رذاذ عبدالله
19 - 4 - 2011, 11:25 AM
من مسابقة الأفلام الوثائقية
«حمامة» تطير من «الذيد» و«البصيرة» لا البصر
* الامـارات اليـوم
http://im2.gulfup.com/2011-04-19/1303197762563.jpg (http://www.gulfup.com/)
فيلم «بصيرة» لأحمد الزين وناصر اليعقوبي.
الكاميرا وحدها عاجزة عن بناء فيلم وثائقي، والتوثيق ليس بحمل شخصية ووضعها أمام كاميرا والرهان على أن المشاهد سيكون على استعداد مسبق للمضي خلف عوالمها، دون إشارات تتبع سينمائية أو توثيقة، ودون جهد بحثي يؤسس لتوثيق الواقع، أو تقديم «أفلام عن الحياة»، لها أن تكون في النهاية معبراً نحو طرح قضايا للفيلم أن يقررها دون الخوض فيها، فالفن أولاً اشكالي بمجرد أن يكون رصداً للواقع.
في المسابقة الرسمية للأفلام الوثائقية، قدمت أول من أمس ثلاثة أفلام إماراتية لها أن تكون رصدا لشخوص تفاوتت وتناوبت على البقعة الجغرافية لدولة الإمارات، وعلى شيء من البحث عن المغاير أو الغائب عن المشهد العام، مع الاشارة أيضاً إلى أن فيلمين منهما يمكن توصيفهما بالوثائقيين القصيرين، ففيلم معاذ بن حافظ «حياة من صخر» لا يتجاوز الدقائق الثماني، بينما فيلم كل من أحمد الزين وناصر اليعقوبي «بصيرة» لم يتجاوز الـ19 دقيقة، ووحده فيلم نجوم الغانم «حمامة» تجاوز الساعة.
حسنا نضع زمن الفيلم جانباً، دون أن يفوتنا التأكيد على أن دقائق قليلة لن تضعنا أمام فيلم وثائقي، بل ما لنا أن نصفه بـ«بورتريه»، وهو تماما ما حمله معاذ بن حافظ، إذ قدم لنا رجلاً يعيش وحيداً في جبال الإمارات الشمالية، ولا شيء يفعله إلا العمل في الصخور، والاكتفاء بغرائبية الشخصية دون تحديد المكان ولا أية معلومات أخرى، ولعل غواية الشخصية كما هي طغت على أية غواية أخرى، بما في ذلك البحث عن مراجع هذه الشخصية، عوالمها وآلية تفكيرها، بعيداً عن حديثه هو بالذات عن نفسه، لا بل إن الشخصية المعزولة عن كل ما حولها في الدولة قدمت معزولة أيضاً في الفيلم، معلقة بين السماء والأرض، وللفيلم أن يقول لنا فقط إن هناك من لايزال يعيش في تلك البدائية والعزلة، لكن أين؟ فلا أحد يعرف! المطلب التوثيقي الأول، الذي سيبقى لغزاً ما لم يلق اجابة لدى من يشاهد الفيلم من الخارج، وليكون الفيلم ليس إلا تجسيداً لعنوانه، وقد تعرفنا إلى من يعيش حياة من صخر فقط لا غير.
http://im2.gulfup.com/2011-04-19/1303197762211.jpg (http://www.gulfup.com/)
فيلم «حياة من صخر» للمخرج معاذ حافظ.
ما حمله فيلم «حياة من صخر» سيجد ما يوازيه في فيلم «بصيرة»، وأيضاً هنا العنوان يقول لنا كل ما في الفيلم، فنحن أمام رجل إماراتي ضرير، كبير في السن، لايزال يذهب كل يوم إلى الصيد البحري، هو الذي يعرف أنواع الأسماك من رائحتها، ولنمضي معه في الفيلم في رحلة صيد، ولنتعرف إلى حياته بإيجاز مع شكوى ابنه منه، وعلى شيء من صراع الأجيال، كما ليقول لنا الفيلم ها هو الجيل الذي لايزال مصراً على أكل لقمة عيشه بعرق جبينه.
ما عدا ذلك، فالفيلم متمحور حول ما تمثله شخصية هذا الصياد تلميحاً، ولعل المادة التي يمكن البناء عليها من خلال تلك الشخصية غنية جداً، لكن جرى التفريط فيها، ووضعنا أمام «بورتريه» سيكون معزولاً عن محيطه، وحركية الفيلم المتمركزة على الراهن، فهي لا تتحرك لا إلى الأمام ولا إلى الخلف، ولعل هذه البصيرة التي يتحلى بها هذا الرجل النبيل، هي معبر إلى اشكالية يجري تخطيها، فيمسي الفيلم تعريفاً بالشخصية فقط مع تجاهل إمكانية توثيق حالة أكبر يمثلها.
http://im2.gulfup.com/2011-04-19/1303197762152.jpg (http://www.gulfup.com/)
من فيلم «حمامة» للمخرجة نجوم الغانم.
بالانتقال إلى فيلم نجوم الغانم «حمامة»، فإننا أيضاً سنكون أمام شخصية خاصة لكن مع إتاحة الفرصة أمامنا لنقاربها، ونحن بصدد وثيقة سينمائية حقيقية عنها، مشغولة بعناية وحرفية عالية، وعلى اتساق معها على اعتبار الفيلم نبشاً في البعيد عن الأبراج والطرقات الحديثة، واستكمالا لتوثيق الغانم الانثربولوجي للشعب الإماراتي، إن صح الوصف، فقد سبقت فيلمها هذا بـ«المريد»، إذ كان التوثيق فيه للصوفية التي أسس لها المريد في دبي، مع انعدام أي مراجع عنه، ومع أهمية ما يشكله بالنسبة للموروث الإماراتي، هو المولود في ،1902 وصولاً إلى طقوس الموالد، و«ضرب الابر والشيش والسيف».
«حمامة» اسم الشخصية التي وثق لها الفيلم تأتي في السياق نفسه، لكنها على قيد الحياة، وتمتلك كل غواية التوثيق لها بالاتكاء على شخصيتها هي بالذات، وصولاً إلى ما تمثله أيضاً في المكونات الشعبية، باعتبارها مداوية بالأعشاب والكي، وما إلى ذلك، مما سنتعرف إليه في الفيلم.
يستوقفني في الفيلم تجسيد حياة حمامة كاملة، ماضيها وزواجها برجل تكتشف أنه تزوجها لتعتني بأمه المقعدة، وحاضرها وهي مازالت تداوي بالكي وتصنع أدويتها الخاصة من الأعشاب، وحتى مستقبلها، خصوصا مع الشارع الذي سيعبر من أمام بيتها ورفضها الشديد لذلك، كون الشارع سيكون اعـتداء عـلى حياتها الخاصة، على جـلوسها أمام بيتها، وكل ما تمثله من مكانـة لـدى سكان «الذيد»، إذ هي صاحبة الأيادي البيضاء على الكـثيرين من سكانها، وذلك كما سنرى.
وفي جانب آخر، يطغى في وثائقي الغانم: المروي والشفاهي، ما من أرشيف صور عدا صورة ابن حمامة المتوفى، وعدا ذلك فإننا سنتلقى مادة الفيلم من لسان حمامة أو من حولها، ولعل طرافة حمامة وحركية الكاميرا في تنقلها من مساحة إلى أخرى، وتقديمها حياة حمامة بتفاصيلها اليومية سيضعنا أمام رشاقة تغطي غياب المادة الوثائقية للذيد في الماضي على سبيل المثال، أو أيّ مما يرد على لسان حمامة والذي لا يجد معادله البصري، الأمر الذي لا نملك الاجابة عنه، ما لم نعرف إن كانت هذه المادة متوافرة أساسا!
«حمامة» تطير من «الذيد» و«البصيرة» لا البصر
* الامـارات اليـوم
http://im2.gulfup.com/2011-04-19/1303197762563.jpg (http://www.gulfup.com/)
فيلم «بصيرة» لأحمد الزين وناصر اليعقوبي.
الكاميرا وحدها عاجزة عن بناء فيلم وثائقي، والتوثيق ليس بحمل شخصية ووضعها أمام كاميرا والرهان على أن المشاهد سيكون على استعداد مسبق للمضي خلف عوالمها، دون إشارات تتبع سينمائية أو توثيقة، ودون جهد بحثي يؤسس لتوثيق الواقع، أو تقديم «أفلام عن الحياة»، لها أن تكون في النهاية معبراً نحو طرح قضايا للفيلم أن يقررها دون الخوض فيها، فالفن أولاً اشكالي بمجرد أن يكون رصداً للواقع.
في المسابقة الرسمية للأفلام الوثائقية، قدمت أول من أمس ثلاثة أفلام إماراتية لها أن تكون رصدا لشخوص تفاوتت وتناوبت على البقعة الجغرافية لدولة الإمارات، وعلى شيء من البحث عن المغاير أو الغائب عن المشهد العام، مع الاشارة أيضاً إلى أن فيلمين منهما يمكن توصيفهما بالوثائقيين القصيرين، ففيلم معاذ بن حافظ «حياة من صخر» لا يتجاوز الدقائق الثماني، بينما فيلم كل من أحمد الزين وناصر اليعقوبي «بصيرة» لم يتجاوز الـ19 دقيقة، ووحده فيلم نجوم الغانم «حمامة» تجاوز الساعة.
حسنا نضع زمن الفيلم جانباً، دون أن يفوتنا التأكيد على أن دقائق قليلة لن تضعنا أمام فيلم وثائقي، بل ما لنا أن نصفه بـ«بورتريه»، وهو تماما ما حمله معاذ بن حافظ، إذ قدم لنا رجلاً يعيش وحيداً في جبال الإمارات الشمالية، ولا شيء يفعله إلا العمل في الصخور، والاكتفاء بغرائبية الشخصية دون تحديد المكان ولا أية معلومات أخرى، ولعل غواية الشخصية كما هي طغت على أية غواية أخرى، بما في ذلك البحث عن مراجع هذه الشخصية، عوالمها وآلية تفكيرها، بعيداً عن حديثه هو بالذات عن نفسه، لا بل إن الشخصية المعزولة عن كل ما حولها في الدولة قدمت معزولة أيضاً في الفيلم، معلقة بين السماء والأرض، وللفيلم أن يقول لنا فقط إن هناك من لايزال يعيش في تلك البدائية والعزلة، لكن أين؟ فلا أحد يعرف! المطلب التوثيقي الأول، الذي سيبقى لغزاً ما لم يلق اجابة لدى من يشاهد الفيلم من الخارج، وليكون الفيلم ليس إلا تجسيداً لعنوانه، وقد تعرفنا إلى من يعيش حياة من صخر فقط لا غير.
http://im2.gulfup.com/2011-04-19/1303197762211.jpg (http://www.gulfup.com/)
فيلم «حياة من صخر» للمخرج معاذ حافظ.
ما حمله فيلم «حياة من صخر» سيجد ما يوازيه في فيلم «بصيرة»، وأيضاً هنا العنوان يقول لنا كل ما في الفيلم، فنحن أمام رجل إماراتي ضرير، كبير في السن، لايزال يذهب كل يوم إلى الصيد البحري، هو الذي يعرف أنواع الأسماك من رائحتها، ولنمضي معه في الفيلم في رحلة صيد، ولنتعرف إلى حياته بإيجاز مع شكوى ابنه منه، وعلى شيء من صراع الأجيال، كما ليقول لنا الفيلم ها هو الجيل الذي لايزال مصراً على أكل لقمة عيشه بعرق جبينه.
ما عدا ذلك، فالفيلم متمحور حول ما تمثله شخصية هذا الصياد تلميحاً، ولعل المادة التي يمكن البناء عليها من خلال تلك الشخصية غنية جداً، لكن جرى التفريط فيها، ووضعنا أمام «بورتريه» سيكون معزولاً عن محيطه، وحركية الفيلم المتمركزة على الراهن، فهي لا تتحرك لا إلى الأمام ولا إلى الخلف، ولعل هذه البصيرة التي يتحلى بها هذا الرجل النبيل، هي معبر إلى اشكالية يجري تخطيها، فيمسي الفيلم تعريفاً بالشخصية فقط مع تجاهل إمكانية توثيق حالة أكبر يمثلها.
http://im2.gulfup.com/2011-04-19/1303197762152.jpg (http://www.gulfup.com/)
من فيلم «حمامة» للمخرجة نجوم الغانم.
بالانتقال إلى فيلم نجوم الغانم «حمامة»، فإننا أيضاً سنكون أمام شخصية خاصة لكن مع إتاحة الفرصة أمامنا لنقاربها، ونحن بصدد وثيقة سينمائية حقيقية عنها، مشغولة بعناية وحرفية عالية، وعلى اتساق معها على اعتبار الفيلم نبشاً في البعيد عن الأبراج والطرقات الحديثة، واستكمالا لتوثيق الغانم الانثربولوجي للشعب الإماراتي، إن صح الوصف، فقد سبقت فيلمها هذا بـ«المريد»، إذ كان التوثيق فيه للصوفية التي أسس لها المريد في دبي، مع انعدام أي مراجع عنه، ومع أهمية ما يشكله بالنسبة للموروث الإماراتي، هو المولود في ،1902 وصولاً إلى طقوس الموالد، و«ضرب الابر والشيش والسيف».
«حمامة» اسم الشخصية التي وثق لها الفيلم تأتي في السياق نفسه، لكنها على قيد الحياة، وتمتلك كل غواية التوثيق لها بالاتكاء على شخصيتها هي بالذات، وصولاً إلى ما تمثله أيضاً في المكونات الشعبية، باعتبارها مداوية بالأعشاب والكي، وما إلى ذلك، مما سنتعرف إليه في الفيلم.
يستوقفني في الفيلم تجسيد حياة حمامة كاملة، ماضيها وزواجها برجل تكتشف أنه تزوجها لتعتني بأمه المقعدة، وحاضرها وهي مازالت تداوي بالكي وتصنع أدويتها الخاصة من الأعشاب، وحتى مستقبلها، خصوصا مع الشارع الذي سيعبر من أمام بيتها ورفضها الشديد لذلك، كون الشارع سيكون اعـتداء عـلى حياتها الخاصة، على جـلوسها أمام بيتها، وكل ما تمثله من مكانـة لـدى سكان «الذيد»، إذ هي صاحبة الأيادي البيضاء على الكـثيرين من سكانها، وذلك كما سنرى.
وفي جانب آخر، يطغى في وثائقي الغانم: المروي والشفاهي، ما من أرشيف صور عدا صورة ابن حمامة المتوفى، وعدا ذلك فإننا سنتلقى مادة الفيلم من لسان حمامة أو من حولها، ولعل طرافة حمامة وحركية الكاميرا في تنقلها من مساحة إلى أخرى، وتقديمها حياة حمامة بتفاصيلها اليومية سيضعنا أمام رشاقة تغطي غياب المادة الوثائقية للذيد في الماضي على سبيل المثال، أو أيّ مما يرد على لسان حمامة والذي لا يجد معادله البصري، الأمر الذي لا نملك الاجابة عنه، ما لم نعرف إن كانت هذه المادة متوافرة أساسا!