تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : (الخليج) حبيب الصايغ يرسم أسراب الزرافات



رذاذ عبدالله
8 - 4 - 2011, 09:32 AM
وقّع مختاراته الشعرية في اتحاد الكتّاب

حبيب الصايغ يرسم أسراب الزرافات




http://www.iraqup.com/up/20110408/g30E1-JQsw_434981015.jpg (http://www.iraqup.com/)





أعاد الشاعر حبيب الصايغ للأمسيات الشعرية التي تتم من حولنا رائحة الشعر الحقيق، حيث كان واضحاً لجمهور الأمسية التي دعا إليها نادي الشعر في اتحاد الكتاب والأدباء الإماراتيين في مقره في القصباء في الشارقة أمس الأول، وحضرها عدد كبير جداً من الشعراء والأدباء والإعلاميين ومحبي الشعر، وقدمها أحمد العسم، قياساً للأمسيات التي تتم عادة، وتتكرر فيها وجوه محددة، ونصوص تكاد تكون مكررة وواحدة .

تمكن الشاعر الصايغ في هذه الأمسية التي تمت بمناسبة حفل توقيع مختاراته الشعرية التي أصدرت مؤخراً عن دار الانتشار في بيروت، وهي بعنوان “رسم بياني لأسراب الزرافات” من رسم خط بياني مواز للعنوان الذي احتضن نصوصه المختارة، وهو ما بدا نصاً تلو آخر، أثناء القراءة التي حافظ خلالها الشاعر على بوصلة وتيرة التفاعل مع القارىء، وهو يتدرج بين ما ينتمي إلى التفعيلة أو العمود أو قصيدة النثر، حيث قرأ جملة نصوص هي “أنا والبحر - نفق - العائلة - الاسم الموصول - البطريق - الظلام - قصيدة حب - رسم بياني لأسراب الزرافات - الجواهري - أقل من نسبة 51% - ميارا” ويركز فيها جميعاً على مفردته التي يشحنها بكهرباء خاصة، من خلال تفاعل الإيقاع - داخلياً وخارجياً - مع العنصر الدلالي، في إطار الصورة التي تبدو مركبة - حيناً - ولاسيما في النصوص الطويلة، ذات النفس الملحمي، وبسيطة تعتمد المفارقة في النصوص القصيرة التي تنتمي إلى ما أصطلح عليه بقصيدة اللقطة أو الومضة يقول في نص العائلة:

“آه لو تمضي سنوات العمر

وأنا غافل أو نائم

آه لو تمضي سنوات العمر

وأنا لاه عنها بجمع الطوابع

وحل الكلمات المتقاطعة

آه لو أستطيع أن أزيح ركام السنوات

عن أهداب عيني

وأصل سريعاً إلى غد سحيق

أجلس فيه جنب الموقد

وحولي عدد من أحفادي

بينما الأحفاد الآخرون

منهمكون في جمع المزيد من الأغصان”

معاينة مثل هذا النص الذي ينتمي إلى “قصيدة النثر” تبين أن الشاعر يركز على موضوعة الزمن، حيث يظهرالراوي/ البطل، وهو الشاعرنفسه مجسراً بين اللحظة بأثقالها، ولا مبالاة الإحساس تجاه “عقرب الساعة” الذي يمضي، أو يراد إيجازه، وهو يدرج بين ثلاثة أزمان: الماضي - الحاضر - المستقبل .

ثمة عناصر مكتملة هنا، وهي تؤسس مناخات قصيدة النثر: عنصر القص والموسيقا الداخلية التي تعتمد على إعادة الجملة، والصورة البسيطة، حيث يكون الراوي حاضراً إزاء كل ذلك، ويتم الانتقال من المضارع إلى الجملة الاسمية، كجزء من الدورة المتواصلة، باستمرار، لنكون أمام رؤيا واضحة، تشعرن الفكرة، وتغدو مفتوحة على الكثير من التأويل . إذ إننا لسنا في حضرة مجرد أب يستحث عجلة الزمن لتسرع، كي يجلس إلى المدفأة، ويرمق أحفاده يجمعون الأغصان، وهي أغصان جمعت إما لتذكي نار الموقد، أو ليتم شتلها .

ثمة فلسفة تتشكل في المختبر الروحي للشاعر، ونتيجة للتفاعل مع مجمل أدوات النص، وإن تم تقديمها هذه الرؤية، في إهاب بسيط، وهو ناجم عن انفتاح الشاعر على الأشكال الشعرية كلها، وهجسه بشعريتها، غير منحاز إلى التمترس في حقل إحداها، من دون الأخرى، وهو ما يجعلنا أمام مفهوم متكامل للشعر، يترجمه الشاعر، من خلال إبداعه، كيفما كتب . ولعل الاشتغال على ضربي الإيقاع، أو الجمع بينهما في نص واحد، يعد نتيجة الانفتاح على الأشكال الشعرية المتاحة كافة، وإن كان الشاعر بالرغم من استفادته من الجوانب المضيئة في كل شكل على حدة، إلا أنه حين يكتب قصيدة تفعيلة، فهو يخلص لمناخات هذه القصيدة، وإن كنا سنلمس سطوة وتفاعل الأشكال الأخرى بشكل أو بآخر، أنى كتب، يقول في نص نفق:

“عشرات تدخل في هذا الجانب

ومئات تخرج من هذا الجانب

عرب وأجانب

هل يخرج من يدخل

أم يتداعى بعض الناس

في تجربة

أو أغنية

أو إحساس

أو معركة

هل نحصي الداخل في هذا الجانب

والخارج من هذا الجانب

ونعد المفقودين؟”

ويحلق الشاعر في قصيدة الجواهري التي أسمعه إياه ذات لقاء بينهما، ليجعل من عمود الشعر حاضنة للتحولات التي تشهدها القصيدة الجديدة، من دون أن يأسره قيد لا يستطيع كثيرون الخروج عنه:

“ذاب العراق إلى أن ذاب في ندمي

وذبت فيه، فضجت في أسرار

جسر الرصافة مأهول بأغنيتي

والكرخ في بحري المغرور بحار

وللشمال دماء كالشمال، ولي

من الشمال حكايات وأسمار

وجنة كالجبال الخضر واهبة

عروبتي دربها، فالكرد أقمار”

يؤسطر حبيب الصايغ رموزاً خاصة يخلقها، أو يلجأ إلى الأسطورة نفسها،لاستحضارها، واستنطاقها كما يشاء، معيداً خلقها في فضاء نصه، كما الحال في نصي “ميارى” و”البطريق”، يقرأ في النص الأول:


“لميارى لعبة تغمض عينيها إذا شاءت ميارى

لعبة مشغولة من خيزران

رمشها تعويذة شيطانها الدهر

وفي الوجه ارتمت تفاحتان”

ويقرأ من النص الثاني:

“آن للبطريق أن ينهض من ليل جناحيه

إلى أجنحة ملعونة

آن للبطريق أن يمضي إلى حتف مضاع

أو إلى حجر أفاع”

إذا كان الشاعر يكتب عن الهم الذاتي، فإنه يرتفع بهذا الهم موسعاً فضاءه، حيث يتداخل الخاص بالعام، والوطني بالإنساني، وإن كانت الذات محور كل ذلك، يستجيب “خطها البياني” لكل ذلك على حد سواء .

أمسية الشاعر الصايغ أكدت لجمهور ومتذوقي الشعر، أن الشعر لا يزال -حقاً - بخير، وإنه لقادر على استقطاب قارئه، في ما إذا كان هناك صوت أصيل، يهجس بالشعر، ويحرص على متلقيه، بعيداً عن إعادة إنتاج الركام الذي نشهده بكثرة من حولنا، وبات يزكم الأنوف .