المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : «سبيل».. الأفضل خليجياً والسينما تتكلم «كردي»



رذاذ عبدالله
23 - 4 - 2011, 12:17 PM
«سبيل».. الأفضل خليجياً والسينما تتكلم «كردي»

* الامـارات اليـوم




http://www.iraqup.com/up/20110423/R2Bls-4V7j_788732399.jpg (http://www.iraqup.com/)



«حي الفزاعات» مسعى إلى تقديم مجاز خاص بكردستان العراق.




سأبدأ مقالي هذا بحقيقة فاقعة بالنسبة إلي، أجد إيرادها دون مقدمات أمراً ضرورياً وأنا أتابع الدورة الرابعة من مهرجان الخليج السينمائي، ولتكون هذه الحقيقة متمثلة بأنني اعتبر فيلم «سبيل» للمخرج خالد المحمود واحداً من أهم الأفلام الخليجية القصيرة في السنوات العشر الأخيرة، ما لم يكن الأهم، والأسباب كثيرة، أولها أن الفيلم يقدم سرداً سينمائياً منحازاً تماماً للسرد البصري، ويعود بنا إلى السينما الصامتة، التي لن تكون صامتة ما لم يكن هناك انتصار كامل للصورة.



http://www.iraqup.com/up/20110423/2gH54-tRtK_10029879.jpg (http://www.iraqup.com/)



فيلم المحمود متكامل ومتناغم، بدءا من السيناريو الذي كتبه محمد حسن أحمد مروراً بالتصوير، ووصولاً إلى الإخراج حيث يمسك خالد المحمود بالخيوط جميعاً ويضبطها لنكون أمام فيلم يضعنا أمام أخوين الزمن متوقف لديهما، ولا شيء أمامهما سوى العناية بأمهما المريضة، من خلال بيع ما يزرعانه، وليكون المعادل البصري لذلك لقطات جمالية متوالية بإيقاع تصاعدي وصولاً إلى اللقطة الأخيرة حيث الأخوان على دراجتهما النارية وما يفصل بينهما جثة الأم المتشحة بالسواد.

أترك فيلم «سبيل» الذي حملته على شاشاتها كبرى المهرجانات العالمية من لوكارنو إلى برلين، دون أن يفوتني القول إن جائزة أفضل فيلم قصير مستحقة لهذا الفيلم من باب انحيازي له علنا، ومعها حقيقة أنني لست عضواً في لجنة التحكيم لأفعل ذلك، بينما وأنتم تقرأون هذا المقال ستكون النتائج قد أعلنت.

أنتقل إلى العراق مجدداً، وأنا أردد: إن مهرجان الخليج السينمائي في أكثر ملامحه سطوعاً هو مهرجان السينما العراقية بامتياز، بما في ذلك السينما الكردية العراقية، التي ستكون بدورها ملمحاً كبيراً في هذه السينما، في استكمال بانوراما السينما العراقية المعاصرة التي شاهدناها من خلال عروض المهرجان، فأول من أمس شاهدت فيلم المخرج السوري الكردي مانو خليل «الأنفال.. شظايا من الحياة والموت»، الذي سبق أن شاهدت له في الدورة الثانية من «الخليج السينمائي» فيلماً بعنوان «بيتي زنزانتي» بحيث يمكن اعتبار «الأنفال» استكمالاً له وللأفلام التي صنعها خليل عن مجازر النظام العراقي البائد بالشعب الكردي، إضافة لتجربة هذا المخرج التي سأعود إليه في مقال خاص به وتجربته التي حقق فيها عشرات الأفلام وفي موضوعات كثيرة.

في «الأنفال.. شظايا من الحياة والموت» يحضر الوثائقي في أعتى تجلياته، نحن أمام المجزرة، ولا شيء يسرد المجزرة مثل الوثائقي، وهنا يحضر الضمير الجمعي ومعه الأرشيف سواء كما هو في «خطاب» ميشيل فوكو، بمعنى أن طبقات الخطاب الثقافي تعود دائماً إلى الأرشيف لنبش حدث بعينه تعاد إليه الحياة في سياق الحاضر، وعلى مبدأ أن الهلع من المجازر العرقية أو الطائفية منها، مازال الهاجس الأكبر في حاضر شعوب المنطقة في ظل أنظمة وحشية لن تتوانى فيها عند شعورها بالتهديد، أو الأرشيف بالمعنى السينمائي للكلمة، واستخداماته في سياق الفيلم الوثائقي.

الفيلم مدجج بالوثائق، وليحضر السؤال عن الكيفية التي استخدمت بها، لتكون الإجابة في فيلم خليل، أولا مراسلات حزب البعث العربي الاشتراكي وتعليماته في خصوص «الأنفال» الاسم الذي اطلق على حملة إبادة الشعب الكردي التي قادها حسن علي المجيد، ومن ثم الصور الأرشيفية للمجازر، ومعها الناجون من تلك المجازر ورواياتهم، وكل ذلك مصوغ بعناية، وبتسلسل تتناوب عليه الآليات الثلاث السابقة الذكر.

سنكون في الفيلم أمام فظائع وصور مريعة، وأغلب القتلى من الأطفال، وأغلب الصور التي نراها تكون لأم ميتة وهي تعانق طفلها المقتول، وهنا يمسي فعل المشاهدة مجابهة مع مجزرة لا يمكن إلا العودة إليها ووضعها أمام أعيننا، إنها في هذه المنطقة وما يفصلنا عنها أقل من 30 سنة، مع حقيقة أن ما هو معروف عن مجازر صدام حسين للشعب الكردي يتمركز حول «حلبجة» التي قضى فيها 5000 انسان بالسلاح الكيميائي، لكن لمن لا يعرف فعملية «الأنفال» التي تمت على مراحل قتل فيها أكثر من 182 ألف كردي، رقم نازي بامتياز، لوثة دموية عجيبة، ليس لنا إلا النهاية التي وضعها مانو خليل لفيلمه لنتعلق بها، حيث وجه تلك الفتاة الكردية الجميلة ومن ثم مشهد لأناس يجلسون في حديقة آمنة وهادئة في أربيل، حيث الأمل بألا يتكرر ذلك أبداً.

فيلم كردي آخر أتناوله هنا، لكنه روائي، وهو بعنوان «حي الفزاعات» للمخرج العراقي حسن علي محمود، الذي لي أن أقول أيضاً إنه أهم فيلم روائي في مسابقة الفيلم الروائي الطويل، ويمكن وضع فيلم «الرحيل من بغداد» لقتيبة الجنابي إلى جانبه، وما تبقى من أفلام فالبون شاسع.

يشكل «حي الفزاعات» مسعى إلى تقديم مجاز خاص بكردستان العراق، وليجد مراده من خلال الطيور، وتحديداً الغربان التي تربت على أكل جثث القتلى في الحروب التي تحيط بسكان القرية التي يقدم لها الفيلم ويكثف من خلالها كردستان العراق، بحيث تتحول الطيور إلى لعنة تتمثل بأكلها كل ما يبذره حما الذي يعمل مرابعاً لدى الاقطاعي أو السيد الذي يتحكم بكل شيء في القرية، ومع نثر البذور تأتي تلك الطيور التي تربت على الحرب ومص الدماء.

الرمز واضح، ومن ثم تحول كل ما في القرية من البشر إلى فزاعات كما هي نهاية الفيلم عدا الاقطاعي ومرابعه أو خادمه التوصيف الأدق، وليكون ذلك المستوى الأول من الفيلم، مع وجود مستوى ثان يتمثل بشيء من الكاريكاتورية والدراما التلفزيونية التي أساءت كثيرا للمستوى الأول المقدم بحرفية عالية وبلاغة بصرية تقول كل ما يود الفيلم قوله من لعنة تلاحق الأكراد كانت ومازالت.

أجد بنية الفيلم أقرب للفيلم القصير منها للروائي الطويل، والسبب انحيازي إلى المستوى التعبيري الأول، وليكون المستوى الثاني، أي الدراما وعلاقة حما مع زوجته وغيرها من حوارت كثيرة بينه وبين سيده، تشتيتاً عن جماليات الفيلم الكثيرة.