المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فلسفة الفن أرسطو والمسرح الإغريقي



رذاذ عبدالله
14 - 6 - 2011, 07:19 PM
فلسفة الفن أرسطو والمسرح الإغريقي

* الثــورة السوريــة


http://thawra.alwehda.gov.sy/images/ALMULHAK2011/745/20.jpg


أرسطو، تلفظ ذلك الاسم، يعني أنك تدخل الفلسفة من باب هامّ وواسع في آن؛ أو على الأقل هذا ما يجب أن يكون.
فلسفةُ الإغريق ما كان يميزها، هو ذلك الانتقال العفوي والسببي معاً. سواء في عصرها الميثولوجي أم فيما بعده.‏‏

في ميثولوجيّتها، تـُبنى الأسطورة ُ بهذه النسبة أو تلك، وفق حالة فكرية معيّنة.. تتغيّر. إله يُنشأ أو ذاك. للحب فينوس، فوق الأولمب أبوللو، للخصب للخمر ديونيزوس، لرمي فلان فلانة بأقواس الحب كيوبيد، إلهات آلهة.. كل وفق ضرورة، وفق حاجة ما. تنبعان من خوف، قد يكون، من ذلك قسط لا شك. لكن الأهم أنهما تنبعان من نزعة تعبّر عن حرية صاحبها في الاعتقاد في السلوك من نزعة بالدرجة الأولى هي إنسانية.‏‏


فيما بعد، في مرحلة نشوء التيارات في تلك الفلسفة، التي قد يكون طاليس في القرن السابع قبل الميلاد عندما اختزل عناصر الطبيعة الأربعة الأولى المعروفة إلى أولوية الماء أو الرطوبة، أساساً للخليقة؛ أحد أهم بداياتها. ثم ما كان للفيثاغوريين من أهمية عندما دعوا إلى العدد إلى النغم بوصفهما الأساسين للخليقة.‏‏

فيما بعد، بينها، تتبلور أيضاً، على مدار قرن، من منتصف السادس إلى منتصف الخامس قبل الميلاد، فلسفة نظرية تجريدية. ليعلن أكزينوفانيس أحد أهم منظـّريها أن الله واحد.. أو كما يقول: «ليس الله شيئاً وهذا العالم شيء آخر، بل هما شيء واحد» ليعلن تفكيره الواضح في وحدة الوجود.‏‏

إلى أن كانت الحركة الفكرية الهامة في القرن الخامس قبل الميلاد، السفسطائية. لا بما يُعرف عنها من خطأ بل بما تنزع إليه نحو أهمية الإنسان. لذلك هي الهامة في قول مفكرها، بروتاغوراس: «الإنسان مقياس كل ّ شيء».‏‏
في خضم اشتداد هذه الحركات الفكرية المناهضة، ليس لما هو وثنيّ كما يُقال أحياناً، بل لما هو إن صح التعبير نوع من التفكير في مسألة الآلهة عموماً؛ يبرز المسرحي الهام: اسخيليوس. إذ إنه في الواقع كان في طليعة تلك الحركة الفكرية السفسطائية. هنا قد يكون، أي هذا المسرحي، النقلة َ الأولى ذات الأهمية الملحوظة من الفلسفة إلى المسرح.‏‏

أهمية تجعله يتناول قضايا عدةً، تنبع من النظر من نوعه إلى تلك الآلهة، في جملة ما كان ينظر إليه من قضايا اجتماعية عامة. فليس عبثاً، عندما اعتـُبر أنه مؤسّس للتراجيديا، بالرغم من وجود إنجازات من قبله في هذا المجال.‏‏

•••‏‏

في التدقيق في ذلك الانتقال الميثولوجي أو في غيره، بما هو فلسفي؛ نجد كما رأينا وكما يمكن أن نرى، ذراً تستخلص مما سبقها وتعطي لما سيلحق. أرسطو لا شك.. إنه يُمثـّل إحداها. إنه يحافظ على نزعة أخلاقية سقراطية من جهة، مثلما يفيد من قيم مثالية أفلاطونية من جهة ثانية.‏‏

فكرُه الفلسفي، لا يظل ضمن نطاق الميتافيزيقا، الفلسفة الأبعد عن مجال الحواس. بل يتحدّاها أو بالأحرى ينتقل به إلى غيره، إلى مجال الطبيعة، فالمجتمع. ليصل إلى مفهوم جديد، إلى مفهوم البنية.‏‏

بمعنى إن النظام الفكري الأرسطي لا يبقى ضمن العلوم النظرية فحسب؛ رغم أساسيّتها، رغم ما تقدّم من أجل تطوير ذاتها، الرياضيات تدفع بالرياضيات. إنه، أي ذلك النظام، ينتقل إلى علوم عملية، تأخذ من غيرها لصالحها. الزراعة تستفيد من غيرها، بالدرجة الأولى مما هو نظري. الرياضيات لا تبقى في حدودها فقط، إنها تعطي غيرها.‏‏

نظامُه ذلك، يذهب أبعد. يذهب إلى ما هو إنتاجي من جديد. إلى ما يمكن أن يكون خلاصةً من غيره، من أي مجال؛ إضافةً إلى خصوصيات فيه. في هذا المجال الإنتاجي يقع الشعر، الفن، يقع مما هو تعبير روحي، مما هو فن اكتسابي أيضاً.‏‏

هنا ينعكس مفهوم البنية بوضوح. إلا أنه لم يعد مرتبطاً بنظرية المُـثل فقط. كما أراد له معلمه أفلاطون برغم ما لاتجاهه هذا، من فضل، غير خفيّ على دارسه المبتغي الصح بقدر ما أمكن.‏‏

•••‏‏

من علاقة مفهوم البنية هذا بغيره، مما هو إنتاجي، لا سيما الفنون الجميلة أو ما يمكن أن نطلق عليها، الفنون الإبداعية؛ يبدأ تأثير أرسطو في المسرح. إذ إنه انطلق من خاصيّة مسرحية من خواص مسرحية، طبعت المسرح الإغريقي بطابعها.‏‏

انطلق منها ليدرسها. بتعبير، إن ّ تأثيره في المسرح يبدأ ويتـّضح من خلال دراسته للمشهد المسرحي ذاته. لذلك اختار التراجيديا، أو ما وصلنا في هذا المجال هو دراسته لها. لم تكن الكوميديا بالطبع خارجة عن ذلك المشهد، إلا أن دراسته لها هي التي لم تصلنا. إننا نلمح إشارته إليها من خلال مقارنته بين الأفاضل والأردياء في كتابه، فن الشعر.‏‏

تناوله للتراجيديا، مما يساهم في تقويته، اعتبارُه لها، جزءاً من الفنون بعامة. إذ إنه يقول: «لم نصل بعد إلى تسمية إلى فن القول بالعام». فيضع أحياناً إلى جانب لفظة التراجيديا.. اللعب في القيثارة، الصَفر على الناي وهكذا..‏‏

قد يكون العامل الأهم في تلك التقوية؛ وعلينا اعتباره ذلك، هو جعل تلك الفنون ترتبط بمفهوم المحاكاة، mimsis، فيما هو يتعلق، أي هذا المفهوم، بشخصية الفنان، بإحساسه، بفكره، بابتكار العمل الفني ذاته.‏‏

فيما هو غير التقليد لما هو واقعي. هو حتى غير ما يختلط في الذهن بين الابتكار والتقليد أحياناً، كما هو الحال مع الكلمة الإنكليزية imitation.‏‏

بذلك إنه لا يحرّر مفهوم المحاكاة من أطره الواقعية أو المرجعية فقط؛ بل يُخرجه من إخضاعه.. ولو لنموذج معيّن، لفكرة معينة أيضاً. السرير عند أفلاطون، كما هو معروف، فكرتـُه أولاً، ثم صانعه، ثم الفنان الذي يرسمه. عند أرسطو، الفنان بمعنىً ما هو حرّ، هو الأساس. قد يكون ذلك الرد الأول على معلمه بالرغم ما بينهما من ارتباط هام.‏‏

•••‏‏

تأثيره في المسرح أو في التراجيديا أولاً، يظهر من خلال نظرته العامة إلى الفنون من حيث موضوعها، وسيلتها، طريقتها.

نظرة تمكننا من أن نفرق بين فن وآخر أو أن نقرّب فنـاً إلى آخر. سوفوكل يقترب إلى هوميروس، أكثر مما يقترب إلى أرستوفان الكوميدي الدرامي، من حيث الموضوع، فالمأساة هي في كل من الملحمة والتراجيديا.‏‏

تأثير يستقدمه من البيولوجيا ذاتها، من مفرداتها.. التراجيديا نشأت، فيما يربط بداياتها بأشعار الديرامب؛ مرّت في مراحل، استكملت شكلها الطبيعي، توقفت، استقرّت. لذلك بعد أن ينطلق من تعريفها ذي العلاقة الوثيقة بمحاكاة الفعل الكامل الجليل التام؛ يصل إلى تقسيم كيفي لها. أساسه الحبكة بما تعني من فعل قبل كل شيء. وليس من أشخاص، الذين في الحقيقة يظهرون من خلاله. ثم بما يظهر منهم من فكر وأخلاق بوصفهم فاعلين. ثم بما تتميز به تلك الحبكة أو تلك الكيفية من غناء ومرئيات مسرحية.‏‏

كيفي يزاوجه بآخرَ، تقسيم كمي كما رسمه هو. من البرولوغ، المشهد التمثيلي الافتتاحي إلى البارادوس، نشيد الجوقة الابتدائي وهي ذاهبة إلى الأوركسترا، إلى الآبسود المشهد التمثيلي الأساسي، بين نشيدين تامين للجوقة.. إلى أجزاء كميّة غيرها، مثل exodus، المخرج، إلى أجزاء لها علاقة بتلك.‏‏

•••‏‏

تأثيره يتبلور أيضاً في باقة من المفاهيم التي لم ينحصر تأثيرها في ذلك المسرح الإغريقي فقط. مفاهيم فكرية نقدية.. مثل التحوّل والتحرّف. أنواع لكل منهما. مثل الاحتمال والضرورة.. كأن نذكر من فصله الرابع والعشرين في كتابه «فن الشعر»، «إن الفعل غير المحتمل ولكنه مقنع أفضل بكثير من الفعل الممكن ولكنه غير مقنع».‏‏

مفاهيمُ لتنير حقيقةً، الحقيقة الشعرية. لتميزها عن تلك الواقعية، الحقيقة التاريخية. لتنير مفهوم الشخصية التراجيدية بما لها من اختيار حرّ، بما عليها من انصياع لقوىً خارجة عن إرادتها، لقوى تعاكسها، تخالفها. لتبين إحداث التطهير بما هو صح وبما يثير من إشكاليات.‏‏

•••‏‏

سقراط، عندما يستلهم تأثيراً من بين مآسي يوريبيديس وملاهي أريستوفان، تأثيراً من تلك المفاهيم بالعام، ليحوّله بدوره إلى الفلسفة.. من جهة كأنه يشكل النقلة المقابلة لتلك التي أشرت إليها سابقاً مع اسخيلوس. من جهة غيرها، يجعلنا ندرك أهميتها أكثر.‏‏

إذ إنها، أي تلك المفاهيم، هي التي درسها أرسطو بعد نشأتها، بعد تحققها مسرحياً. لذلك قد نصل معه إلى نقطة تأثيره الهامة، نقطة التوصّل إلى تمايز التراجيديا حتى فيما هو يقارنها مع الملحمة. فالتراجيديا كما استنتج، مداها لا سيّما الفكري، أوسع، برغم ما تحمل من قوانين. بغضّ النظر هنا عن سوء فهم بعضها، من قبل البعض في فترات مختلفة، كفهم وحدتي الزمان والمكان.‏‏

أرسطو في الفن، إنه يسير مع الطبيعة ذاتها.. تأثيره في المسرح، أهمُّه، إنه يساعد في تفهّم المسرح بالعام العام.‏‏