تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : (الخليج) سالم أبو جمهور يواجه انكساراته باللحظة الحلمية



رذاذ عبدالله
11 - 6 - 2011, 02:01 PM
يزاوج بين الإيقاعين الخارجي والداخلي


سالم أبو جمهور يواجه انكساراته باللحظة الحلمية


http://www.alkhaleej.ae/uploads/gallery/2011/06/11/160684.jpg



يعد الشاعر سالم أبو جمهور، أحد الأسماء المهمة في عالم الشعر الإماراتي، وقد صدرت له حتى الآن، أعمال كثيرة منها: روائح النود، وتصاريح، وعلى السيكل، ودكان أمين، وطخ طرخطخ، وبتروكولا، وجسر الزجاج، وملاعب البالون . وقد صدرت للشاعر أبو جمهور مؤخراً مجموعة شعرية جديد بعنوان “رجائي” وتتضمن ستة وثلاثين نصاً، يمتد على شريط لغوي يحتل سبعة وستين صفحة من القطع المتوسط .




باستعراض سريع لعناوين النصوص وهي: المشيئة-مجد العدم- هجرة- تسول- شكوى- انتظار- وصال- هيام- مدينة- الليل الحبيب- فوق القلب- بومة الأطلال- رحلة- لهجة الصمت- الطواويس- صباح الصباح- صباح الناس- صباح الميلاد- الصباح الموسيقي- صباح الميزان- صباح الزوارق- صباح الشوارع- صباح الغد- صباح الفرح- الصباح الطفل- صباح الكتاب- حفاة النظر- رصيف- أسفار- ذكرى- صوت الألوان- القلب الجميل- البذور- شهوة الحرف، لا يتجاوز عنوان النص في المجموعة الكلمتين، وإن كان أكثر هذه العناوين مؤلفاً من كلمتين مركبتين، في إطار المضاف والمضاف إليه، ونادراً في إطار الصفة والموصوف، بيد أن العنوان لدى الشاعر ينمّ عن عناية ملحوظة، وانتقائية، غير عادية، شأن عناوين كتبه التي تدعو إلى الإدهاش .




لعلّ الشاعر أبو جمهور، في مجموعة نصوصه المكتوبة التي يزاوج خلالها بين ضربي الإيقاع: الداخلي منهما والخارجي، في آن، من دون أن يفتقد قدرة القبض على بوصلة رؤيته الحداثية، التي تظهر جلياً، سواء أكان من خلال طريقة صناعة الصورة، أو من خلال اختيار المفردة، أو حتى البناء العام للقصيدة يقول:




“غاص في اللّحظة قلبي




صاد كل الأزمنة




فتركت المركبا




كنت وحدي




تائهاً بالحلم




والحزن وأفراح الصبا




غادر المركب عني




وأنا في لحظتي




يا لها من لحظة




آه كم كان بها البحر صغيراً




آه كم كان بها المركب لا شيئاً”




ينطلق الشاعر، ليرصد تفاصيل لحظة محدّدة، حيث هيمنة الصمت، والحزن، وهي ثنائية، لا يفتأ الشاعر يكسر معادلاتها، منذ قصيدته الأولى- المشيئة-التي جعلها فاتحة المجموعة، كي يعلن في المقابل عن انكساره الكبير، ليس لكي يقبل به، بل ليحدد موقع كلمته، وهويتها:




“شئت أن أعشق صمتي




فتركت الأرض للماشين




قدمت سمائي




لنجوم راحلة




شاء صمتي أن أشاء




فاعتنقت الصمت عشقاً




وتطهرت من الألفاظ




ضحيت بكل الأسئلة”




ضروب المعاناة التي يتناولها الشاعر جدّ كثيرة، ومن بينها تناوله موضوعة الأنثى، وقد تكون هذه الأنثى، أبعد من مجرد امرأة عادية، لا يفتأ يعبر عن أساه، وهو على بابها، يحترق شوقاً وتوقاً وحناناً، ليعانق لحظتها البهية يقول في قصيدة “تسول”:




“افتحي الباب




وراء الباب رأس يطرق




عاشق شلّت يداه




عاشق في العشق شلّت قدماه




عاشق يطرق بالرأس




على باب الظلام




لم يزل يهواك




يهواك




وإن قيده قيد الحياة




افتحي الباب




ولا تستغربي




ربما لن تجدي إلا صداه




افتحي الباب




ولا تستغربي




إن وجدت




خلف هذا الباب (آه)”




ثمة ألم شاهق، سرعان ما تترى سكاكينه، وهي تطعن لحظة الشاعر، تكدر صفوه، تستفزه، فلا يجد مناصاً إلا أن يتوجه إلى تلك الأنثى، يواصل قرع بابها، إلى أن ينهكه ذلك، بيد أن الباب لا يفتح، ما يدفع بحبال اليأس، لأن تلتف حول عنق لحظته، على نحو أشدّ، من دون أن يكفّ عن حبه الكبير، لهذه المرأة، وإن كان يعلم في قرارته أنه سيؤول إلى-عدم- وإنها، حتى لو فتحت الباب، فهي لن تجد منه إلاكلمة “آه”، متكومة خلف الباب، لتشير إليه .




كما أن صورة هذه الأنثى، تكتمل على نحو أوضح، كما في قصيدة “اقتحام” التي يواصل إعلان حاجته إليها، لنراها رمزاً يتماهى مع الوطن والحلم، وكل ما هو جميل يقول:




“حلوة الأحلام




ثار الطيف شوقاً




طاوياً دنيا الخيال




طار بي




فخلعت النوم في عينيك




ألغيت تعاليم المحال




هل تريني؟




في يدي هدبك كالخنجر




لا أخشى من الليل




أخفت البعد بالهدب




وعانقت المحال




. . . .




حلوة الأحلام هيا




نحلم الآن ونحلم




ها هي الشمس معي




لملمت أسطورة الليل




وأشلاء الزوال




ها هي الشمس




على قافية الفجر




وموال الوصال”




ورغم أن الانكسارات تتبعه كظله، بل تسبقه، أنّى حل، إلا أنه لايغلق نافذة أمله، وحلمه، بل يتركها مفتوحة، يقول في قصيدة “بومة الأطلال”:




“كلما واعدت فجري




قيل: إن الفجر كان




كلما واعدت عشقي




قيل: إن العشق كان




كان، كان




بومة الأطلال “كان”




ربة الأموات “كان”




أحرقت كل أوان




ربة الأموات لا أعبدها




إنني حر الزمان”




إذا كان الشاعر أميل إلى كتابة ذلك النص الجديد، الذي يبتعد عن الإسراف في الوضوح، والمباشرة، وهي السمة العامة لقصيدة أبو جمهور التي تكتب على نظام التفعيلة-وهو المتمكن من كتابة قصيدة العمود، فإن الشاعر قد يعمد إلى كتابة القصيدة التي تترجم حرائقه، وصيحاته، وفق الإيقاع الذي يتلبسها، كي يطلق عنانها:




“قمر الظلماء




عفواً




لن أدندن




لا ولن أضحك




لن أبكي




لن أشكو غيابي وحضوري




إنني أنتظر النور لأشرب




ثم أشرب




أشرب النور بكفي جمالاً




وبعيني أغني




عندما تشرق في قلبي




ترانيم الزهور




قمر الظلماء




للحب أنر صوتي




أنر ليل شعوري




وأنر قلبي




لكي ألقاك




أهواك جميلاً




وطليقاً كالطيور”




ولعل تواشج الإيقاع الصارخ، والفكرة العارية، في فضاء القصيدة، على شكل لافت، يكاد يذكر ببعض قصائد الستينات، ولاسيما في ما كان يتعلق منها بأدب المقاومة، فلا يتلكأ المتلقي في وضع إصبعه على الأفكار المتناولة:




“قمر الظلماء




على الحب أعني




مت شوقاً واحتراقاً




علني ألمح في الظلماء قلباً




علني ألمح حباً




ثار خوفي




فرأيت الليل رعباً




ووجدت النور أشلاء حزينة




كحبيبات لآلئ




فوقها تلهو خفافيش القبور”




ثمّة رموز ودلالات واضحة، تظهر في مثل هذه القصيدة، بيد أنها تختفي في نصوص أخرى، من المجموعة، ما يجعلنا أمام مستويين فنيين في المجموعة نفسها، وإن كان الإيقاع العالي يواري ما يمكن تسجيله على القصيدة التي تخلص للمعنى:




“قمر الظلماء




إن فارقت قلبي




لن تحييك سماء




لا ولن تهواك أحلام القصور”




ويتساوق موقف الشاعر من المدينة، مع موقف كثيرين من الشعراء الإماراتيين، إذ إن هذه المفردة تثير في ذاته لواعج الحزن والأسى، بل يعمد الشاعر إلى المقارنة بين بوابة الليل وبدر المدينة الذي تبتلعه الظلمة:




“لم تكن بوابة الليل




كوسع الليل




سوداء حزينة




كبرت أركانها




عظمت أحزانها




صفقت بيبانها




أغلقت بدر المدينة”




والشاعر يكتب سونيتات موقّعة، لتطفح بغنائيتها، وتكون ذات الشاعر هي الأكثر بروزاً، وحضوراً، وذلك من خلال ظهور ضمير المتكلم، في أكثر من صيغة، سواء أكان فعلاً أم اسماً:




“كان قنديلي خليلي




ودليلي تحت ليلي




فأراني ألف ليل




بين ليلي وسبيلي




اختفى ظلي ووجهي




بين قنديلي وليلي”




تدخل مفردة “الصباح” إحدى عشرة مرة في عناوين قصائد المجموعة، عشر مرات منها في صيغة النكرة، في حالة الإضافة، ومرة واحدة في صيغة المعرفة، كموصوف، ومن دون أن ترد مفردة، ولم تتم تثنيتها أو جمعها، وهي بدورها تنتمي إلى عالم السونيتات التي يبرع الشاعر في تشكيلها، وفق رؤيته الفنية، يقول في “صباح الصباح”:




“ما أجمل الصباح!




دعوه يأتي وحده




لو مرة




بشخصه وصوته ورأيه




لله يا شموس




لله يا أيام




لله يا عيون




دعوه يأتي وحده




لنعرف الصباح”




والشاعر يحلق- بحق- في صباحاته، لنكون أمام لوحات مضغوطة، مكتوبة بأقل ما يمكن من مفردات، تنم عن مهارة، واشتغال على الأدوات الفنية، ناهيك عن نسج الصور بفنية عالية، من خلال دراسة التواشج المطلوب بين اعتماد التفعيلة وعلاقة المفردة بالأخرى، وغير ذلك مما يتطلبه الإيقاع الداخلي، يقول في الصباح الموسيقي:




“ما أجمل الصباح




هذا




صباح نغمة




تجردت من لحنها




تجردت من صوتها




فبحرها فضاء




وأرضها غناء




رباه كيف غردت




في مهجة صماء؟!”




والصباح هنا، كرمز، يتجاوز حقله الدلالي، إلى فضاء أوسع، بعكس ما وجدناه، مع رموز أخرى تم تناولها-من قبل- كما هو حال: الليل-الظلام-الفجر-إلخ، وهذا يعني أن تناول الرمز التقليدي، يتم من قبل الشاعر بأكثر من مستوى، حيث يستطيع-أنى أراد- توسيع أمدائه، مادام أن مفردة “الصباح” كما تمت الإشارة استطاعت أن تكون أبعد من رمزها المتناول .




الشاعر أبو جمهور في مجموعته هذه، يؤكد لمتابع تجربته أن لغته الشعرية سلسة، مطواعة، وهو قادر على أن يصوغ جبلتها كما يريد، ليشكل من صلصالها، ما يشاء من صور، تشكل مع سواها من الأدوات المطلوبة في مختبر الشاعر الحقيقي عمارة القصيدة، من دون عناء وتكلف، وهذا ينمّ عن عمق التجربة، وأصالة الروح الشعرية لديه، ما يجعله أحد الأسماء الأكثر رسوخاً في الشعرية الإماراتية إلى جانب سواه من المبدعين الحقيقيين الذين لا تزال أصواتهم ترفد خريطة هذا الشعر، وترسم ملامحه، بلا توقف .










· “رجائي” - مجموعة شعرية - وزارة الثقافة والشباب





· وتنمية المجتمع واتحاد كتّاب وأدباء الإمارات ط1 -1102