تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : (الخليج) نجوم الغانم: القصيدة الإماراتية أثبتت نفسها عربياً



رذاذ عبدالله
21 - 5 - 2011, 09:26 AM
نجوم الغانم: القصيدة الإماراتية أثبتت نفسها عربياً

الشعر جعلها تبصر الأشياء بعين الطائر


http://www.alkhaleej.ae/uploads/gallery/2011/05/20/157242.jpg



منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي انضم اسم الشاعرة نجوم الغانم إلى سماء وتجارب أخرى في قصيدة الحداثة الإماراتية، وأصدرت خلال العقدين الماضيين مجموعات شعرية عدة، وكانت البداية مع “مساء الجنة”، وتوالت بعدها الإصدارات ومنها “رواحل” و”منازل الجلنار” وغيرهما، وكانت آخر إصداراتها مجموعة “ليل ثقيل على الليل”، وتمكنت عبر تلك المساحة الزمنية من تأسيس بصمة خاصة بين أقرانها، فهي قد عرفت باشتغالها على التفاصيل، واهتمت بإبراز قدرة الشعر على إعادة إحياء العاطفة في مفردات تحملها الذاكرة دوماً إلى واجهة الحياة، وقد شحنت الكثير من أعمالها بحنين يتجاوز رغبة الإقامة في براءة الماضي إلى توثيق شعري لعراك الزمن مع الإنسان، توثيق يحاول التكيف مع قسوة المضي قدماً إلى الأمام، وفي هذا الحوار محاولة لتلمس بعض من عوالمها، وطبيعة علاقتها بالشعر:




* لك 8 مجموعات شعرية تبدو مرتبطة من زاوية ما مع بعضها بعضاً بالاحتجاج على الحياة، أما زلت حتى اليوم شاعرة قادرة على استنفار هذا الاحتجاج في وجه الحياة؟ أم أصبحت لغة المصالحة وضروراتها هي الأقرب بعد هذه الرحلة الشعرية؟




الحياة هي الشيء الوحيد الذي لا نستطيع الاحتجاج عليه لأنها فوق مبدأ الاحتجاج . نحن نصنع حيواتنا بأنفسنا وإن كنا نحتج فليس على الحياة، وإنما على أنفسنا، حتى إن بدا الأمر وكأننا نتذمر منها غاضبين مما يحدث فيها لنا . أما المصالحة فهي الخيار الأكثر ملائمة للتعايش مع الأشياء والعالم وهي المرادف للتقبل .




* لكل شاعر لحظة أو جهة أو مساحة تأسس القصيدة فيها أو من خلالها، كيف تأسس لديك القصيدة؟ من أية جهة؟ من الداخل أم الخارج؟




تأتي القصيدة حين يكون الوقت مناسباً لها كي تأتي، وهي تلقي بنفسها لفعل الكتابة في لحظة التخلّق الأولى كما لو أنها عفوية، ولكنها تأسس في مرحلة لاحقة وقت المراجعة العقلانية التي تشمل النظر لوحدتها ولغتها وانسيابيتها . في تجربتي الشخصية مع الكتابة تبدأ القصيدة دائماً كحالة مرتبطة بعوامل نفسية بحتة تتعدد أسبابها بين المؤثرات الخارجية والأسئلة الجوانية . ولكن ليست هناك محددات .




* في “منازل الجلنار” تحضر مفردات “المشيعين” و”جثمان” و”الاحتضار” وغيرها من مفردات الموت، كما أنك تبدأين المجموعة بقصيدة عنوانها “استدراجات الموت الأزلية”، ما الذي يحركه الموت لديك؟ وكيف تكتبيه أو يكتبك؟




“منازل الجلنار” كان برمته ككتاب مهدى لروح أبي الذي ذهب فجأة وسريعاً وإلى أولئك الذين يحتضرون . يقول الإهداء بالتحديد: “إلى روح أبي التي تقترب كلما حل المساء كأنها حمامة لا تقوى على الابتعاد عن بيتها، إلى الموتى . . والذين يحتضرون” .




لقد تطلب مني استيعاب الموت الكثير من الزمن والمحاولات، ولقد كان كتاب “منازل الجلنار” هو العزاء والوسيلة التي استطعت من خلالها التعبير عن فزعي مما حدث، وحزني الذي لم يداوه شيء أبداً .




وللعودة لسؤالك فإنني أقول إن الموت لم يعد يخيفني كما كان سابقاً، ومن هذه الناحية فإنه ربما يحرك مشاعر الحزن، ولكن لن يهزني أبداً مثلما هزني وأنا أنظر إلى جثمان أبي المسجى كجسد فارقته الحياة . الآن أكتب الموت باعتباره جزءاً من الحياة وأقبله على هذا الأساس .




* ما الذي أعطاه الشعر لنجوم الغانم، وما الذي سرقه منها؟




أعطاني الشعر الكثير ولم يسرق مني أي شيء . لقد أضاف إلى حياتي وعوالمي بعداً عميقاً وفريداً وجعلني أنظر للعالم من زوايا أبعد من مستوى النظر . لقد علمني الشعر أن أكون كالطائر حين أرى الأشياء وحين أقترب منها لفهمها أو استدراكها .




* بقيت أمينة لقصيدة النثر، وهي قصيدة مخففة من الغنائية إلى حد كبير، ما البصمة التي تعتقدين أنك تركتها داخل قصيدة النثر الإماراتية؟




لقد كتبت القصيدة بمشاعر أمينة للحالة واللغة والايقاع الخاص بها ولم أفكر قط أن أحولها إلى مشروع يجب عليّ أن أسمه باسمي أو أسلوبي، بعد ما أصدرته من كتب يمكن أن تكون تجربتي إضافة إلى تجارب الشعراء الآخرين في مجال قصيدة النثر . سعيت لأن أكتب بطريقة تخصني وأتمنى أن أكون قد نجحت في الوصول إلى أسلوب يمكن تمييزه .




* بوصفك إحدى الشواعر اللواتي حققن حضوراً جيداً في المهرجانات، كيف تنظرين إلى موقع الشعر الإماراتي في المشهد العربي؟




القصيدة الإماراتية باتت حاضرة بشكل قوي ولافت على خريطة الشعر العربي وصار لها تقدير خاص وكذلك الأسماء التي تكتبها . لا يمكن اليوم تجاهل ما حققته قصيدة النثر في الإمارات حين يُنظر إلى تجربة الشعر العربي الحديث ككل . شعراء الإمارات يحتلون زاوية مهمة وقصيدتهم دائماً تؤخذ في الاعتبار .




* تابعك الجمهور في مهرجان طيران الإمارات للآداب، باعتقادك ما الذي حققه هذا المهرجان للإمارات عموماً، وللمبدع الإماراتي بشكل خاص؟




مهرجان طيران الإمارات للآداب لا يخدم القاطنين في الدولة فقط وإنما أصبح مهرجاناً إقليمياً في المنطقة ككل، وهو من الأهمية بحيث أصبح قبلة للقارئ والكاتب على السواء . المبدع الإماراتي سيكون في قلب ما يحدث في مجال النشر دولياً لو حرص على الحضور فيه . إنه يؤسس لشكل غير تقليدي في العلاقة بين الكاتب والجمهور والكتاب، ويرسخ مبدأ التحاور وكسر الصورة النمطية السائدة في طريقة الامسيات والندوات .




* من المعروف أنك شاعرة وسينمائية في آن، ماذا قدمت الشاعرة نجوم الغانم للسينمائية نجوم الغانم موقفاً ورؤية وإحساساً؟




أعتقد أن الشعر جعل تجربتي السينمائية أكثر غنى من حيث الصورة وجمالياتها ومن حيث التناول والأسلوب . لا يزال هناك الكثير ليضاف، ومازالت هناك لغة تبحث عن مكانها بين القصيدة والفيلم السينمائي .




* بعض الشواعر العربيات اخترن عدم الزواج بوصفه مؤسسة تحكمها السلطة الذكورية، وبعضهن تزوجن وظلمهن الزواج ومنهن الراحلة سنية صالح زوجة الشاعر محمد الماغوط، أما أنت فيبدو أنك صاحبة تجربة مختلفة، ما المساحة التي أوجدها لك رفيق دربك الشاعر خالد البدور في حياتك وشعرك؟




بالنسبة إلى الفنان فإنه لا أحد يعطيه مساحة سواء كان رجلاً أو امرأة . نحن نقتسم الأشياء معاً، نراها من زاويتين مختلفتين ونتحاور حولها ونتصالح ونقدم بعض التنازلات إن لزم الأمر . الأهم في كل التجربة هو الاحترام والحب المتبادل وتفهم أهمية وجود مسافة ليمكن لكل طرف من ممارسة حريته الإبداعية وتحقيق أحلامه . خالد وأنا كبرنا معاً وتعلمنا معاً وعملنا معا ونثق ببعضنا كثيراً، وحين يتعلق الأمر بالإبداع فإن لكل منا ركنه المستقل، وهذا ما جعل تجربتنا مختلفة .




* في ظل التحولات التكنولوجية الكبيرة، وثورة الاتصالات، وانفتاح أشكال التعبير على بعضها بعضاً إلى حد غياب مفهوم الجنس الأدبي أو الفني أحياناً، هل أنت متفائلة بمستقبل الشعر، وكيف تنظرين إلى موقعه في ظل تلك التحولات .




كل شيء في الحياة يتغير، وكل شكل إبداعي اليوم عرضة لتحديات التكنولوجيا، وحتى الرواية التي تعتبر من أكثر الأشكال شعبية في العالم كله . ولكن سيبقى رأي الجمهور في كل شكل من أشكال الكتابة، وهذا ما يلاحظه المرء في المهرجانات على سبيل المثال، هناك لا يزال من يحرص على الذهاب لسماع الشعر كما أن هناك من يحرص على اقتناء الكتاب، وهذا هو العزاء حتى الآن . التكنولوجيا في رأيي مفيدة جداً، ولقد أصبحت وسيلة جديدة للانتشار والوجود على صفحات الإنترنت، وطريقة فعالة للتواصل مع مختلف الأعمار بمختلف الخلفيات التعليمية والثقافية، والشعر عليه أن يكون منفتحاً ومتطوراً ومتجدداً ليستطيع الصمود أمام التغيرات .





حداثة القصيدة الإماراتية




دخلت القصيدة الإماراتية في أفق الحداثة عبر أسماء وتجارب عدة، وهي لم تنفصل كلياً عن قصيدة الحداثة العربية، فقد جاءت التجارب الإماراتية لتعبر عن قدر كبير من الذاتية في مواجهة قصيدة التفعيلة والعمود التي ارتبطت بالقضايا الجماعية في معظم الحالات، وهكذا بدا أن قدر قصيدة الحداثة في الإمارات أن تكون جزءاً من موجة شعرية عربية تعيد ترتيب زاوية النظر إلى الأشياء والعالم، فلم يعد الخارج من يقرر القول الشعري، وإنما الداخل القلق، والمتوجس، والخائف حيناً، والمسكون بالحنين أحياناً أخرى، والرافض لسيرة الأشياء كما يرويها الرواة بحثاً عن شكل آخر للرواية .




نجوم الغانم وظبية خميس وعبدالعزيز الجاسم وهاشم المعلم وأحمد العسم وغيرهم كانوا ممن اتخذوا من قصيدة النثر بوابة لولوج العالم الشعري، وقد أسست هذه الأسماء مكانة خاصة لقصيدة النثر داخل الإمارات وخارجها، واستمرت في تعميق مسارها، وأصبح لكل اسم منها بصمته الخاصة، لكن المتتبع لإبداع هذه الكوكبة يلحظ انحيازها لما هو مهمش عادة في الشعر التقليدي، ولما هو مهمش في الواقع نفسه، وهذا الانحياز يأتي من نظرة جديدة إلى الدور الذي يمكن أن يكون للشعر في ظل عالم يقوم بتوحيد البشر عبر أنماط الاستهلاك الجماعية، إضافة إلى الحاجة الفعلية إلى ترسيخ رؤية مختلفة إلى علاقة الشعر بالواقع .




من جهة أخرى، كان واضحاً أن قصيدة النثر الإماراتية لم تهمل في تفاصيلها العلاقة مع البيئة الإماراتية، وهي علاقة تتجاوز حضور المفردة البيئية إلى علاقة أكثر جدلية مع الذاكرة الحكائية، ومع المكان بوصفه خزاناً إنسانياً وشعورياً، وهو ما يظهر جلياً في قصائد نجوم الغانم وجيلها، لكنه يظهر بعد أن يتفاعل مع عوامل أخرى، وبعد أن تكون الذات الشعرية قد حاورته عبر ثقافتها الجديدة .