تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : العربي باطما.. ضمير الناس في سنوات الجمر والرصاص



رذاذ عبدالله
23 - 4 - 2011, 11:54 AM
العربي باطما.. ضمير الناس في سنوات الجمر والرصاص

* الدستـور الاردنيـة




http://www.iraqup.com/up/20110423/hPF8P-7g5f_890530308.jpg (http://www.iraqup.com/)





مرت، قبل أيام، ذكرى وفاة الفنان المغربي العربي باطما، مؤسس فرقة الناس الغيوان. هذه الذكرى التي انتهت فيها حياة أحد المبدعين؛ فهو مؤلف الأغاني، ومطرب الفرقة، وكاتب سيناريو، وممثل تلفزيوني وسينمائي.

تمر الذكرى في السابع من شباط، عندما ودّع الناس الغيوان (عريس الأغنية الغيوانية) بعد حياة اختزلها في روايتين، هما: “الرحيل”، و”الألم”، وهي نوع من السيرة الانشطارية، التي امتزج فيها الخاص بالعام، وهي بوح شديد فيه صدمة شديدة وحساسية عالية، عن مسيرة تعرجت ما بين انكسارات ونجاحات ونجومية.

والحديث عن العربي باطما لا ينفصل، أبداً، عن الحديث حول الناس الغيوان؛ هذه الفرقة التي جاءت، مع بداية السبعينات، فلا بد من العودة إلى الظروف التي احاطت بها، والظرف السياسي والاجتماعي والفني، سواء على المستوى المحلي أم العالمي. تلك المرحلة كانت، على الصعيد العالمي، مرحلة حراك استثنائي، حيث صعود اليسار العالمي، وثورة الطلاب ـ في فرنسا ـ والهيبز والتمرد على المؤسسات الاجتماعية والسياسية، وعلى كل القوالب الجامدة، والنزوح نحو التحرر والانطلاق إلى أبعد الحدود. أما على المستوى العربي، فقد كانت حالة من عدم اليقين بعد هزيمة 67، وصدمة الشباب العربي بالهزيمة التي أفاقوا عليها، ومحاولة إعادة التوازن والحسابات والتعامل مع الحقيقة الماثلة أمامهم. أما في المغرب العربي، فقد كانت تلك هي سنوات “الحجر والرصاص”، حيث أشكال السلطة في أبشع صورها؛ من قمع وإقصاء وتهميش وتمايز وفساد وقهر ومؤامرات وحضور للمؤسسة العسكرية وصراعاتها واستبداد السلطة الأمنية. كل ذلك، وأكثر يشد الخناق على روح الشعب الذي تم إقصاؤه وتغيبه، وكان الوضع أكثر إيلاماً لجيل دفع الكثير في مقارعة الاستعمار، وهم أصحاب الاستقلال الذين دفعوا ضريبته، وبدلاً من أن يقطفوا ثمرة هذا الاستقلال، فقد تقاسمته فئة السلطة والعسكر، وأداروا ظهورهم إلى الشعب المنهك، وزادوا من القسوة عليه، وفي فقره وإذلاله، وغطوا على هيمنتهم وفسادهم بإطلاق يد البطش والترهيب.

العربي باطما ولد في عائلة معدمة. والده كان يعمل في سكة الحديد، وتنقلت العائلة ما بين الصحراء وأطراف المدينة إلى أن استقرت في الحي المحمدي؛ أحد أكثر الأحياء في الدار البيضاء فقراً، ولم ينتظم بالمدرسة. وفي ظل غياب سلطة الأسرة وسلوك الأب والفقر الشديد، وجد العربي نفسه في طريق المشاكسة والجنوح، وهو ما عبّر عنه بوضوح وشفافية في رواية “الرحيل”، لكنه لم يغب عن الوعي، فقد كان يمنح نفسه وقتاً للتأمل والاعتكاف، ووجد في نفسه ميلاً نحو التمثيل والغناء، فقد كان صوته قوياً وصداحاً، فانضم إلى فرقة مسرحية، وسافر إلى باريس، لكن الفرقة لم تجد النجاح المطلوب، وصاحب الفرقة لم يكن يعطي العاملين معه حقوقهم. واستمرت مغامرة العربي في “مسرح البلد” بعد أن ضمهم “الطيب الصديقي”، واكتشفوا تأثير الأغنية في الجمهور، فكان أن التقط الراحل بوجميع الفكرة، وقرر إنشاء فرقة غنائية مستقلة، انضم إليها العربي باطما، ولم تكن الرؤية واضحة، حتى في اختيار إسم الفرقة إلى أن استقروا على اسم الناس الغيوان.

مجموعة من الشباب القادم من فقر الحي المحمدي؛ من رائحة التراب؛ من وجدان الناس؛ من وحي المعاناة، والألم، والفقر.. روحه المتوثبة نحو الحرية والخلاص والانحياز لبيئتهم وأهلهم وأمهاتهم اللواتي تعلموا منهن الكثير من الغناء.

إن بوجميع، والعربي باطما، وعلال، وعمر السيد، بالرغم من عدم حصولهم على مستويات تعليمية عالية، إلا أنهم كانت لديهم مرجعيات أمهاتهم والتراث المغربي الهائل، الذي يمثله عبد الرحمن المجذوب مصدراً رئيسياً، وله خمسة تلاميذ من المجاذيب الممتدين عبر السنين، فكان أن ذهبت المجموعة إلى المنبع الأصيل، بكل ما يمثله من بساطة وعمق، وعذابات متراكمة عبّر عنها الوجدان الشعبي، ليأتي الناس الغيوان، ويكونوا هم الممثل الحقيقي لهذا الوجدان، فكان المؤسس بوجميع هو الذي ينظم معظم الغناء، لكن السلطات لم تحتمل وجوده، فكان موته المفاجئ والملتبس. ومن صدمة غياب بوجميع ظهر العربي باطما ليتولى زمام الأمور، حيث أعاد إنتاج هذا الموروث بصياغة صادقة ومعبرة، من دون الوقوع في الخطابة السياسية، أو التلون بأي من ألوانها، فقط كان الوطن حاضراً؛ الوطن بمفهومه الضيق: المغرب.

والوطن الكبير ـ العربي ـ ولذلك كانت فلسطين حاضرة بقوه، والهم العربي حاضراً، وبالمقابل كان صهيون يتردد، أيضاً، كون اليهود والصهيونية هم الشر والسوس الذي يعيق مسيرة الأمة.

العربي باطما كان يدرك كل هذا الجحيم الذي يدور من حوله؛ فهو الذي ولد في عهد الاحتلال الفرنسي، وتفتحت عيونه على ظلم السلطة، وهو ـ بحكم تكوين شخصيته المتمردة ـ كان صدى حقيقياً لواقع مرير. ولذلك فإنه من الظلمالقول إنّ الناس الغيوان كانت ظاهرة، أو متطلباً لمرحلة، بل هم تعبير حقيقي عن مرحلة كاملة من تاريخ المغرب والأمه. والذي يتابع الاغاني التي أوجدت معاناة مع السلطات، بسببها، نجد أن كل أغنية هي بمثابة بيان احتجاجي، وصرخة، و’لا‘ كبيرة في وجه الظلم والفقر والإقصاء، وكانت بوحاً عن المكتوم في صدور المقهورين، وفي أغنية “فيه غادي بي يا خويا” صدى لأوجاع الغربة والحنين، وسؤال كبير عن الإهانات المتوالية، التي يتعرض لها الإنسان المغربي. وفي أغنية “غير خذوني” خطاب مباشر للجلاد، الذي لايرحم، وفي “الصينية” حنين واستحضار لكل ما تحمله “الصينية”، عند المغربي، من دلالات لها علاقة بالروح الناظمة للعلاقات الاجتماعية، بكل دفئها وحميميتها، ودلالات الانتقاء لمجموعة من القيم داس عليها النظام، وغيرها الكثير، ولكن لم يفقد الناس الغيوان إيمانهم بالإنسان وقدرته على العودة واستنهاض الهمّة.

كان انحياز الناس الغيوان واضحاً ومحسوماً، في صف الغالبية الصامته والمغلوبة على أمرها، فكانوا صوتهم في زمن الخوف، منهم القادمون أصلاً من رحم المعاناة ومن بيوت الصفيح، وهم الذين وقفوا على أطراف المدينة يرقبون الظلم الاجتماعي والتمييز الطبقي واحتكار السلطة والمال والقوة والعنف، وبالتالي لم تكن لهم حساباتهم الخاصة، كانت وجهتهم هي عموم المقهورين المسورين بحضرة الألم والمعاناة والعذاب. وكان طبيعياً أن يكون هذا الصدى، وهذا الوصول السريع إلى وجدان الناس، وعقولهم، فالجماهير كانت تسمع ما هو مكتوم من خلال موسيقى الفرقة وغنائها، وكانت هي تمثلهم وتعبر عنهم، وتعرف أحزانهم وأحلامهم وتطلعاتهم، وتعرف البؤس الذي يولد فيه الأطفال، وما سيؤولون إليه، في ظل غياب العدالة، وتكافؤ الفرص وسيادة شريعة القوة الظالمة.

وقد كان البعد الديني واضحاً في أغاني الناس الغيوان، وذلك لأن التراث الغنائي والموسيقي المغربي له مرجعياته الدينيه، لكثرة الابتهالات والموشحات والمدائح، لكن الغيوان لم تقدم هذا الغناء بدلالاته الدينيه أو السياسية، وإنما جاء منسجماً مع مكونات التراث الشعبي المغربي، فهو يحمل بعداً إيمانياً من شأنه أن يعمل على تقوية النواة الصلبة في داخل الإنسان، ويعينه في مواجهة قسوة الحياة، وليس تغييباً له في عوالم الغيبيات السلبية.

الناس الغيوان تجربه إنسانية وفنية وفكرية راقية، لا يمكن فصلها، إطلاقاً، عن إرهاصات تلك المرحلة التي عاشها المغرب بعد الاستقلال، ولا عن مجمل التحولات العالمية، حيث أطلق بوجميع رصاصة المخاض، وإن كانت ارتدت عليه بموت ما يزال غامضاً، ليكون واحداً من ضحايا احتقان النظام السياسي والاضطراب والتوتر العالي، الذي عاشه المجتمع الثقافي، ليأتي العربي باطما، ويبث الروح من جديد في الفرقة، وكأنه يتحدى ويقاتل بإنتاج غزير من الأغاني التي أكدت البناء المتين للفكر الغيواني المنتمي لوجع الناس.

وباستعراض للتجربة الغيوانية، فإنها ليست مجرد صدى وإنما هي فكر مؤسس على تصحيح المعادلة، فكان خطابها موجهاً إلى كل الفئات، وتحدت التابوهات السياسية في موسيقاها ومفرداتها وألحانها، وبالتفاف الجماهير عليها، كانت بمثابة تعبير عن نضال شعبي له أبعاده الوطنية والإنسانية، فلم تتراجع عن خطوط النار؛ لأنها ـ أساساً ـ لم تخن الطبقة التي جاءت منها، وتنتمي إليها، وبقيت على وفائها للإنسان البسيط وهمومه وأحزانه، ولم تقع في غواية الشهرة والمال؛ لأن هدفها الأسمى كان التعبير عن الناس في مواجهة قاسية لا تعرف التراجع.