رذاذ عبدالله
9 - 3 - 2011, 05:35 PM
الأرشيف الوطني للأغنية المحلية القديمة وسؤال إعادة الإحياء
أصوات إماراتية في ذاكرة الأغنية
http://www.iraqup.com/up/20110309/0vO01-rVDc_625978378.jpg (http://www.iraqup.com/)
لا يختلف اثنان على أن الأغنية القديمة لا زالت تكتنز قيما أدبية وفنية وذائقة مقدرة، باعتبار أنها ولدت في بيئة ثقافية فارزة يرتفع فيها صوت النقد، ولا يصل منها إلى وجدان الناس إلا ما حمل قيما خالصة في الشعر والجمال، في وقت كان لا يصل إلا الصادق من ألوان التعبير، وفي وقت كان لا يصل إلا الصادق من ألوان التعبير وفي وقت لم يحظ فيه صناع الأغنية بالتقنيات التي تتوفر في عصرنا الحالي.
لا يختلف اثنان على هذا الأمر، خصوصا الذين يأخذون دور الأغنية في تشكيل الوعي الجمعي على محمل الجد ويرون فيها رافدا ثقافيا. وعلى الجانب الآخر فإن معاهد الموسيقى العربية إلى اليوم لا زالت تضمن مناهجها روائع من الغناء العربي والطقطوقات الشهيرة التي تنتمي إلى ثقافة الغناء العائدة إلى الاربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، ويتدرب مئات من الطلاب والطالبات على صولفيجاتها وجملها الموسيقية، وترتكز معظم بحوثهم النظرية على منجزات تلك الفترة، باعتبارها فترة أصالة وفترة القيمة الفنية العليا. كانت الأغنية العربية في تلك الحقب من القرن الماضي تخرج وسط نهضة ثقافية وأدبية أصيلة وذات قيم كبرى، لهذا لا زالت تحقق الفارق، في ظل تضاؤول مساحة الأغنية الجادة اليوم، بل وانحسارها.
كانت بداية الأغنية في الإمارات التي انطلقت من حناجر مطربين اسسوا لها شبيهة إلى حد ما بانطلاقها في البلدان العربية، حيث تكون الجهود الفردية هي الأرض الخصيبة التي تتبناها بعد ذلك جهات أو أشخاص، وكان الأثير عبر الإذاعة، والتسجيل على اسطوانات الجرامافون، ومن بعد ذلك أشرطة الكاسيت، هي السبل المتوفرة، حيث لم تكن هناك شركات إنتاج بالشكل والصورة التي نراها عليها اليوم. وقبل ذلك كانت الساحات والميادين والأنشطة عبر المدارس والمعسكرات الكشفية، هي المساحات التي تطلق العنان للمواهب.. حركة الشعر الغنائي هي الأخرى حينما كان النشر ضعيف جدا إلى حد التلاشي، كانت الأغنية المحلية تفتح لها الأفق ومنها اشتهر العديد من الشعراء من أمثال خلفان بن يدعوه، والخضر وبن سوقات وغيرهما.
فقد كانت أغاني المطرب علي بن روغه مثلا، وكانت تطرح على الجمهور بمعدل ست أو سبع أغنيات في الشهر عبر شريط الكاسيت، ديوان للشعراء، فيسمع الجمهور قصائد الشعراء مثلما يستمعون إلى صوت علي بن روغه وجديده من الألحان.. أيضا كانت بعض البرامج الإذاعية تتبنى المطربين الجدد، وحينما قامت الدولة وتشكلت المؤسسات الاتحادية كانت وزارة الإعلام والثقافة تضم قسما للموسيقى، بالإضافة إلى الجهود التي بذلها الملحن والموسيقار عيد الفرج حينما كون فرقة موسيقية محلية وتبنى المواهب.. كانت هناك أشكال مختلفة من الرعاية، لكن كان القاسم المشترك في هذا كله، هو أن الأغنية المحلية كانت أكثر اقترابا من الأغنية العربية الرصينة، وكانت محمولة على شعر مغنى تحترمه الذائقة، وكان هاجس المطربين والموسيقيين بعيدا عن الاستهلاك والثراء التجاري، كانت فلسفة الأغنية، وجمال اللحن هما حصانا التسابق في الساحة، فلا يتنازل المطرب عن كلمات جيدة ولا لحن جيد.
كثيرون هم الذين أسهموا في بدايات الأغنية المحلية ونشرها من شعراء وملحنين ومن أصحاب شركات تسجيلات وبرامج اذاعية، وأصوات مطربين ومطربات، يغيبون اليوم وتغيب ذكراهم، بالرغم من انهم بذلوا جهودا كبيرة في بلورة طعم ولون الأغنية المحلية.. وفي هذه النبذات التي نختارها هنا وهم من بين مجموعة من المطربين والموسيقيين المحليين الذين كرمتهم وزارة الثقافة والشباب ورعاية المجتمع في ابريل من العام 2006 وهو يبدو التكريم اليتيم، حيث لا زالت قنوات كثيرة تغفل هؤلاء وتغفل تسليط الضوء على منجزهم.. اليوم فيهم من رحل عن الدنيا، وفيهم من يقاوم العجز والشيخوخة. هنا وقفات من سير بعضهم نستشف منها سنوات العناء والجهود التي مارسوها.
المطرب محمد عبدالسلام:
من مواليد دبي في حوالي منتصف العقد الثاني من القرن الماضي، احترف الغناء مبكرا وكان يغني (فن الصوت) من الأصوات المعروفة وبعض الأصوات الخاصة به، في عام 1950 سافر مع يوسف الخاجة وهو صاحب تسجيلات (دبي فون) إلى بومباي بالهند ليسجل بعض اغانيه ومن الاغاني المشهورة له من كلمات الشاعر مبارك بن حمد العقيلي (آه من قل الرفيق) وأغنية (حديقة ورد ام خدود نواعم) ومن الأصوات التي تغنى بها صوت (يظن المعافى ان داء الهوى سهل) وصوت (اذا صفا لك من زمانك واحد) كما كانت له أغنية من كلمات الشاعر النبطي عبدالله بن سلطان بن سليم.
المطرب محمد سهيل مرزوق بن هويدن الكتبي:
من مواليد 1931 بدأ حياته في كنف والديه حتى توفي أبوه وهو في سن صغيرة وعندما بلغ الثالثة عشرة من عمره ذهب إلى البحرين لكسب الزرق، عاش في البحرين فترة من انتقـــل إلى السعودية للعمل في شركة ارامكو للبترول حيث كان العديد من الشبان الخليجيين يعملون هناك.
عاش محمد سهيل في السعودية فترة ليست بقصيرة ثم عاد إلى الإمارات ليتزوج ثم عاد إلى السعودية مرة أخرى، وتعلم سهيل في السعودية العزف على آلة العود كان يلتقي الفنانين من السعودية فبدأت الموهبة عنده آنذاك، وبالرغم من انه كان يعزف على آلة فقد كان يلحن ويكتب القصائد حيث غنى له الكثير من الفنانين. وفي تلك الفترة أيضا كانت لديه هواية أخرى وهي هواية التصوير الفوتوغرافي، حيث بدأ العمل كمصور محترف وكانت حياته دائما في سفر بين السعودية ولبنان واليونان لتسجيل الأغاني الخاصة به ولفنانين آخرين، حيث كان يمتلك شركة إنتاج فني. وقد عاد محمد سهيل إلى الإمارات ليستقر بها في العام 1968، حيث عمل بعد ذلك في وزارة المواصلات ومارس هوايته الأولى وهي الغناء، وأيضا قام بفتح شركة إنتاج فني في تلك الفترة، وقد توفي المطرب محمد سهيل مرزوق بن هويدن الكتبي في العام 1978.
اسماعيل سالم محمد المطرب:
من مواليد دبي عام 1939، تلقى تعليمه في المدرسة الاحمدية بدبي، وتنقل بين أعمال كثيرة، وفي العام 1974 بدأ عمله في وزارة الإعلام والسياحة بوظيفة رئيس فرقة الاتحاد للموسيقى والفنون والشعبية، وفي العام 1978 انتقل للعمل برعاية الشباب في وزارة التربية والتعليم، وأحب رياضة الكرة الطائرة وعمل مسؤولا للعلاقات العامة في اتحاد الكرة الطائرة منذ العام 1977، ومارس الطرب في المناسبات المختلفة حتى وفاته في العام 1991.
المطرب حسين محمد قائد:
من مواليد دبي في العام 1947 وقد عمل موظفا في دائرة الصحة والخدمات الطبية بدبي منذ أربع وأربعين سنة، وبدأ ممارسة هواياته الفنية في العام 1963 من خلال اللجنة الفنية بنادي الشعلة الرياضي الثقافي بدبي حيث شارك في تمثيليات اجتماعية ومسرحية. شارك حسين قائد في الفرقة الموسيقية التي أسسها الفنان محمود حبيب في نادي الشعلة، وتأثر بالفنان العربي الشهير فريد الاطرش والفنان العراقي ناظم الغزالي فغنى لهما العديد من الأغنيات، وسجلت له اذاعة صوت الساحل عام 1963 بعض الاغاني في برنامج ركن الهواة.
وقد شارك حسين قائد كذلك في الحفلات الموسيقية الاسبوعية التي كان يقيمها نادي الشعلة، وشارك مع فرقة الفنان عيد الفرج بنادي الناصر بعجمان، وفي العام 1972 شارك مع بعض المطربين في اوبريت غنائي وطني بمناسبة العيــد الوطني للدولة، وقد غنى حسين قائد ست أغنيات من الحان الفنان عيد الفرج وهي: (نسيم الصباح، ابوعيون عسلية، قلي بالله، طار عنا طوير الحنا، الا يا اسمر يا زين)، وله ايضا أغنيات اخرى من ألحان فرقة نادي الشعلـــة. كما كانت له محاولات لتعلم العزف على عدد من الآلات الموسيقية وكان يجيد الايقاع. سجل للاذاعة الكويتية بعض الأغنيات وسجل ثلاث أغنيات بتلفزيون الكويت من دبي وشارك في حفلات غنائية في سوريا والأردن وقطر والبحرين.
المطرب زعل خليفة خلفان المري:
من مواليد دبي عام 1948، بدأ دراسته بمدرسة الشعب بدبي والتحق بالحركة الكشفية المدرسية وكان قائدا لوحدة كشفية وقائد تدريب دولي، وقد بدأ الغناء خلال الاحتفالات المدرسية والأنشطة الكشفية، وشارك في العديد من المخيمات والمهرجانات الكشفية ومعسكرات العمل الشبابية، وله بعض الاغاني المسجلة بالتلفزيون ومنها أغنية وطنية وقد كانت وفاته في العام 1999.
المطرب سالم عثمان مبارك:
من مواليد 1952 في إمارة رأس الخيمة منطقة المحارة، بدأ تعليمه من الكتاب بحفظ القرآن الكريم، وبعدها التحق بالتعليم النظامي في إمارة رأس الخيمة في المدرسة القاسميــة ثم نال الشهادة الثانوية، وقد كانت الحركة الكشفية هي نقطة بروزه في الساحة الفنية، كما كتب مجموعة من الأغنيات مع زملاء الدراسة، وقد ربطته علاقـــة وطيـــدة بالملحن عيد الفرج الذي قام بتأسيس فرقــة موسيقيـــة جمعت معظم فناني الإمارات وكان لها دور كبير في الساحة الفنية في ذلك الوقت. وقد ضمت الفرقة العديد من أسماء المطربين الذين لمعوا بعد ذلك ومنهم: المطرب الراحل جابر جاسم، وجاسم عبيد وموزة سعيد.
نال المطرب سالم عثمان شهادة موسيقية من كلية التربية الموسيقية في جامعـــة حلوان قسم الايقاعات عام 1978 في مصر.. كما شـــارك المطـــرب سالم عثمان في العديد من المسرحيات بالغناء ومنها مسرحية قوم عنتر، مسرحية للارض سؤال مع فريق مسرح جامعة الإمارات، مسرحية الرسالة وجزر السلام ومؤخرا مسرحية كل الناس يدرون للكاتب الراحل سالم الحتاوي.
المطرب سعيد سالم حسن المعلم:
من مواليد 1950 الشارقة منطقة دبا الحصن، وقد بدأ تعليمه من الكتاب، وبدأت حركته الفنية في المقاهي الشعبية، وكان في ذلك الوقت يهوى حفظ الأغاني والقصائد التي يمكن اعتبارها نقطة بروزه في الساحة الفنية، وفي العام 1965 سجل أول شريط له في محل استديو ابراهيم جريف، وكان عمره أربعة عشر عاما، وكانت أغنيته الاولى (هام قلبي في الهوى مرة) من كلمات الفنان جاسم سيف القصاب، وكانت الحفلات المحلية تسجل في جلسات شعبية.
كما سجل بعضا من اغانيه في أشرطـــة تسجيــلات هدى فون لمالكها محمد بن علي محمـــود وتسجيـــلات الاتحاد لمالكها يوسف حسين، وتعرف على الفنانين المحليين من امثال علي بـــن روغه، وحارب حسن وسعيد الشراري وجابر جاسم.
المطرب سعيد الشراري:
من مواليد مدينة كلباء بالشارقة، بدأ في أواسط الستينيات حينما اكتشفه احد المدرسين بمدرسة سيف العربي فأشركه في الأناشيد المدرسية، وكانت بدايته الفنية في العام 1967 وغنى في بداياته على اسطوانات للشعراء سعيد بن عيمر وسهيل مبارك وقام بتسجيل العديد من الأغاني في استديوهات الفنان الراحل محمد سهيل، حيث كان أصحاب الاستديوهات يتذوقون الفن ويسود الأجواء الفنية التعاون والألفة والحب الحقيقي للفن. وقد عاصر الشراري العديد من الفنانين مثل بالروغه وجابر جاسم وجاسم عبيد وقد سجل لتلفزيون ابوظبي حوالي (116) أغنية ضمن برنامج جلسات السمر في الاستديوهات.
وقد عمل الشراري كذلك مديلا لتسجيلات الفن الحديث، ثم سافر إلى لبنان وتعلم اصول وقواعد فن المقامات والألحان والعزف على آلة العود، وكان يقوم بتسجيل أغانيه في استديوهات زينل فون وهدى فون، وبعد تلك المرحلة بدأ التعاون مع تسجيلات الشعب لتسجيل أغانيه.
المطرب جاسم عبيد:
من مواليد رأس الخيمة في العــــام 1939، شغـــف منذ صغره بآلة العــود وصنـــع لنفســه عودا من الصفيح وأوتـــار النايلـــون، وعندمـــا كـــبر وبلــــغ ريعان الشبــاب سافر إلى الكويـــت مع بعض أقـــاربه للعمـــل هنـــاك أســـوة بأقرانـــــه من أبنـــاء الإمـــارات الذين كانــوا يسافـــرون إلى الكويت والسعوديـــة والبحرين وقطر منذ الثلاثينيات إلى منتصف الستينيات من القرن الماضي، واصل الاعتماد على نفسه في تعلـــم آلـــة العـــود، حيـــث كان بعد ان التحق بالعمل في الكويـــت اشترى عودا وأخذ يدندن عليه، وعلـــم نفسه بنفسه إلى ان تمكــن من العـــزف والغنـــاء وذاع صيتـــــه كمطـــــرب بين ابنـــاء جاليته، ثم سافـــر في نهايـــــة الخمسينيـــــات إلى الهنـــد ومكث عدة سنين هنـــاك، وتعــرف على كثير من العرب الخليجيــين المقيمـــين هنـــاك، وكانـــت لديهم مجالس طــــرب ليليـــة وانضـــم اليهـــا واصبــــــح من ابـــــرز فنانينهـــا، عاد إلى الإمـــارات في منتصـــف الستينيات وفتح محلاً لبيع الخــــرداوات في دبـــي، وبقـــى ممارســــا هوايتـــه مســـاء، سجــل مجموعــــة من الأغـــاني لإذاعـــة صــوت الساحـــل، وقـــــــام كــثيرا من حفـــــلات الاعـــراض في دبي ورأس الخيمــــة وبقيــة الإمــارات.
إعادة أحياء
يوجد في الأرشيف الوطنـي للأغنيـــة المحلية المتناثر بين العــديــد من المؤسســات العامـــة والخاصـــة والأفــــراد كنز كبير، لكن هــذا الأرشيـــف لم يعـــد إنتاجه من جديد، كما توجد أغنيات خالدة ولا زالت تسكن الذائقة المحلية، تم تسجيلهـــا بأساليـــب وتقنيـــات قديمة، قام بعض المطربين المعاصرين بتجديدها وإعادة احيائها، ولكن لمطلبـــات الســـوق، فيما تشهد ساحات غنائية عديدة، مثـــل ما حـــدث في مصـــر وسوريا ولبنــان، من إعادة بعض الأغنيات، وإعـــادة بعض الألحـــان واحتسابهـــا من المـــــوروث الغنـــــائي، هذه الخطوات لا زالت في حكــم الاجتهـــادات الشخصيـــة.. أيضا هناك كلمات وقصائــــد لا توجـــد لها كتابات، ولا نسخ ولا دواويــن شعريـة تحفظــهـــا، ولكنهــا محفوظة في تلك الاسطوانــات والاشرطــة القديمـة.. يوجد أرشيف ضخــم لدى تسجيـلات زينـــل فون، وهــي مؤسسة عملت لسنـوات طويلة في تبنـي وابــــــــراز المطربــين الشعبيين والأغنيـــة الشعبيــة، وهــذا الأرشيـف لا زال يعتبر ثــروة وطنيـة تحتـــاج إلى نـــوع مــن إعادة الإحياء.
أصوات إماراتية في ذاكرة الأغنية
http://www.iraqup.com/up/20110309/0vO01-rVDc_625978378.jpg (http://www.iraqup.com/)
لا يختلف اثنان على أن الأغنية القديمة لا زالت تكتنز قيما أدبية وفنية وذائقة مقدرة، باعتبار أنها ولدت في بيئة ثقافية فارزة يرتفع فيها صوت النقد، ولا يصل منها إلى وجدان الناس إلا ما حمل قيما خالصة في الشعر والجمال، في وقت كان لا يصل إلا الصادق من ألوان التعبير، وفي وقت كان لا يصل إلا الصادق من ألوان التعبير وفي وقت لم يحظ فيه صناع الأغنية بالتقنيات التي تتوفر في عصرنا الحالي.
لا يختلف اثنان على هذا الأمر، خصوصا الذين يأخذون دور الأغنية في تشكيل الوعي الجمعي على محمل الجد ويرون فيها رافدا ثقافيا. وعلى الجانب الآخر فإن معاهد الموسيقى العربية إلى اليوم لا زالت تضمن مناهجها روائع من الغناء العربي والطقطوقات الشهيرة التي تنتمي إلى ثقافة الغناء العائدة إلى الاربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، ويتدرب مئات من الطلاب والطالبات على صولفيجاتها وجملها الموسيقية، وترتكز معظم بحوثهم النظرية على منجزات تلك الفترة، باعتبارها فترة أصالة وفترة القيمة الفنية العليا. كانت الأغنية العربية في تلك الحقب من القرن الماضي تخرج وسط نهضة ثقافية وأدبية أصيلة وذات قيم كبرى، لهذا لا زالت تحقق الفارق، في ظل تضاؤول مساحة الأغنية الجادة اليوم، بل وانحسارها.
كانت بداية الأغنية في الإمارات التي انطلقت من حناجر مطربين اسسوا لها شبيهة إلى حد ما بانطلاقها في البلدان العربية، حيث تكون الجهود الفردية هي الأرض الخصيبة التي تتبناها بعد ذلك جهات أو أشخاص، وكان الأثير عبر الإذاعة، والتسجيل على اسطوانات الجرامافون، ومن بعد ذلك أشرطة الكاسيت، هي السبل المتوفرة، حيث لم تكن هناك شركات إنتاج بالشكل والصورة التي نراها عليها اليوم. وقبل ذلك كانت الساحات والميادين والأنشطة عبر المدارس والمعسكرات الكشفية، هي المساحات التي تطلق العنان للمواهب.. حركة الشعر الغنائي هي الأخرى حينما كان النشر ضعيف جدا إلى حد التلاشي، كانت الأغنية المحلية تفتح لها الأفق ومنها اشتهر العديد من الشعراء من أمثال خلفان بن يدعوه، والخضر وبن سوقات وغيرهما.
فقد كانت أغاني المطرب علي بن روغه مثلا، وكانت تطرح على الجمهور بمعدل ست أو سبع أغنيات في الشهر عبر شريط الكاسيت، ديوان للشعراء، فيسمع الجمهور قصائد الشعراء مثلما يستمعون إلى صوت علي بن روغه وجديده من الألحان.. أيضا كانت بعض البرامج الإذاعية تتبنى المطربين الجدد، وحينما قامت الدولة وتشكلت المؤسسات الاتحادية كانت وزارة الإعلام والثقافة تضم قسما للموسيقى، بالإضافة إلى الجهود التي بذلها الملحن والموسيقار عيد الفرج حينما كون فرقة موسيقية محلية وتبنى المواهب.. كانت هناك أشكال مختلفة من الرعاية، لكن كان القاسم المشترك في هذا كله، هو أن الأغنية المحلية كانت أكثر اقترابا من الأغنية العربية الرصينة، وكانت محمولة على شعر مغنى تحترمه الذائقة، وكان هاجس المطربين والموسيقيين بعيدا عن الاستهلاك والثراء التجاري، كانت فلسفة الأغنية، وجمال اللحن هما حصانا التسابق في الساحة، فلا يتنازل المطرب عن كلمات جيدة ولا لحن جيد.
كثيرون هم الذين أسهموا في بدايات الأغنية المحلية ونشرها من شعراء وملحنين ومن أصحاب شركات تسجيلات وبرامج اذاعية، وأصوات مطربين ومطربات، يغيبون اليوم وتغيب ذكراهم، بالرغم من انهم بذلوا جهودا كبيرة في بلورة طعم ولون الأغنية المحلية.. وفي هذه النبذات التي نختارها هنا وهم من بين مجموعة من المطربين والموسيقيين المحليين الذين كرمتهم وزارة الثقافة والشباب ورعاية المجتمع في ابريل من العام 2006 وهو يبدو التكريم اليتيم، حيث لا زالت قنوات كثيرة تغفل هؤلاء وتغفل تسليط الضوء على منجزهم.. اليوم فيهم من رحل عن الدنيا، وفيهم من يقاوم العجز والشيخوخة. هنا وقفات من سير بعضهم نستشف منها سنوات العناء والجهود التي مارسوها.
المطرب محمد عبدالسلام:
من مواليد دبي في حوالي منتصف العقد الثاني من القرن الماضي، احترف الغناء مبكرا وكان يغني (فن الصوت) من الأصوات المعروفة وبعض الأصوات الخاصة به، في عام 1950 سافر مع يوسف الخاجة وهو صاحب تسجيلات (دبي فون) إلى بومباي بالهند ليسجل بعض اغانيه ومن الاغاني المشهورة له من كلمات الشاعر مبارك بن حمد العقيلي (آه من قل الرفيق) وأغنية (حديقة ورد ام خدود نواعم) ومن الأصوات التي تغنى بها صوت (يظن المعافى ان داء الهوى سهل) وصوت (اذا صفا لك من زمانك واحد) كما كانت له أغنية من كلمات الشاعر النبطي عبدالله بن سلطان بن سليم.
المطرب محمد سهيل مرزوق بن هويدن الكتبي:
من مواليد 1931 بدأ حياته في كنف والديه حتى توفي أبوه وهو في سن صغيرة وعندما بلغ الثالثة عشرة من عمره ذهب إلى البحرين لكسب الزرق، عاش في البحرين فترة من انتقـــل إلى السعودية للعمل في شركة ارامكو للبترول حيث كان العديد من الشبان الخليجيين يعملون هناك.
عاش محمد سهيل في السعودية فترة ليست بقصيرة ثم عاد إلى الإمارات ليتزوج ثم عاد إلى السعودية مرة أخرى، وتعلم سهيل في السعودية العزف على آلة العود كان يلتقي الفنانين من السعودية فبدأت الموهبة عنده آنذاك، وبالرغم من انه كان يعزف على آلة فقد كان يلحن ويكتب القصائد حيث غنى له الكثير من الفنانين. وفي تلك الفترة أيضا كانت لديه هواية أخرى وهي هواية التصوير الفوتوغرافي، حيث بدأ العمل كمصور محترف وكانت حياته دائما في سفر بين السعودية ولبنان واليونان لتسجيل الأغاني الخاصة به ولفنانين آخرين، حيث كان يمتلك شركة إنتاج فني. وقد عاد محمد سهيل إلى الإمارات ليستقر بها في العام 1968، حيث عمل بعد ذلك في وزارة المواصلات ومارس هوايته الأولى وهي الغناء، وأيضا قام بفتح شركة إنتاج فني في تلك الفترة، وقد توفي المطرب محمد سهيل مرزوق بن هويدن الكتبي في العام 1978.
اسماعيل سالم محمد المطرب:
من مواليد دبي عام 1939، تلقى تعليمه في المدرسة الاحمدية بدبي، وتنقل بين أعمال كثيرة، وفي العام 1974 بدأ عمله في وزارة الإعلام والسياحة بوظيفة رئيس فرقة الاتحاد للموسيقى والفنون والشعبية، وفي العام 1978 انتقل للعمل برعاية الشباب في وزارة التربية والتعليم، وأحب رياضة الكرة الطائرة وعمل مسؤولا للعلاقات العامة في اتحاد الكرة الطائرة منذ العام 1977، ومارس الطرب في المناسبات المختلفة حتى وفاته في العام 1991.
المطرب حسين محمد قائد:
من مواليد دبي في العام 1947 وقد عمل موظفا في دائرة الصحة والخدمات الطبية بدبي منذ أربع وأربعين سنة، وبدأ ممارسة هواياته الفنية في العام 1963 من خلال اللجنة الفنية بنادي الشعلة الرياضي الثقافي بدبي حيث شارك في تمثيليات اجتماعية ومسرحية. شارك حسين قائد في الفرقة الموسيقية التي أسسها الفنان محمود حبيب في نادي الشعلة، وتأثر بالفنان العربي الشهير فريد الاطرش والفنان العراقي ناظم الغزالي فغنى لهما العديد من الأغنيات، وسجلت له اذاعة صوت الساحل عام 1963 بعض الاغاني في برنامج ركن الهواة.
وقد شارك حسين قائد كذلك في الحفلات الموسيقية الاسبوعية التي كان يقيمها نادي الشعلة، وشارك مع فرقة الفنان عيد الفرج بنادي الناصر بعجمان، وفي العام 1972 شارك مع بعض المطربين في اوبريت غنائي وطني بمناسبة العيــد الوطني للدولة، وقد غنى حسين قائد ست أغنيات من الحان الفنان عيد الفرج وهي: (نسيم الصباح، ابوعيون عسلية، قلي بالله، طار عنا طوير الحنا، الا يا اسمر يا زين)، وله ايضا أغنيات اخرى من ألحان فرقة نادي الشعلـــة. كما كانت له محاولات لتعلم العزف على عدد من الآلات الموسيقية وكان يجيد الايقاع. سجل للاذاعة الكويتية بعض الأغنيات وسجل ثلاث أغنيات بتلفزيون الكويت من دبي وشارك في حفلات غنائية في سوريا والأردن وقطر والبحرين.
المطرب زعل خليفة خلفان المري:
من مواليد دبي عام 1948، بدأ دراسته بمدرسة الشعب بدبي والتحق بالحركة الكشفية المدرسية وكان قائدا لوحدة كشفية وقائد تدريب دولي، وقد بدأ الغناء خلال الاحتفالات المدرسية والأنشطة الكشفية، وشارك في العديد من المخيمات والمهرجانات الكشفية ومعسكرات العمل الشبابية، وله بعض الاغاني المسجلة بالتلفزيون ومنها أغنية وطنية وقد كانت وفاته في العام 1999.
المطرب سالم عثمان مبارك:
من مواليد 1952 في إمارة رأس الخيمة منطقة المحارة، بدأ تعليمه من الكتاب بحفظ القرآن الكريم، وبعدها التحق بالتعليم النظامي في إمارة رأس الخيمة في المدرسة القاسميــة ثم نال الشهادة الثانوية، وقد كانت الحركة الكشفية هي نقطة بروزه في الساحة الفنية، كما كتب مجموعة من الأغنيات مع زملاء الدراسة، وقد ربطته علاقـــة وطيـــدة بالملحن عيد الفرج الذي قام بتأسيس فرقــة موسيقيـــة جمعت معظم فناني الإمارات وكان لها دور كبير في الساحة الفنية في ذلك الوقت. وقد ضمت الفرقة العديد من أسماء المطربين الذين لمعوا بعد ذلك ومنهم: المطرب الراحل جابر جاسم، وجاسم عبيد وموزة سعيد.
نال المطرب سالم عثمان شهادة موسيقية من كلية التربية الموسيقية في جامعـــة حلوان قسم الايقاعات عام 1978 في مصر.. كما شـــارك المطـــرب سالم عثمان في العديد من المسرحيات بالغناء ومنها مسرحية قوم عنتر، مسرحية للارض سؤال مع فريق مسرح جامعة الإمارات، مسرحية الرسالة وجزر السلام ومؤخرا مسرحية كل الناس يدرون للكاتب الراحل سالم الحتاوي.
المطرب سعيد سالم حسن المعلم:
من مواليد 1950 الشارقة منطقة دبا الحصن، وقد بدأ تعليمه من الكتاب، وبدأت حركته الفنية في المقاهي الشعبية، وكان في ذلك الوقت يهوى حفظ الأغاني والقصائد التي يمكن اعتبارها نقطة بروزه في الساحة الفنية، وفي العام 1965 سجل أول شريط له في محل استديو ابراهيم جريف، وكان عمره أربعة عشر عاما، وكانت أغنيته الاولى (هام قلبي في الهوى مرة) من كلمات الفنان جاسم سيف القصاب، وكانت الحفلات المحلية تسجل في جلسات شعبية.
كما سجل بعضا من اغانيه في أشرطـــة تسجيــلات هدى فون لمالكها محمد بن علي محمـــود وتسجيـــلات الاتحاد لمالكها يوسف حسين، وتعرف على الفنانين المحليين من امثال علي بـــن روغه، وحارب حسن وسعيد الشراري وجابر جاسم.
المطرب سعيد الشراري:
من مواليد مدينة كلباء بالشارقة، بدأ في أواسط الستينيات حينما اكتشفه احد المدرسين بمدرسة سيف العربي فأشركه في الأناشيد المدرسية، وكانت بدايته الفنية في العام 1967 وغنى في بداياته على اسطوانات للشعراء سعيد بن عيمر وسهيل مبارك وقام بتسجيل العديد من الأغاني في استديوهات الفنان الراحل محمد سهيل، حيث كان أصحاب الاستديوهات يتذوقون الفن ويسود الأجواء الفنية التعاون والألفة والحب الحقيقي للفن. وقد عاصر الشراري العديد من الفنانين مثل بالروغه وجابر جاسم وجاسم عبيد وقد سجل لتلفزيون ابوظبي حوالي (116) أغنية ضمن برنامج جلسات السمر في الاستديوهات.
وقد عمل الشراري كذلك مديلا لتسجيلات الفن الحديث، ثم سافر إلى لبنان وتعلم اصول وقواعد فن المقامات والألحان والعزف على آلة العود، وكان يقوم بتسجيل أغانيه في استديوهات زينل فون وهدى فون، وبعد تلك المرحلة بدأ التعاون مع تسجيلات الشعب لتسجيل أغانيه.
المطرب جاسم عبيد:
من مواليد رأس الخيمة في العــــام 1939، شغـــف منذ صغره بآلة العــود وصنـــع لنفســه عودا من الصفيح وأوتـــار النايلـــون، وعندمـــا كـــبر وبلــــغ ريعان الشبــاب سافر إلى الكويـــت مع بعض أقـــاربه للعمـــل هنـــاك أســـوة بأقرانـــــه من أبنـــاء الإمـــارات الذين كانــوا يسافـــرون إلى الكويت والسعوديـــة والبحرين وقطر منذ الثلاثينيات إلى منتصف الستينيات من القرن الماضي، واصل الاعتماد على نفسه في تعلـــم آلـــة العـــود، حيـــث كان بعد ان التحق بالعمل في الكويـــت اشترى عودا وأخذ يدندن عليه، وعلـــم نفسه بنفسه إلى ان تمكــن من العـــزف والغنـــاء وذاع صيتـــــه كمطـــــرب بين ابنـــاء جاليته، ثم سافـــر في نهايـــــة الخمسينيـــــات إلى الهنـــد ومكث عدة سنين هنـــاك، وتعــرف على كثير من العرب الخليجيــين المقيمـــين هنـــاك، وكانـــت لديهم مجالس طــــرب ليليـــة وانضـــم اليهـــا واصبــــــح من ابـــــرز فنانينهـــا، عاد إلى الإمـــارات في منتصـــف الستينيات وفتح محلاً لبيع الخــــرداوات في دبـــي، وبقـــى ممارســــا هوايتـــه مســـاء، سجــل مجموعــــة من الأغـــاني لإذاعـــة صــوت الساحـــل، وقـــــــام كــثيرا من حفـــــلات الاعـــراض في دبي ورأس الخيمــــة وبقيــة الإمــارات.
إعادة أحياء
يوجد في الأرشيف الوطنـي للأغنيـــة المحلية المتناثر بين العــديــد من المؤسســات العامـــة والخاصـــة والأفــــراد كنز كبير، لكن هــذا الأرشيـــف لم يعـــد إنتاجه من جديد، كما توجد أغنيات خالدة ولا زالت تسكن الذائقة المحلية، تم تسجيلهـــا بأساليـــب وتقنيـــات قديمة، قام بعض المطربين المعاصرين بتجديدها وإعادة احيائها، ولكن لمطلبـــات الســـوق، فيما تشهد ساحات غنائية عديدة، مثـــل ما حـــدث في مصـــر وسوريا ولبنــان، من إعادة بعض الأغنيات، وإعـــادة بعض الألحـــان واحتسابهـــا من المـــــوروث الغنـــــائي، هذه الخطوات لا زالت في حكــم الاجتهـــادات الشخصيـــة.. أيضا هناك كلمات وقصائــــد لا توجـــد لها كتابات، ولا نسخ ولا دواويــن شعريـة تحفظــهـــا، ولكنهــا محفوظة في تلك الاسطوانــات والاشرطــة القديمـة.. يوجد أرشيف ضخــم لدى تسجيـلات زينـــل فون، وهــي مؤسسة عملت لسنـوات طويلة في تبنـي وابــــــــراز المطربــين الشعبيين والأغنيـــة الشعبيــة، وهــذا الأرشيـف لا زال يعتبر ثــروة وطنيـة تحتـــاج إلى نـــوع مــن إعادة الإحياء.