوليفا

* الدستــور الادرنيــة




http://www.iraqup.com/up/20110308/lf1Ip-HL47_667064846.jpg (http://www.iraqup.com/)




برزت ظاهرة كُتّاب المهجر في إيطاليا في مرحلة زمنية متأخرة نسبياً ، قياساً إلى دول أوروبية أخرى ، من مثل: فرنسا ، وإنجلترا ، حيث وجد الكُتاب المهاجرون إلى القارة الأوروبية طريقَهم إلى التعبير الأدبي في الخمسينيات من القرن الماضي.

وقد بدأ الالتفات إلى هذا الموضوع الحيوي والمهم في إيطاليا من بعد تعرُّض مهاجر شاب تعود أصوله إلى جنوب أفريقيا ويُدعى جاري ماسلو(Jarry Maslo) إلى القتل ، وذلك في عام ,1989 جرت تلك الحادثة المُؤْسًفة في إحدى ضواحي مدينة نابولي ، ومنذ ذلك الوقت ، اكتشفت جهات متخصًّصة رسمية وثقافية وديموغرافية عديدة في إيطاليا أن الدولة تحولت ، منذ مَطْلع السبعينيات في فترة زمنية قصيرة ، من بلد يهاجر أبناؤه إلى بًقاع الدنيا سعيا إلى ظروف حياة أفضل ، تحولت هي نفسُها إلى بلد يَتوق أبناء العالم الثالث إلى الهجرة إليه ، باعتباره ملاذ يوفر لأبنائه شروط حياة افضل ، وقد ادت موجة الهجرات المتتابعة الشرعية منها وغير الشرعية كذلك إلى انتشار مظاهر التفكير العنصري والتعصب العرقي المتشدد.

وقد دفع ذلك الحادث المأسوي المجتمع إلى إعادة النظر في واقع المهاجرين بجدية اكبر ، لاسًيَّما بعد صدور قصة "فيلا ليتيرنو" (Villa Literno) باللغة الإيطالية للكاتب المغربي الشهير طاهر بن جلون ، والتي دارت أحداثُها حول هذه الجريمة العرقية بالذات. وقد أتاح الروائي طاهر بن جلون الطريق للمهاجرين المتواجدين في إيطاليا للجوء إلى التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم ومعاناتهم من خلال الكتابة عن تجارًبًهم ، لغاية تسليط الضوء وكشف الخفايا عن واقع المغتربين المهمَّشين في المجتمع الإيطالي ، وظروفهم المعيشية والإنسانية الصعبة.

وكما يَعرًف الكثيرون فإن إيطاليا ، بوصفها دولة مستعمًرة ، لم تعمل على التأثير ـ بشكل عميق ـ في البنية الثقافية للبلدان التي خضعت لأستعمارها ، وذلك على خلاف الدول الأوروبية المستعمًرة الأخرى مثل فرنسا وبريطانيا ، لذلك يمكن القول إن لدى كُتاب المهجر في إيطاليا خصوصية معينة يمكن تلخيصَها بأن منجزَهم الإبداعي لم يكن مدفوعاً بالحاح تَبًعات وعذابات ماض لا يخلو من قهر وتَبَعية ، والرغبة في الانتقام من الثقافة المستعمًرة ، من خلال الامتلاك والتصرف في لغتها ببراعة ، كما تبدَّى ذلك جَلياً في تجربة المؤلف الفرنسي كاتب ياسين أو الإنجليزي حنيف قريشي. على العكس تمثل إيطاليا للأجانب نقطة انسجام بين عقلانية أوروبا وعاطفية بلدان الحوض المتوسط ، رغم أنها تجنبت في المرحلة الأخيرة من تاريخها التركيز على جذورها المتوسطية لطموحاتها إلى تثبيت انتمائها للاتحاد الأوروبي. وبسبب عدم وجود علاقة مميزة بين أدب المجهر في إيطاليا وتاريخها الاستعماري ، ربط الخبراء في هذا الشأن بين ما حدث في إيطاليا بطريقة تطور ظاهرة أدب المهجر في الولايات المتحدة بدلاً من الدول الأوروبية الأخرى.

وكما جرى في أميركا في المرحلة الأولى حيث كان ينبغي أن يقترن اسم كاتب أفريقي الأصل باسم كاتب أميركي ، فقد استعان الكاتب المهاجر في المرحلة الاستهلالية بمساندة مؤلف أو صحفي إيطالي ، وذلك ليس من باب تجاوز صعوبات اللغة فحسب بل ، كذلك ، للحصول على مشروعية الاعتراف به من قبل القراء الإيطاليين. ولهذا السبب برزت بعض الثنائيات الأدبية المشهورة المتكوًّنة من كاتب عربي وكاتب إيطالي مساند.

ظهرت في بداية التسعينيات أول رواية لكاتب مهاجر وهو التونسي صلاح المثناني بعنوان "المغترب" ، وتوالت روايات أخرى لكُتاب عرب من مهاجري إيطاليا ، من مثل: الروائي التونسي محسن ميليتي ، والكاتبة الجزائرية ناصرة شورى ، من خلال روايتها ذات العنوان الإشكالي "أردت أن أكون بيضاء".

كانت معظم المؤلفات الأولى تتبع نمط السيرة الذاتية والشهادة على تجربة المغتربين المأزومين والمحاصرين بين حجم توقعاتهم واحلامهم وواقع وتناقضات المجتمع والبلد الذي لاذوا إليه ، وبين الصعوبات الإنسانية والمعيشية والقانونية الجَمَّة التي يواجهونها في سبيل الحصول على جواز الاقامة وشروط عمل لائق يُلَبًّي تطلعاتًهم ويتناسب مع مستوى قدراتهم وامكانياتهم العلمية والفنية.

كما برزت على المشهد في مرحلة لاحقة أسماء كثيرة جديدة لكتاب لهم تجارب إبداعية مميزة ، من بين هؤلاء: عمارة لخوص ، وطاهر لمري ، وسماري عبدالمالك من الجزائر ، وإجيابا شيغو (Igiaba Scego) وكريستينا علي فرح من الصومال ، ويوسف وقّاص من سوريا ، ومعين مصري من فلسطين ، ويونس توقيق من العراق ، إلخ. يشعر الكاتب المهاجر ، عامة ، بأن الإيطالية هي لغة محايدة ، ويقوم باختيارها للتعبير الأدبي على أساس عشقه للمفردات الثقافية الإيطالية القريبة من وجدانه.

تميز أسلوب مؤلفات المهاجرين بصفات إبداعية مَبْعَثُها خصوصية لغته العربية الثرية والأصيلة والغنية بالجماليات البلاغية التي أثّرت في اللغة الإيطالية ، وفقاً للباحثة ماريسا بولغيروني ، على مستويين: التعبيرات المخصصة باللغة العربية ، والتحولات المَخْفية في بنية الجملة نفسًها. وعلى المستوى اللغوي ، أُبْرًز الروائيَّ عمارة لخوص لقراره أن يلجأ إلى وسيلة إعادة الكتابة باللغتين: العربية ، والإيطالية.

ويسعى هذا النوع من الأدب إلى استرجاع هوية المغترب المجهولة والضائعة والمُغَيَّبة في بلد المهجر ، إنها تنطلق من إحساس الغربة المرة ، ومن تدفّق الذكرايات ومقدار الحنين في روحه التي تنبُش أحداثاً ووجوهاً من الماضي ، حيث يحس المغترب بحاجة ماسة إلى السرد بوصفه وسيلته الوحيدة للنجاة. وتعتبر تجربة الهجرة ، بالفعل ، نقطة التحول في حياة المغترب ، وتعادل ما يقارب ولادة ثانية حيث يمر المغترب عبرها في تجربة الموت والحياة من جديد.

يحرُص المغترب على الكتابة لأسباب عدة ، وهي: الرغبة في الخروج من حالة العزلة والحصول على الاعتراف به من قبل المجتمع المستضيف ، وكذلك الطموح أن يعطي صوتاً للمهاجرين بتفنيد الأحكام المُسْبَقة عنهم ، كما إنه يسعى إلى مساندة عملية تعزيز جسر الحضارات وتدعيمه حتي يتم إعادة توحيد ما فصلته مُعْطَيات التاريخ. وعلى المستوى الشخصي ، يَميل الكاتب المغترب في أغلب الأحيان إلى المصالحة مع الماضي المكبوت والرغبة في تثبيت جذوره في إيطاليا.

ومن الجدير ملاحظته ، في سياق الطموح إلى الاستقرار ، أنّ مصطلح "السكن" عند الرومان كان يتوافق مع مفهوم الحدود ، والفعل اللاتيني (habitare) كان بمعنى "امتلاك الشيء باستمرار" ، أما في الثقافة العربية ، كما جاء على لسان الكاتب لمري ، فالسكن هو عبارة عن الهدوء والصمت والكلمة مستخدمة للتعبير عن نزول الليل ، وفي سياق الحب والعبث حيث يمكن للإنسان أن يكون "مسكوناً" بهما.

ويشير كذلك الكاتب السوري يوسف وقاص ، والذي تميز بموهبته في استخدام تقنية السرد الخيالي والخرافي ، إلى عدم إمكانية تحديد أية ثفافة بالتحديد ، وتميزًها بين الثفافات الأخرى. إذ يبدو للمراقب أنّ موجات الهجرة هي عملية غير شرعية ، ولكنها على العكس حركات طبيعية في تاريخ الجنس البشري ، تنتُج عن التغيرات الاعتيادية في ظروف المعيشة للشعوب حَسَب التطورات الاقتصادية والسياسية ، وتؤدي هذه الحركات المثمرة إلى التبادلات الثقافية بين الحضارات.

وإذا كانت أول أشكال سرد الكُتاب المهاجرين ظهرت على صيغة الشهادة والسيرة الذاتية كي تروي وتُوثًّق مسار خبرتهم تجربة الهجرة والارتحال ، فمن الجدير ذكرهُ أن هناك علاقة مجازية ، بحَسَب رأي الناقد البلجيكي بول دي مان (Paul de Man) ، بين نمط السيرة الذاتية الأدبي وتقنية التشخيص أو التجسيد في فن البلاغة. إن الكتابة السير - ذاتية تعادل ، دائماً ، عملية التشخيص (Prosopopea) بمعناه الإغريقي الأصلي الذي يعني حرفياً "إعطاء وجه أو قناع" (prosopon poien).

وبالطريقة نفسها يعمل أدب المهاجرين على تجسيد وجود المغتربين في البلد المستضيف ، وإعطائًهم فُسْحة وفضاء للتعبير عن إحساسهم وتطلعاتهم وأمانيهم.

والسؤال الرئيس الذي يسعى أدب المهاجرين إلى طَرْحًه هو حول تعريف محدّد لهوية الأجنبي. إن الأجنبي كان يُعتبر في الفكر الإغريقي القديم "بلا مكان" (atopos) ، كما لاحظ طاهر لمري الذي يشير أيضاً إلى أنه "غائب مرتين": لأنه مجهول في بلد المهجر ، وقد صار غريباً في بلده الأصلي. إنه محصور في ما سماها المفكر الهندي هومي بابا (Bhabha Homi) بمنطقة "الما - بين": لأنه ليس إيطالياً بعدُ ، ولم يعد عربياً بشكل كامل.

وبالفعل ، الأجنبي غير موجود لكون المفهوم نفسه مجرد تركيبة ثقافية منفصًلة عن هويته الجسدية. ويتولى تصوير الغيرية عدد من المعاني ذات الإديولوجيات المعينة التي تعود إلى التوترات الباطنة في المجتمع المستضيف. تتّصف الحضارة الغربية بقدرتها على تصور الآخر بصفات نمطية سلبية ، أو عجائبية ، ويشعر الكاتب المغترب الحاجةَ إلى التغلب على ما سميت بـ"سلطة التصور" في التيار الفكري ما بعد الاستعماري. وفقاً للكاتب طاهر لمري "الأجنبي هو غير متحدًث بل متحدَث عنه".

ففي محأولة إعادة الاستيلاء على هوية المغترب الحقيقية يركز عمارة لخوص في رواياته على عملية تفاوض الهوية الناتج عن سلسلة من تطابقات وتناقضات بين شخصيات مختلفة الجنسيات تمثل روح مجتمع روما الجديدة متعددة الثقافات.

وتنتقل في رواياته زاوية التصوير حول الحدث نفسه بين الشخصيات التي تقدم مَقولاتها عنه بشكل مباشر. وتمر عملية استدلال الحقيقة المركبة من قبل القارئ دائماً خلال وجهات النظر المختلفة ، وذلك يشير إلى عدم إمكانية تحديد الحقيقة بشكل أحادي المعنى. كما إنه يلعب دائماً على إشكالية سوء الفهم أو المفارقات الناتجة عن اللجوء إلى الثنائيات المتناقضة مثل نحن ـ أنتم ، رجل ـ امرأة ، صحيح ـ خاطئ ، إيطالي ـ عربي.

"من أحمد؟" هو السؤال الذي يمر خلال روايته "كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضك". تتساءل شخصيات الرواية إذا كان أحمد واحداً "منّا" أو "منهم" ، من داخل إيطاليا أو من خارجها. إنه رجل هادئ ليس منهمكاً في أنشطة غير شرعية مثل بقية المغتربين ، وفق مخيًّلة العامة من الإيطاليين ، لا يحب التدخين والمشروبات الروحية ، كما إن بشْرته متوسطية ليست شديدة السُمرة ، وهو يحترم الجيران ويلتزم بقوانين التعايش. يشكل أحياناً سنداً مهماً للمغتربين الآخرين في إنجاز الإجراءات البيروقراطية المعقدة للحصول على الوثائق اللازمة لهم. لهذه الأسباب تَرسّخ اعتقاد لدى معظم الشخصيات أنه إيطالي الأصل ، وإذ به يتحول في مخيلتها إلى أميديو: رجل إيطالي لطيف ومتفاهم.

ولكن من أحمد ـ أميديو لنفسه؟ إنه مجرد إنسان يعاني الوحشة والحنين ، على نحو خاص ، وهو ما يعود إليه جاك ديريدا بالكلمة (Nostalg rie) التي تعبّر عن الحنين للجزائر ، من خلال خليط بين الكلمتين بالفرنسية.

ويقوم كذلك الفيلسوف جاك ديريدا ، من مواليد الجزائر ، بتأكيد أن الفكر الغربي يميل إلى ما سمّي بـ(logocentrisme) يعني "مركزية العقل" ، أو "مركزية الإسم" (Logos).

يعتقد علم المنطق التقليدي أن هناك تسوية بين الحقيقة والإسم الذي يحددها ، وذلك لأن التفكير الغربي ، الذي يعود إلى فلسفة أرسطو ، يقوم على أساس قانون اللاتناقض ، الذي يعمل على تحديد الهوية من خلال إنكار عكسها.

(الأنا) يساوي ما يختلف عن (اللاأنا). من خلاف تفكير الحضارات الشرقية الذي يمكن فيه للكائن أن يستوعب الآخر المتناقض. ولوجود هذه العناصر غير العقلية المثمرة في الحضارة الشرقية ، فيمكن للكاتب لمري أن يشير إلى أن "الشرق" هو "مكان الروح".

يعتبر هذا القاص الجزائري تجربة الكتابة كطوف مستدير ينطلق من الفقدان الدائم للهوية الأصلية ويمر من لحظات الدهشة والأسطورة والمعارك والغزوات ، حتى يتم استرجاع الهوية المبدئية لكل إنسان.

وفي إطار قضية "مركزية الإسم" ، يعمل لخوص بموهبته الأدبية ، خاصة بتقنية السخرية ، على انقلاب قيمة الثنائيات المتناقضة والأحكام النمطية الثابتة. فيصبح الإسم مجرد "مجاز" في رأي الناقد بول دي مان ، ويلجأ عمارة لخوص إلى الاستعانة بإسم "مستعار" لشخصياته ، أو إسم مزدوج الجنسية: عربي - إيطالي. وفعلاً تمتلك أهم شخصياته الروائية دائماً إسمين ، مثل أحمد ـ أميديو ، كريستيان ـ عيسى ، صافية ـ صوفيا ، إلخ. ثمة ، في استخدام الإسم الثنائي إشارة إلى إمكانية الازدواجية النفسية والثقافية في الهوية ذاتها. تشويش إسم المهاجر من قبل الإيطاليين عبارة عن لا مبالاة الناس وعدم رغبتهم في فهم هوية الآخر. ففي الوقت نفسه استبدال الإسم فرصة استثنائية للمغترب ليتطهر من تاريخه الدموي الحزين ، ويبدأ حياته من نقطة الصفر. وبالتالي المغترب الذي يعيش في حال التباس الإسم ، يصبح مبتكرا لهوية أخرى خيالية يخفي وراءها توقه إلى تخطي الأسى والإحساس بالغربة.

ولكن تتحول ، أحياناً ، حالة الاستلاب إلى استراتجية فنية تسهم في قلب المعاني ، واكتشاف الحقيقة متعددة الوجوه. ويعمل أدب المهاجرين على تفكيك هذه التركيبة والتصورات الزائفة انطلاقاً من موقفهم المنفي. وتصبح هذه الزاوية البعيدة منظوراً مميزاً للاطلاع على المألوف بعين أخرى.

ولكن في الوقت نفسه تَجدُر الأشارة إلى أن السعي إلى تجسيد الحقيقة قد يؤدي إلى احتمال معالجتها بشكل مثالي ، وفي محاولته التغلب على "سلطة التصور" ينتهي الكاتب ، بالضرورة ، بتقديم الحقيقة بشكل "تصوري". وذلك لطبيعة الكلام نفسه ، بقدرته التعبيرية التي قد تؤدي إلى تحجيب وكشف الحقيقة والذكريات في الوقت ذاته.

في واحد من مقالاته حول تجربته في الهجرة يشير عمارة لخوص إليها مستخدماً "رًثاء منفى مُنجز" ، وذلك لعدم إنجاز انفصاله عن وطنه بشكل كامل. وفي محاولة المغترب إتمامَ طقوس وداع الوطن والأحبة والمشاعر المكبوتة في روحه ، يمكن مقارنة فن الكتابة بالطقوس الجنائزية ، كما جاءت بالملاحظة الناقدة الأميركية ساندرا جيلبرت (Sandra Gilbert) ، وذلك لأنها قادرة على البقاء على قيد الحياة ما لم يتم الدفن. وبالطريقة نفسها يقدّم الطقس الجنائزي سبيلاً لحلّ الخلل في التوازن النفسي الذي يُحدًثه الموت أو أي شكل من أشكال الفقدان ، مثل تجربة النفي عن الوطن الأصلي.

في الرواية "كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضك" يقول الكاتب لخوص: "إنه الخوف من الموت: الموت بعيداً عن أنظار الأحبة: الموت وحيداً... ما أوحش أن يَجمع رُفاتك قبرّ في المنفى" . ويُعبّر كذلك الكاتب السوري يوسف وقاص عن قلق أمه من استحالة زيارة قبره في حال موته في بلد الغربة. ويبدو المغترب ، دائماً ، في حالة بُكائية وخوف خلال المَراثي الذاتية المسبقة ، التي تتأسى على مصير الغربة الذي يتربّص بقبره ، أيضاً ، حيث لا أحبة يبكون غيابه.

الكتابة تسمح بتجسيد الذكرايات التي تنبثًق من أعماق روح الكاتب ، وبالتالي تساعد ، من جهة ، في التعافي من وَبَاء الغربة وتضمَن ، من جهة أخرى ، استمرار الجرح: لان نزْفه يغذي فعل الكتابة نفسًها.

يشعر الكاتب بالحاجة إلى دفن الذكريات ، ولهذا الغرض يتعلم بطل رواية "كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضك" هذه العملية من الغراب الذي دل ، في الأسطورة ، القاتل قابيل على الطريقة للتخلص من جثة أخيه هابيل ، ويقول لخوص: "الغراب هو أول خبير في دفن الأموات في التاريخ. أنا غراب من نوع خاص ، مَهًمّتي هي دفن الذكريات الملوّثة بالدم". رمز الغراب يشير إلى كيفية دفن الذكريات في منطقة اللاوعي لكي يتوصل إلى نعمة النسيان تدريجياً.

وقد تمثل الكتابة أداء الطقوس الجنائزية لوطن دمرته الحروب. كما في حالة الكاتبات الصوماليات في مثال إجيابا شيغو وكريستينا علي فرح عندما حاولن استرجاع وجه مدينة موقديشو ، الذي تحول إلى شبح ، لكنها لا تزال حية في ذكرياتهنّ.

وبرغم التنوع الكبير في أصول هؤلاء الكتاب من كل أنحاء العالم العربي ، يبدو أن هناك جذراً مشتركاً لهم جميعاً ، وهو القاصة شهرزاد التي علمتهم فن السرد بوصفه الوسيلة الوحيدة للنجاة في عتمة الظروف المُعادية السائدة ، حيث يدرك الكاتب المهاجر أنه يشارك مصير هذه القاصة لأنها في عالم سيطر عليه العنف ، تمارس كفاءتَها في السرد لمكافحة الظلم ، ومن أجل الحوار لتأسيس حضارة التفاهم ، وحتى لمساعدة السلطان على الشفاء من رغباته العنفية. ويقول الكاتب لخوص: "علميني يا سيدتي الجليلة حًرفة التملص من الموت. علميني ، يا شهرزاد ، كيف أكًرُّ وأفًرُّ من غضب شهريار وحقده... ذاكرتي هو شهريار".

مختفي
9 - 3 - 2011, 10:58 AM
خبر مميز.. تجسيد جميل لمرارة الغربة

شكراً لك أختي رذاذ عبد الله على نقل الخبر

دمت برقي

رذاذ عبدالله
9 - 3 - 2011, 12:53 PM
شاكـرة تألقك بين الخبــر،،
ولو أنــه كان طويلا بعض الشيء،،
لكني لم أشأ اقتطاعه للفائدة ،،
لقلبك أنفاس الياسمين،