تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : «عار الوقار».. فرد يمثل مسرح «دبا الحصن»



رذاذ عبدالله
20 - 3 - 2011, 09:44 AM
زيد جمع بين الإخراج والتأليف والتمثيل

«عار الوقار».. فرد يمثل مسرح «دبا الحصن»

* الامـارات اليـوم




http://www.iraqup.com/up/20110320/7OaFx-7C7q_895002337.jpg (http://www.iraqup.com/)



«عار الوقار».. جماليات التمثيل انتصرت على سلبيات أفكار درامية مسـتهلكة.




لم يصدق حضور مسرحية «عار الوقار» التي تشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان ايام الشارقة المسرحية باسم مسرح دبا الحصن، وليس باسم شخص بعينه يتولى منصبا في إدارته، أن ذلك الشخص نفسه عبدالله زيد بغض النظر عن مواهبه المتعددة، هو الوحيد القادر على تقديم الصيغة المثلى لنص مسرحي، وهو كذلك الوحيد القادر على تحديد رؤيته الإخراجية، ثم بعد ذلك كله، هو الممثل الأكثر مناسبة لتجسيد الدور الأول، ليبقى في المشهد دور لطفل صغير، في مسرحية كانا هما الممثلان الوحيدان فيها.

«عار الوقار» التي عُرضت، مساء أول من أمس، في مسرح معهد الفنون بالشارقة، في ثاني أيام المهرجان تعرضت لإشكالات متعلقة بجدليات العلاقة بين الأصالة والمعاصرة وتواصل أجيال مجتمعية، وهو ما لم ينسجم مع اختصار الإبداع في شخص واحد كمؤشر إلى غياب هذا التواصل واقعياً في مسرح دبا الحصن، واستشراف طاقات فنانين شباب تزخر بها المدينة، إلا أن العمل لم يكن متواضعاً من وجهة نظر نقدية وأيضاً جماهيرية بدليل حالات الثناء والإشادة التي حملتها الندوة التطبيقية في أوجه متعددة، وكذلك الحضور الجماهيري الذي غصت به قاعة المسرح إلى الحد الذي جعل العشرات يضطرون إلى افتراش الأرض بين صفوف الكراسي، وآخرين يشاهدون 75 دقيقة وقوفاً، لكن الإشكالية الأساسية تعلقت بأن فردا واحدا كان هو الوحيد في كل زوايا الخشبة، لاسيما أن هذا الشخص بحكم منصبه الإداري في المسرح كان من الممكن أن يتيح فرصة استثمار أحد الأدوار الثلاثة التي احتكرها لأحد شباب مسرح «دبا الحصن»، في ظل تواتر الشكاوى في المسارح المختلفة من تغييب أدوارهم.

هذه الصيغة التي تشكل وجهة نظر يمكن حتى أن تكون سابقة للعرض لم تجعل المشاهد منحازا قبل رفع الستار لما يمكن أن يفاجئ به عبدالله زيد على أي من الصعد الثلاثة: التأليف والإخراج والتمثيل، بمشاعر هي أقرب لفطرية معاداة التفرد بالقرار على الخشبة، وكان مئات المشاهدين وفدوا ليشاهدوا ليس إحدى مسرحيات مسرح دبا الحصن، بل إحدى مسرحيات ذلك الرجل الذي يلعب دوراً رئيساً في إدارة هذا المسرح، لكن الثنائية التي أفرزها المشهد الأول كاشفة عن رجل قعيد يصلي ومنزعج لدرجة الرجفة والهوس من صوت مذياع قديم علا فجأة اثناء صلاته، ومن ثم حفيد يناهز السنوات العشر قدم للتو من مدرسته على نحو يشبه أطفالنا جميعاً، أنست الحضور المشاعر المسبقة، وأدخلتهم مباشرة في حال تلاحم مع ما يحدث فوق الخشبة، لاسيما في ظل قدرات طفل ذي موهبة استثنائية هو أحمد الجرن الذي استحق تقبيل الفنان المصري القدير عمر الحريري، قبلة تقدير فور انتهاء العرض، وهو الأمر الذي تكرر أيضاً من قبل الفنان الكويتي محمد المنصور.

الديكور والسينوغرافيا كانا جزءاً فاعلاً في المشهد المسرحي، وبدا البيت العتيق الذي ينتمي إلى زمان مضى يحمل عقلية الجد وذكرياته التي لم يخسرها، رغم وجود بعض مفردات الحداثة مثل الهاتف، التي تؤشر إلى أن هذه الأحداث المسرحية تنتمي إلى هذه الحقبة، بل إلى الأوقات المعاصرة، وهو الأمر الذي تبدى أيضاً عندما فتح الرجل مذياعه القديم، وأبدى إعجابه بما نقلته نشرة الأخبار عن تصريح سياسي حمل عبارات «زنقة زنقة، ودار دار»، طالباً من حفيده إعادة البحث عن تلك القناة من جديد.

ورغم تفضيل المخرج الاشتغال في أحد الأركان القصية في المسرح، إلا أن هذا الاختيار لم يحل دون تواصل الجمهور بشكل جيد مع الأحداث، بل إن الأمر لاءم الوضع الصحي للجد القعيد، وفلسفة حياته في تواصله مع الحفيد، وكأن الأول يمر بحالة إقصاء طبيعية من حافة المسرح، وأيضاً الحياة، ومن ثم انعكس الفضاء المسرحي دلالة في هذا السياق على أن الحوار الذي يتعلق بالأصالة والمعاصرة، لا تنتفي منه الإطلالة إلى المستقبل بكامل تدرجاته القريبة منها والبعيدة، وفي ظل غياب الحلقة الوسط بين الجد والحفيد، وهو الابن عبدالرحيم الذي ظل الجميع يتوقع حضوره دون أن يظهر فعلياً على الخشبة، ينفتح الكثير من التأويلات حول رؤية المخرج في ما يتعلق بجدلية العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل.

العقدة التي مثلت محور تصاعد الأحداث وصولاً إلى الحل لم تخرج عن هذه الجدلية ايضاً فالحفيد المفعم بالنشاط والحيوية ويرتدي زيه المدرسي يريد أن يرحل عن هذا البيت من اجل الالتحاق بحافلته المدرسية التي لا تنتظر أحداً، تماماً كقطار الزمن الذي يفصل بين الأجيال، لكنه يكتشف فجأة أنه فقد مفتاح الخروج من المنزل، وفي الوقت الذي يثور الحفيد من هذا الوضع يبدو الجد مستسلماً وساكناً، ولم يبق لهم ثمة بريق من أمل سوى انتظار الابن والأب معاً، الابن بالنسبة للأول، والأب بالنسبة للثاني، لكنه لا يأتي، فيضطران معاً للتعايش مع الماضي الذي فجر طاقات الممثل الطفل أحمد الجرن بعدما أقنعنا بدورين إضافيين قام بهما بعد أن استخدم بنفسه إكسسوارات بسيطة على المسرح في مشهد فانتازي خالص، هما شخصية الجدة التي رحلت وعادت في مخيلة الجد، ورفيق رحلات الصيد الذي رحل أيضا.

البحث عن المفتاح وحالة الباب المغلق بين الأجيال رغم تكرارها إلا أنها أجبرت المشاهد على متابعتها حتى المشهد الأخير بسبب هذا التلاحم الوجداني بين من هم فوق الخشبة وأمامها، لاسيما حينما يكون الممثلان يمثلان مرحلة زمنية لا يمكن إلا ان يتعاطف الجميع معها، والتي تمثلها شيخوخة الجد وطفولة الحفيد، في ظل غياب أب لم يتأكد أحد أنه من قدم فعلاً وطرق الباب قبيل إسدال الستار وتعتيم القاعة بالكامل، وهي النهاية التي شهدت ايضاً موت الجـد بين ذراعي حفيده.