رذاذ عبدالله
2 - 7 - 2011, 02:05 PM
يضم 16 قصيدة لم تنشر من قبل
“العيون الخضر” . . مخطوط مجهول لأمل دنقُل
http://im4.gulfup.com/2011-07-02/1309601022811.jpg (http://www.gulfup.com/)
صيف ،1992 شهر مايو بالتحديد . . كنت أعمل على قدم وساق على إنجاز ترجمة قصائد جديدة للشاعر الروسي فلاديمير ماياكوفسكي، لإعداد طبعة جديدة مزيدة من ترجمتي السابقة “غيمة في بنطلون . . وقصائد أخرى” . كنت وسط الترجمة، ومنضدة الكتابة مزدحمة بالأوراق والقواميس وثلاثة مجلدات من أعمال الشاعر الروسي، مترجمة إلى الإنجليزية .
في هذا الوقت المزدحم بالتحديد، وقع مخطوط أمل دنقل في يدي . قلت للسيدة عبلة الرويني، أرملة الشاعر، التي جاءت لي بالمخطوط: إنني مشغول هذه الأيام بماياكوفسكي، ولا بد لي من إنهائه أولاً . قالت: لا بأس . . فليس هناك من جديد في المخطوط سوى قصيدتين لم يسبق نشرهما .
بعد حين، وفيما كنت أنهي إعداد كتاب ماياكوفسكي، دفعني الفضول إلى تصفح المخطوط: عنوان عام للمخطوط “العيون الخضر”، وخط منمق، وقصائد سبق أن قرأتها في دواوينه المنشورة، وقصائد غير منشورة . لكن عدد القصائد غير المنشورة يتجاوز بكثير القصيدتين . . لا يقل عن عشر قصائد .
أبلغتها في لقاء تالٍ بالمفاجأة . وسألتها عن تصورها . اتفقنا على إعداد القصائد للنشر، محققةً مدققة، مشفوعة بدراسة شاملة .
بعد أن التقطتُ أنفاسي من العمل مع ماياكوفسكي، أخرجت المخطوط من جديد، وعكفت عليه . لكن الأمور اختلطت، بعد الانتهاء من دراستي، وتراجعت أرملة الشاعر عن فكرة النشر، لأسباب لا تزال مجهولة لدَي، حتى الآن . يمكنني استنتاجها، لكن بلا يقين .
مخطوط “العيون الخُضر” هو اكتشاف شعري، ظل مختبئاً بلا نشر على مر السنوات، لا يدري محبو دنقل عنه شيئاً، ولم يره النقاد المهتمون برصد وتحليل تجربة صاحبه الشعرية اللافتة .
بخط يد أمل دنقل، يضم المخطوط ثلاثاً وثلاثين قصيدة، كتبها في الفترة ما بين 1956 و1962 لكنه نشر منها بنفسه خمس عشرة قصيدة في الدواوين المختلفة له .
فمن بين قصائد المخطوط، ضم أمل دنقل قصيدتين إلى ديوانه الأول “البكاء بين يدَي زرقاء اليمامة” ،1969 هما “كلمات سبارتاكوس الأخيرة”، التي كانت تحمل في المخطوط عنوان “عندما نقول لا: سبارتاكوس”، و”بطاقة كانت هنا”، إضافة إلى ديباجة الديوان: “آه . . ما أقسى الجدار . .” .
أما ديوانه الثاني “تعليق على ما حدث” ،1971 فلم يضم سوى قصيدة واحدة: “حكاية المدينة الفضية”، أولى قصائد المخطوط . ولكن ديوانه الثالث “مقتل القمر” ،1974 ضَم اثنتَي عشرة قصيدة من قصائد المخطوط، هي: “شبيهتها”، و”قالت”، و”أوتوجراف”، و”يا وجهها”، و”العار الذي نتقيه”، و”قلبي والعيون الخُضر”، و”مقتل القمر”، و”إلى ذات العيون الخُضر”، و”شيءٌ يحترق”، و”إليها”، و”ماريا”، و”العينان الخضراوان” .
ولم تدخل قصيدةٌ واحدةٌ من قصائد المخطوط إلى أي ديوان من الدواوين التالية: “العهد الآتي” ،1975 و”أقوال جديدة عن حرب البسوس” ،1983 و”أوراق الغرفة 8” 1983 لكن “الأعمال الكاملة” له، التي صدرت عن مكتبة مدبولي ،1983 ضمت بعد الدواوين المعروفة بعض القصائد التي لم يسبق نشرها تحت عنوان “قصائد متفرقة” . ومن بين هذه القصائد قصيدتان من قصائد المخطوط، هما “مِن أين”، التي نُشرت بعنوان آخر هو “العراف الأعمَى”، و”إلى صديقة دمشقية” .
بذلك، يكون مجموع القصائد المنشورة من المخطوط سبع عشرة قصيدة، من بين ثلاث وثلاثين قصيدة يضمها المخطوط . يتبقى إذاً ست عشرة قصيدة لم يسبق نشرها في أي طبعة من أعماله الشعرية .
هذه القصائد هي “أوجيني”، “المنبَر”، “خمس أغنيات إلى حبيبتي”، “الأفعى”، “الشرفة”، “سأعود”، “إخناتون فوق الكرنك”، “لقاء”، “مرتان”، “قبيل الرحيل”، “الأطفال والخطيئة”، “الحُب الذي وُلد ميتاً”، “الآخرون دائماً”، “مِن بحري”، “أين المسيح”، “عيناك” التي وضع لها في فهرس المخطوط عنواناً آخر، هو “كلماتٌ له” .
والمخطوط مكتوب في “أجندة” سنوية، من تلك التي كانت تصدرها شركة “رومني” للورق، وهي “أجندة” عام ،1961 ذات غلاف بلاستيك أزرق، من القطع الكبير، يبدو أنها في الأصل كانت مهداةً إلى الشاعر، حيث تحمل صفحتها الأولى جملة “أطيب الأماني بالعام السعيد”، موقعةً بشكل غير مقروء، كما يبدو أنه استخدم صفحاتها الأولى في الكتابة، قبل أن يقرر تخصيصها لتجميع قصائده، حيث لا تأتي تواريخ الأيام متسلسلة، بل تفتقر تماماً إلى صفحات يناير/ كانون الثاني، وبعض صفحات فبراير/ شباط، التي انتُزعت من “الأجندة”، قبل استخدامها الشعري .
والورقة التالية من “الأجندة” ورقة الجمعة 3 فبراير، كتب عليها الشاعر كلمة “شعر” بالخط الفارسي أعلى يمين الصفحة . وفي منتصفها، كتب اسمه “م . أمل دنقل” بالخط الرقعة الكبير باللونين الأزرق والأحمر، وفي منتصف أسفل الصفحة، كتب كلمة “الإسكندرية” بالنسخ الصغير، وتحتها السنة “1961” وهي السنة التي بدأ فيها على ما يبدو عملية “النسخ” الأخيرة لقصائد المخطوط .
والورقة التالية ورقة الثلاثاء 7 فبراير تحمل الإهداء العام: “إلى اللاشيء . . لأنني لم أجد شيئاً يستحق أن أهدي إليه كلماتي”، والتوقيع: “أمل دنقل” . والصفحة كلها مكتوبة بالحبر الأحمر . وهو إهداء لافت، إذا ما تذكرنا “الصخب” الثوري والقومي في فترة كتابة المخطوط، ففيما ترتفع الشعارات الرنانة في جميع الأنحاء، يهدي دنقل المخطوط جميعه إلى “اللا شيء”، إلى العدم، لعدم عثوره على ما هو جدير بالإهداء لنا أن نتذكر من باب المقارنة فحسب إن ديوان أحمد عبد المعطي حجازي الأول “مدينة بلا قلب” كان يتضمن قصائد مهداة إلى “الاتحاد الاشتراكي” وإلى عبد الناصر، بما يقارب التأليه، قصائد أزالها من الطبعات التالية الديوان نفسه!
وتضم الورقة التالية ورقة الإثنين 13 فبراير فهرس القصائد الثلاث والعشرين الأولى، في إطار وترقيم متسلسل بالحبر الأزرق . أما عناوين القصائد، فمكتوبة بخط أحمر . وعلى يمين الإطار، كتب بين قوسين: “العالم فوق الشعر/ فليَسمُ الشعر إلى العالم/ أو . ./ فلنصمت . .” . أما الفهرس الكامل، فموجود في الورقة الأخيرة ب “الأجندة” الورقة المخصصة- في الأصل- لتسجيل أرقام الهواتف والمواعيد .
وتحمل الصفحة التالية من المخطوط العنوان الرئيسي “العيون الخُضر” بخط كبير، متأنق ومزخرَف، يملأ الصفحة بصورة أفقية .
ويبدأ المخطوط بقصيدة “حكاية المدينة الفضية”، وينتهي بقصيدة “عيناك”، التي تحمل في الفهرس الأخير اسماً آخر: “كلمات له” .
ولا يضم المخطوط من قصائد عام 1956 سوى قصيدة وحيدة، وقصيدة وحيدة أخرى من عام ،1957 وكذلك بالنسبة لعام ،1958 لكن العام التالي ،1959 يشهد أربع قصائد، وأربعاً أخرى لعام ،1960 وثلاثاً من نتاج عام ،1962 وقصيدة بلا تاريخ . أما عام ،1961 فهو عام الذروة الذي كُتبت خلاله الغالبية العظمى من القصائد: ثماني عشرة قصيدة . وشهور الذروة في هذا العام هي إبريل ومايو وأكتوبر، حيث كُتبت خلال كل منها ثلاث قصائد . وفي كل من مارس ويوليو وسبتمبر، كتبت قصيدتان . وكُتبت قصيدة واحدة خلال يونيو وأغسطس . وتظل هناك قصيدة لا تحمل تاريخ الشهر، واكتُفِي معها بتاريخ العام .
وتتراوح أماكن كتابة القصائد كما أثبتها الشاعر في نهاياتها بين الإسكندرية وقِنَا والقاهرة . وللإسكندرية الرصيد الأكبر من القصائد 14 قصيدة، تليها قِنَا بلدته الأصلية 10 قصائد، فالقاهرة 8 قصائد . وهو ترتيب يتوافق مع هامشية القاهرة خلال تلك الفترة في حياته، حيث كان موزعاً بصورة أساسية بين عمله كموظف في الإسكندرية، وبين علاقاته العائلية في مسقط رأسه .
والكثير من قصائد الحب بالمخطوط مهداة إلى “ع”، وهو اختصار اسم حبيبته في تلك الفترة، في ما يبدو . على أن ذلك لم يمنع من إهداء قصيدتين إلى “س”، التي كتب اسمها الأول كاملاً في إحدى الصفحات “سوسن”، وفضلاً عن ذلك، هناك قصيدة مهداة “إلى من عرفتُها ولم تعرفني”، وأخرى مهداة “إلى الرئيس عبد الناصر . فلولاه . . لخجلتُ أن أكتب هذه الفترة من تاريخنا . لولا . . أن قال كلماته في ميدان المنشية”، و”إلى الصديق أحمد وجدي”، و”إلى الذين يموتون في قريتي بسياط الكلمات، ويلعقون الجراح . . لأن سياطهم مقدسة”، و”إلى صاحبة سهرة 12 مايو 1961”، و”إلى رفيقة الترام المجهولة”، و”إلى التي لم تسمح لي بالدخول، لكي أجفف عرقي . . بعد رحلتها المضنية”، و”إلى البيت الذي شهد المأتم كما شهد العُرس” .
والخَط من بَعد واضح ومقروء تماماً، بل يميل إلى الإتقان والتأنق، خاصةً في البيانات الرئيسية للمخطوط، وعناوين القصائد . والتعديلات نادرة، لكنها واضحةٌ ومحددةٌ بلا لَبس، بما يرجح احتمال أنه كان يكتب النسخة النهائية للمخطوط/ الديوان، فيما يسبق الطباعة، وليست نسخةً تمهيدية، أو أولية . فمسودات قصائده تحفل عادةً بالعديد من أشكال الحذف والتعديل والشطب الحاد، إلى أن يستقر على الصياغة الأخيرة، فيكتبها بخط متأنق، وقد يزخرفها بالأقلام الملونة، على نحو ما فعل في مخطوط “العيون الخُضر” .
وقد وضع أمل دنقل في الفهرسين الأول والأخير إشارات أمام بعض القصائد، تفيد بنشرها في جرائد ومجلات تلك الفترة، وعددها ثماني قصائد موزعة في النشر على جرائد ومجلات “المجلة” و”المساء” و”العالم العربي” و”الأهرام” و”الفكر العربي” . وهناك قصيدة تاسعة وضع أمامها في الفهرس الأول إشارة تفيد بنشرها في “أصوات”/ لندن، ولكنه في الفهرس الأخير شطب الإشارة بعد إثباتها .
الغالبية العظمى من قصائد المخطوط يمكن وصفها بأنها “قصائد حُب” مباشِرة، تؤرخ لوجدان “أمل دنقل” وعلاقاته العاطفية، وتقدم بصورة شعرية رؤيته لعلاقة الرجل بالمرأة، وصورة الحبيبة، والمشاعر الغالبة تجاهها، في اللحظات المختلفة من العلاقة . والحبيبة هنا فتاة محددة لها اسمها، وملامح شخصيتها الخاصة، وعلاقتها المتحولة بالشاعر، لتصلح قصائد الحب رصداً وتأريخاً للعلاقة . إنها سيرة عاطفية، وجدانية، لأمل دنقل، في الفترة من 1956 حتى 1962 .
كان عمره آنذاك يتراوح بين السادسة عشرة والثانية والعشرين، ولم تكن قريته “القلعة”، في محافظة “قِنا” الصعيدية تشبه قرى الدلتا، فالمحافظة التي تقع في جنوب الجنوب المصري، بقدر ما توغل في البُعد عن “القاهرة” العاصمة، توغل في تكثيف ظلمات التقاليد العتيقة، لتبحث فيها عن أمانها وتحققها الاجتماعي، فالقبيلة هي المؤسسة الاجتماعية العليا، لا الدولة . والشرف بمعناه القَبَلي هو القيمة الإنسانية العليا . والعُرف هو القانون الاجتماعي الأعلى . والفرد: مُهدر وضائع تحت سطوة “القَبَلي” الاجتماعي، بلا تحقق خاص .
لكن: ما أهمية قصائد المخطوط المجهول؟
في قصائد المخطوط مجتمعةً يرسي أمل دنقل ما سيصبح، في ما بعد، ثوابته الإبداعية في دواوينه المعروفة، وتوجهات نظرته إلى العالم، وكيفية رؤيته له . وتتكشف مصادر الإلهام والاستلهام، والنموذج الشعري المعاصر المؤثر في تجربته، بقوة . لكن قصائد المخطوط تنطوي في الوقت نفسه على “المتغيرات” التي سينحوها أمل دنقل في مسيرته اللاحقة، أو يقلص منها إلى الحدود الدنيا . والغريب أن بعض هذه “المتغيرات” يمثل “ثوابت” المخطوط .
فقصائد “الحب” تحتل أكثر من نصف مساحة المخطوط، وهو ما فرض نفسه على العنوان العام له، المأخوذ من عنوان إحدى هذه القصائد: “العيون الخضر” . وهي قصائد يغلب عليها الطابع الرومانسي المقرون بحسية مباشرة، حيث “المرأة” في هذه القصائد هي بؤرة العالم ومحركه الأول . هي أميرة الحلم النورانية، ذات العيون الخضر والشعر الكستنائي الغزير، ثوبها “جدَلَته الحُورُ مِن زَهوِ المَطَر”، خُفها “مَجلُوبٌ مِن وَادِي القَمَر” . حبيبةٌ “لَم تُشبِه جَمِيعَ البَشَر”، “عيُونُهَا حَدَائِقُ حَافِلَةٌ بِالصوَر”، و”كلمة” من فمها تجيء بالهوى المسكر، أو هي أميرة الصبا وهو الراعي الصغير، الشاعر الذي يريق تحت شرفتها الغناء، “حتى إذَا ما أشْرَقَ الصبحُ، اختَفَى وَلَم يَبِن” . و”العَينَان الخَضرَاوَان/ مروَحَتَان/ فِي شُباكِ الصيفِ الحَران/ أغنِيَتَان مُسَافِرَتَان/ أبحَرَتَا مِن شَبابَاتِ الرعيَان/ بِعَبِيرِ حَنَان/ بِعَزَاءٍ مِن آلِهَةِ النورِ إلَى مُدُنِ الأحزَان” .
حالة رومانسية تذكر بشعراء “أبوللو” والشابي وأبي ماضي، كأنها هاربة من الماضي الشعري القريب، مناخاً ولغةً وصورة . هو مناخ الحب الأسيان، والعذاب العذب، والمشاعر الناعسة، والعلاقة المحكومة بالإخفاق، بما هي علاقة السماوي المتسامي النبيل بالأرضي المتدني العادي . علاقة تناقض بين النور والظلمة، بين الأبيض الشاهق والأسود الكابي، اللذين جمعتهما المصادفة العابرة في الزمان أو المكان .
يؤكد ذلك ويتولد عنه، إحساس عميق بالاغتراب في هذا العالم، بما يقترب من الشعور الراسخ باللاجدوى: “إنكِ لاَ تَدرِين/ مَعنَى أن يَمشِي الإنسَانُ وَيَمشِي بَحثاً عَن إنْسَانٍ آخَر/ حَتى يَتَآكَلَ فِي قَدَمَيْه النعْل . ./ أمس الأول/ أعلَنتُ اسْتِسْلاَمِي . . وَكَسَرْتُ السيْفَ/ . .وَأخِيراً عُدْت/ أحْمِلُ فِي صَدرِي صَمتَ الطاعَة . . وَرَجِعتُ بِدُونِ كِتَاب/ غَيرَ كِتَابِ المَوتَى” .
لكنها ليست حالة خالصة من الرومانسية، إذ تتقاطع معها في أشكال استثنائية نزعاتٌ حسية واضحة، وصارخة أحياناً . ذلك بالتحديد ما يمايز هذه الرومانسية عن رومانسية “أبوللو” الصافية، النموذجية .
يرسي هذه الحالة الرومانسية رصيدٌ لغوي ينتمي إلى الأسلاف الأبوللونيين: الحور، وادي القمر، شبابات الرعيان، آلهة النور، مدن الأحزان، ضفاف القمر، عطر الغاب، الأمل الظليل، بصمات الذكرى، نجم الشوق، أمسياته الملونة، بحيرة القمر، مدى الحقيقة، حلمي الشهيد، شاء الهوى، الأحزان النشوى، لظى الأنفاس، الغيرة العمياء، شرفة وردية، الأجفن الساهرة، مشرقة كالصباح، دمع النهر، هوانا مات، الوحشة السوداء، رحلة الصدى، إلخ .
فهي إذاً لغة “وظيفية” كأداة، بلا قيمة في ذاتها . قانونها هو الوضوح والمباشرة، المستند إلى تحدد الإحساس، والبلورة القَبْلِية للموقف، وتأطير الحلم أو الرغبة .
وهو ما يتجلى بصورة أوضح في القصائد السياسية الاجتماعية التاريخية، المؤسسة على انقسام العالم إلى قياصرة وعبيد، إلى قصور وأكواخ، إلى ملوك وفلاحين، إلى تخمة وجوع . هو الانقسام الحدي القاطع الذي لا حل له “لاَ تَحلُمُوا بِعَالَمٍ سَعيد/ فَخَلفَ كُل قَيصَرٍ يَمُوتُ قَيصَرٌ جَدِيد” . وهي نتيجة أفضت إليها كيفية النظر للعالم في أبدية انقسامه إلى طرفين متقابلين، متضاربين، كالانقسام السابق بين النور والظلمة . ثنائية قطبية متضادة، أبديّاً، أي ميتافيزيقيّاً، لتصبح السكونية هي قدر العالم ومصيره .
رؤية تبدو في القصائد كما لو كانت بديهيةً أو قانوناً طبيعيّاً . لذا، يتم التعبير عنها بأقصر الطرق: المباشرة والتقريرية، بما يليق بالحقائق المقررة . فاللغة هنا توصيلية، كما في القصائد السابقة، أي نثرية أوجِينِي! . . مَن أُوجِينِي؟!/ وَتَزَاحَمَ قَومٌ حَولَ فَقِيهِ القَرْيَة:/ “مَن أُوجِينِي . . يا سَيدَنَا؟”/ فَتَحَمْحَمَ . . ثُم أجَاب:/ أُوجِينِي فَخرُ الكَاثُولِيك!” . فلا حاجة إلى لغة خاصة، متميزة، طالما أن الحقائق المدركة سلفاً مبلورة تماماً، في ما يسبق القصيدة .
ذلك ما يكشف أحد الأسباب الرئيسية في فقر الصورة الشعرية، ونثرية القصيدة، فهذه القصائد الأخيرة مبنية على الأفكار الذهنية، التي يصبح “الشكل الشعري” وسيلة انتقالها من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، بحيث تصبح القصيدة بذلك عمليةً “إجرائية”، أو شكلاً خاصّاً للفكرة .
والانتظام الموسيقي يكتمل باللجوء المبالغ إلى التقفية، الموحدة في المقطع الواحد بشكل متتال أحياناً وتبادلي، أحياناً أخرى، والتقفية المتنوعة نسبيّاً من مقطع إلى آخر، في القصيدة الواحدة، وإن كنا لا نعدم سيادة نمط واحد من التقفية على طول القصيدة، كما لا نعدم القصيدة العمودية ذاتها في الديوان .
ثوابت “العيون الخضر” هي الثوابت الشعرية لأمل دنقل، في رحلته القصيرة . ولهذا، لم يجد هو نفسه غضاضةً في أن يضم إحدى قصائده إلى ديوانه الأول، وأن يضم قصيدتين منه إلى الديوان الثاني، وأن ينشر بعضاً منه في ديوان ثالث لاحق . فهي ثوابته التي لم يتجاوزها، ولم تحدث لديه قطيعة شعرية معها، بأي معنًى أو مستوى، وكأن رحلته دائرية .
ولعل المتغير الأساسي في هذه الرحلة يكمن في “التناسب” بين الهموم الشعرية، لا في الهموم ذاتها، فقد انقلب هذا التناسب المتحقق في “العيون الخضر” بين “الخاص” و”العام” رأساً على عقب، تماماً، ففيما كان “الخاص”/ الذاتي هو الغالب في قصائد المخطوط، جاء “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” انقلاباً لهذا التناسب ونفياً له . تمثل الهزيمة 1967 جذر هذا الانقلاب وحافزه، حيث نفَى الهم “العام” “الخاص”، ودفعه إلى الظل، واكتسب صوت “الرفض” في القصيدة نبرةً سياسيةً اجتماعيةً طاغية، تجد جذورها في القصائد القليلة “العامة” التي يضمها المخطوط القديم، لكنها تتجاوزها في هذا السياق عمقاً ومدى، كأن قصائد المخطوط كانت بحثاً عن “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة”، أو انتظاراً للهزيمة، لبلورة الاختيار المتعثر، والخطوات المترددة .
لكن “الرفض” ذاته قديم لدى أمل دنقل، لكنه في دواوين الهزيمة ارتبط، مباشرةً، بالجرح المفتوح، صارخاً بالسياسي والاجتماعي، تلك الصرخة التي كان ينتظرها الجميع من دون أن يجرؤ أحد على إطلاقها . إنه “الرافض” القديم، “المرفوض” القديم، الخارج على النظام بلا مكان له ولا باب يفتح أمامه طَارِقاً بَابَ المدِينَة/ “افتَحُوا البَاب”/ فَمَا رَد الحَرَس/ “افتَحُوا البَابَ . . أنَا أطلُبُ ظِلا”/ قِيل . .كَلا . فهو المؤهل إذاً بحكم هذه اللاعلاقة، إلى إشهار قطيعته مع النظام الذي لم يفسح له مكاناً، ولم يفتح أمامه باباً، وبحكم العلاقات المجهضة السابقة مع العالم في “العيون الخضر” .
يصبح رفض العالم جوهر القصيدة ووجهها الجلي . وكما في السابق، فأركان العالم واضحة ومحددة بالأبيض والأسود . لا رمادي، أو ظلال بينية . والتناقضات حدية، لا شبهة فيها . واليقين في سلامة الرؤية مطلق، بلا اهتزاز أو شعرة من الشك والمراوغة والإجابات الجاهزة . فهي في جوهرها قصيدة اليقين النهائي، الثابت . وهي في جوهرها “تعليق على ما حدث” في مرحلة انتقالية حرجة، وشهادة دامغة عليه .
ومن أجل أن تتحقق بهذه الصفة، وهذه الفعالية الصارخة، تستعيد القصيدة ثوابتها القديمة: المباشرة، والتقريرية، حتى لو تهددتها النثرية: قُلتُ لَكُم مِرَاراً/ إن الطوَابِيرَ التِي تَمُر في اسْتِعْرَاضِ عِيدِ الفِطْرِ وَالْجَلاَء/ فَتَهْتِفَ النسَاءُ فِي النوَافِذِ انْبِهَارَا/ لاَ تَصْنَعُ انْتِصَارَا، فالقصيدة أداة جذابة لتوصيل الفكرة . وضرورتها تكمن في كفاءة توصيل الفكرة إلى المتلقي، وتحريضه أشْهِرُوا الأسلِحَة!
فهي قصيدة مؤسسة على الفكري، الذهني، وعلى توصيله إلى المتلقي، بلا عناء أو لبس، لحفزه على تبني الموقف القاطع نفسه . والموسيقا أداة لضبط تسلسل هذا “الموقف” من ناحية وأداة لضبط حركة المتلقي داخل القصيدة، وتنظيم توجهه إلى تبني هذا الموقف بسلاسة مباشرة، واستقامة، من ناحية أخرى، تتجلى هذه “الخدمة” الموسيقية في اعتماد أحادية “التفعيلة”، وكثرة التقفية، فأحادية التفعيلة تسوق القارئ سوقاً في مجرى القصيدة، بلا تردد، والتقفية توصد أمامه أبواب الانفلات من المجرى، حيث توصد نهايات الأبيات بقوة زاعقة، وتضبط خطواته المنتظمة في تقدمه خلال القصيدة . أداتان تقليديتان، تنتميان في جذورهما إلى عصر الإنشاد والخطابة، وتمثلان مرتكزين أساسيين في تجربة أمل دنقل الإبداعية، وتضمنان له مسبقاً تواصلاً مع السائد في الذوق الشعري، ذلك السائد الذي تخطته قصيدة الرواد نفسها .
ثوابت عديدة وجهت وحكمت قصيدته، قصيدة مرحلة الهزيمة، منذ أصولها الأولى حتى منتهاها، بلا تساؤل، أو سؤال، أو مغامرة . قصيدة مثقلة بالأزمة، لا ممتلكةً لها، أو مسيطرةً بالوعي والشعور عليها، دون أن تملك القصيدة القدرة على استيعابها شعريّاً، وتجاوزها . فالأزمة/ الهزيمة التاريخية تبدو بذلك كأنها قدر العالم، وجوهره الأبدي وشرط الوجود .
تلك مع ثوابت أخرى أزمة القصيدة .
لعل ذلك ما وجه “الاستلهام التاريخي” إلى لحظات الانكسار التاريخية هزيمة سبارتاكوس، وانحطاط عصر كافور في مصر، وخديعة أبي موسى الأشعري، وانكسار الانتفاضة الطلابية ،1972 وأسطورة العشاء الأخير السابق على الصلب، إلخ . كأن الانكسار والهزيمة القانون الوجودي الثابت، المدعم بوقائع التاريخ . وجود شامل من الإحباط والآمال المحكومة حتميّاً بالإجهاض فَلْتَرفَعُوا عُيُونَكُم لِلثائِرِ المَشْنُوق/ فَسَوفَ تَنْتَهُون مِثْلَه غَداً . وذلك هو جذر “العدمية” الفاشي في رحلته الشعرية .
عدمية مؤسسة على يقين بالفساد الجوهري للعالم، ويقين باستحالة إصلاحه . هي عدمية اليأس من العالم، حيث لا تفضي حركته إلا إلى إعادة إنتاج متكررة للفساد . ذلك يعني ثبات فساد العالم وأبديته لاَ تَحْلُمُوا بِعَالَمٍ سَعِيد/ فَخَلْفَ كُل قَيْصَرٍ يَمُوت قَيْصَرٌ جَدِيد . ذلك هو القانون الذي اعتُمِد منذ الخطوات الأولى حتى الأخيرة .
ثوابت يكشفها المخطوط المكتشف لديوان أول مجهول لأمل دنقل، ويكشف الحلقة المفقودة في تطوره الشعري البدئي، ويضيء الأصول الأولى ل”البكاء . .”، و”التعليق . .”، ويضبط السياق الشعري لشاعرنا الراحل، ويحدد مزيداً من التحديد تخومه وأبعاده .
وتلك هي القيمة الأساسية لاكتشاف المخطوط، الذي لم يُنشر حتى الآن .
“العيون الخضر” . . مخطوط مجهول لأمل دنقُل
http://im4.gulfup.com/2011-07-02/1309601022811.jpg (http://www.gulfup.com/)
صيف ،1992 شهر مايو بالتحديد . . كنت أعمل على قدم وساق على إنجاز ترجمة قصائد جديدة للشاعر الروسي فلاديمير ماياكوفسكي، لإعداد طبعة جديدة مزيدة من ترجمتي السابقة “غيمة في بنطلون . . وقصائد أخرى” . كنت وسط الترجمة، ومنضدة الكتابة مزدحمة بالأوراق والقواميس وثلاثة مجلدات من أعمال الشاعر الروسي، مترجمة إلى الإنجليزية .
في هذا الوقت المزدحم بالتحديد، وقع مخطوط أمل دنقل في يدي . قلت للسيدة عبلة الرويني، أرملة الشاعر، التي جاءت لي بالمخطوط: إنني مشغول هذه الأيام بماياكوفسكي، ولا بد لي من إنهائه أولاً . قالت: لا بأس . . فليس هناك من جديد في المخطوط سوى قصيدتين لم يسبق نشرهما .
بعد حين، وفيما كنت أنهي إعداد كتاب ماياكوفسكي، دفعني الفضول إلى تصفح المخطوط: عنوان عام للمخطوط “العيون الخضر”، وخط منمق، وقصائد سبق أن قرأتها في دواوينه المنشورة، وقصائد غير منشورة . لكن عدد القصائد غير المنشورة يتجاوز بكثير القصيدتين . . لا يقل عن عشر قصائد .
أبلغتها في لقاء تالٍ بالمفاجأة . وسألتها عن تصورها . اتفقنا على إعداد القصائد للنشر، محققةً مدققة، مشفوعة بدراسة شاملة .
بعد أن التقطتُ أنفاسي من العمل مع ماياكوفسكي، أخرجت المخطوط من جديد، وعكفت عليه . لكن الأمور اختلطت، بعد الانتهاء من دراستي، وتراجعت أرملة الشاعر عن فكرة النشر، لأسباب لا تزال مجهولة لدَي، حتى الآن . يمكنني استنتاجها، لكن بلا يقين .
مخطوط “العيون الخُضر” هو اكتشاف شعري، ظل مختبئاً بلا نشر على مر السنوات، لا يدري محبو دنقل عنه شيئاً، ولم يره النقاد المهتمون برصد وتحليل تجربة صاحبه الشعرية اللافتة .
بخط يد أمل دنقل، يضم المخطوط ثلاثاً وثلاثين قصيدة، كتبها في الفترة ما بين 1956 و1962 لكنه نشر منها بنفسه خمس عشرة قصيدة في الدواوين المختلفة له .
فمن بين قصائد المخطوط، ضم أمل دنقل قصيدتين إلى ديوانه الأول “البكاء بين يدَي زرقاء اليمامة” ،1969 هما “كلمات سبارتاكوس الأخيرة”، التي كانت تحمل في المخطوط عنوان “عندما نقول لا: سبارتاكوس”، و”بطاقة كانت هنا”، إضافة إلى ديباجة الديوان: “آه . . ما أقسى الجدار . .” .
أما ديوانه الثاني “تعليق على ما حدث” ،1971 فلم يضم سوى قصيدة واحدة: “حكاية المدينة الفضية”، أولى قصائد المخطوط . ولكن ديوانه الثالث “مقتل القمر” ،1974 ضَم اثنتَي عشرة قصيدة من قصائد المخطوط، هي: “شبيهتها”، و”قالت”، و”أوتوجراف”، و”يا وجهها”، و”العار الذي نتقيه”، و”قلبي والعيون الخُضر”، و”مقتل القمر”، و”إلى ذات العيون الخُضر”، و”شيءٌ يحترق”، و”إليها”، و”ماريا”، و”العينان الخضراوان” .
ولم تدخل قصيدةٌ واحدةٌ من قصائد المخطوط إلى أي ديوان من الدواوين التالية: “العهد الآتي” ،1975 و”أقوال جديدة عن حرب البسوس” ،1983 و”أوراق الغرفة 8” 1983 لكن “الأعمال الكاملة” له، التي صدرت عن مكتبة مدبولي ،1983 ضمت بعد الدواوين المعروفة بعض القصائد التي لم يسبق نشرها تحت عنوان “قصائد متفرقة” . ومن بين هذه القصائد قصيدتان من قصائد المخطوط، هما “مِن أين”، التي نُشرت بعنوان آخر هو “العراف الأعمَى”، و”إلى صديقة دمشقية” .
بذلك، يكون مجموع القصائد المنشورة من المخطوط سبع عشرة قصيدة، من بين ثلاث وثلاثين قصيدة يضمها المخطوط . يتبقى إذاً ست عشرة قصيدة لم يسبق نشرها في أي طبعة من أعماله الشعرية .
هذه القصائد هي “أوجيني”، “المنبَر”، “خمس أغنيات إلى حبيبتي”، “الأفعى”، “الشرفة”، “سأعود”، “إخناتون فوق الكرنك”، “لقاء”، “مرتان”، “قبيل الرحيل”، “الأطفال والخطيئة”، “الحُب الذي وُلد ميتاً”، “الآخرون دائماً”، “مِن بحري”، “أين المسيح”، “عيناك” التي وضع لها في فهرس المخطوط عنواناً آخر، هو “كلماتٌ له” .
والمخطوط مكتوب في “أجندة” سنوية، من تلك التي كانت تصدرها شركة “رومني” للورق، وهي “أجندة” عام ،1961 ذات غلاف بلاستيك أزرق، من القطع الكبير، يبدو أنها في الأصل كانت مهداةً إلى الشاعر، حيث تحمل صفحتها الأولى جملة “أطيب الأماني بالعام السعيد”، موقعةً بشكل غير مقروء، كما يبدو أنه استخدم صفحاتها الأولى في الكتابة، قبل أن يقرر تخصيصها لتجميع قصائده، حيث لا تأتي تواريخ الأيام متسلسلة، بل تفتقر تماماً إلى صفحات يناير/ كانون الثاني، وبعض صفحات فبراير/ شباط، التي انتُزعت من “الأجندة”، قبل استخدامها الشعري .
والورقة التالية من “الأجندة” ورقة الجمعة 3 فبراير، كتب عليها الشاعر كلمة “شعر” بالخط الفارسي أعلى يمين الصفحة . وفي منتصفها، كتب اسمه “م . أمل دنقل” بالخط الرقعة الكبير باللونين الأزرق والأحمر، وفي منتصف أسفل الصفحة، كتب كلمة “الإسكندرية” بالنسخ الصغير، وتحتها السنة “1961” وهي السنة التي بدأ فيها على ما يبدو عملية “النسخ” الأخيرة لقصائد المخطوط .
والورقة التالية ورقة الثلاثاء 7 فبراير تحمل الإهداء العام: “إلى اللاشيء . . لأنني لم أجد شيئاً يستحق أن أهدي إليه كلماتي”، والتوقيع: “أمل دنقل” . والصفحة كلها مكتوبة بالحبر الأحمر . وهو إهداء لافت، إذا ما تذكرنا “الصخب” الثوري والقومي في فترة كتابة المخطوط، ففيما ترتفع الشعارات الرنانة في جميع الأنحاء، يهدي دنقل المخطوط جميعه إلى “اللا شيء”، إلى العدم، لعدم عثوره على ما هو جدير بالإهداء لنا أن نتذكر من باب المقارنة فحسب إن ديوان أحمد عبد المعطي حجازي الأول “مدينة بلا قلب” كان يتضمن قصائد مهداة إلى “الاتحاد الاشتراكي” وإلى عبد الناصر، بما يقارب التأليه، قصائد أزالها من الطبعات التالية الديوان نفسه!
وتضم الورقة التالية ورقة الإثنين 13 فبراير فهرس القصائد الثلاث والعشرين الأولى، في إطار وترقيم متسلسل بالحبر الأزرق . أما عناوين القصائد، فمكتوبة بخط أحمر . وعلى يمين الإطار، كتب بين قوسين: “العالم فوق الشعر/ فليَسمُ الشعر إلى العالم/ أو . ./ فلنصمت . .” . أما الفهرس الكامل، فموجود في الورقة الأخيرة ب “الأجندة” الورقة المخصصة- في الأصل- لتسجيل أرقام الهواتف والمواعيد .
وتحمل الصفحة التالية من المخطوط العنوان الرئيسي “العيون الخُضر” بخط كبير، متأنق ومزخرَف، يملأ الصفحة بصورة أفقية .
ويبدأ المخطوط بقصيدة “حكاية المدينة الفضية”، وينتهي بقصيدة “عيناك”، التي تحمل في الفهرس الأخير اسماً آخر: “كلمات له” .
ولا يضم المخطوط من قصائد عام 1956 سوى قصيدة وحيدة، وقصيدة وحيدة أخرى من عام ،1957 وكذلك بالنسبة لعام ،1958 لكن العام التالي ،1959 يشهد أربع قصائد، وأربعاً أخرى لعام ،1960 وثلاثاً من نتاج عام ،1962 وقصيدة بلا تاريخ . أما عام ،1961 فهو عام الذروة الذي كُتبت خلاله الغالبية العظمى من القصائد: ثماني عشرة قصيدة . وشهور الذروة في هذا العام هي إبريل ومايو وأكتوبر، حيث كُتبت خلال كل منها ثلاث قصائد . وفي كل من مارس ويوليو وسبتمبر، كتبت قصيدتان . وكُتبت قصيدة واحدة خلال يونيو وأغسطس . وتظل هناك قصيدة لا تحمل تاريخ الشهر، واكتُفِي معها بتاريخ العام .
وتتراوح أماكن كتابة القصائد كما أثبتها الشاعر في نهاياتها بين الإسكندرية وقِنَا والقاهرة . وللإسكندرية الرصيد الأكبر من القصائد 14 قصيدة، تليها قِنَا بلدته الأصلية 10 قصائد، فالقاهرة 8 قصائد . وهو ترتيب يتوافق مع هامشية القاهرة خلال تلك الفترة في حياته، حيث كان موزعاً بصورة أساسية بين عمله كموظف في الإسكندرية، وبين علاقاته العائلية في مسقط رأسه .
والكثير من قصائد الحب بالمخطوط مهداة إلى “ع”، وهو اختصار اسم حبيبته في تلك الفترة، في ما يبدو . على أن ذلك لم يمنع من إهداء قصيدتين إلى “س”، التي كتب اسمها الأول كاملاً في إحدى الصفحات “سوسن”، وفضلاً عن ذلك، هناك قصيدة مهداة “إلى من عرفتُها ولم تعرفني”، وأخرى مهداة “إلى الرئيس عبد الناصر . فلولاه . . لخجلتُ أن أكتب هذه الفترة من تاريخنا . لولا . . أن قال كلماته في ميدان المنشية”، و”إلى الصديق أحمد وجدي”، و”إلى الذين يموتون في قريتي بسياط الكلمات، ويلعقون الجراح . . لأن سياطهم مقدسة”، و”إلى صاحبة سهرة 12 مايو 1961”، و”إلى رفيقة الترام المجهولة”، و”إلى التي لم تسمح لي بالدخول، لكي أجفف عرقي . . بعد رحلتها المضنية”، و”إلى البيت الذي شهد المأتم كما شهد العُرس” .
والخَط من بَعد واضح ومقروء تماماً، بل يميل إلى الإتقان والتأنق، خاصةً في البيانات الرئيسية للمخطوط، وعناوين القصائد . والتعديلات نادرة، لكنها واضحةٌ ومحددةٌ بلا لَبس، بما يرجح احتمال أنه كان يكتب النسخة النهائية للمخطوط/ الديوان، فيما يسبق الطباعة، وليست نسخةً تمهيدية، أو أولية . فمسودات قصائده تحفل عادةً بالعديد من أشكال الحذف والتعديل والشطب الحاد، إلى أن يستقر على الصياغة الأخيرة، فيكتبها بخط متأنق، وقد يزخرفها بالأقلام الملونة، على نحو ما فعل في مخطوط “العيون الخُضر” .
وقد وضع أمل دنقل في الفهرسين الأول والأخير إشارات أمام بعض القصائد، تفيد بنشرها في جرائد ومجلات تلك الفترة، وعددها ثماني قصائد موزعة في النشر على جرائد ومجلات “المجلة” و”المساء” و”العالم العربي” و”الأهرام” و”الفكر العربي” . وهناك قصيدة تاسعة وضع أمامها في الفهرس الأول إشارة تفيد بنشرها في “أصوات”/ لندن، ولكنه في الفهرس الأخير شطب الإشارة بعد إثباتها .
الغالبية العظمى من قصائد المخطوط يمكن وصفها بأنها “قصائد حُب” مباشِرة، تؤرخ لوجدان “أمل دنقل” وعلاقاته العاطفية، وتقدم بصورة شعرية رؤيته لعلاقة الرجل بالمرأة، وصورة الحبيبة، والمشاعر الغالبة تجاهها، في اللحظات المختلفة من العلاقة . والحبيبة هنا فتاة محددة لها اسمها، وملامح شخصيتها الخاصة، وعلاقتها المتحولة بالشاعر، لتصلح قصائد الحب رصداً وتأريخاً للعلاقة . إنها سيرة عاطفية، وجدانية، لأمل دنقل، في الفترة من 1956 حتى 1962 .
كان عمره آنذاك يتراوح بين السادسة عشرة والثانية والعشرين، ولم تكن قريته “القلعة”، في محافظة “قِنا” الصعيدية تشبه قرى الدلتا، فالمحافظة التي تقع في جنوب الجنوب المصري، بقدر ما توغل في البُعد عن “القاهرة” العاصمة، توغل في تكثيف ظلمات التقاليد العتيقة، لتبحث فيها عن أمانها وتحققها الاجتماعي، فالقبيلة هي المؤسسة الاجتماعية العليا، لا الدولة . والشرف بمعناه القَبَلي هو القيمة الإنسانية العليا . والعُرف هو القانون الاجتماعي الأعلى . والفرد: مُهدر وضائع تحت سطوة “القَبَلي” الاجتماعي، بلا تحقق خاص .
لكن: ما أهمية قصائد المخطوط المجهول؟
في قصائد المخطوط مجتمعةً يرسي أمل دنقل ما سيصبح، في ما بعد، ثوابته الإبداعية في دواوينه المعروفة، وتوجهات نظرته إلى العالم، وكيفية رؤيته له . وتتكشف مصادر الإلهام والاستلهام، والنموذج الشعري المعاصر المؤثر في تجربته، بقوة . لكن قصائد المخطوط تنطوي في الوقت نفسه على “المتغيرات” التي سينحوها أمل دنقل في مسيرته اللاحقة، أو يقلص منها إلى الحدود الدنيا . والغريب أن بعض هذه “المتغيرات” يمثل “ثوابت” المخطوط .
فقصائد “الحب” تحتل أكثر من نصف مساحة المخطوط، وهو ما فرض نفسه على العنوان العام له، المأخوذ من عنوان إحدى هذه القصائد: “العيون الخضر” . وهي قصائد يغلب عليها الطابع الرومانسي المقرون بحسية مباشرة، حيث “المرأة” في هذه القصائد هي بؤرة العالم ومحركه الأول . هي أميرة الحلم النورانية، ذات العيون الخضر والشعر الكستنائي الغزير، ثوبها “جدَلَته الحُورُ مِن زَهوِ المَطَر”، خُفها “مَجلُوبٌ مِن وَادِي القَمَر” . حبيبةٌ “لَم تُشبِه جَمِيعَ البَشَر”، “عيُونُهَا حَدَائِقُ حَافِلَةٌ بِالصوَر”، و”كلمة” من فمها تجيء بالهوى المسكر، أو هي أميرة الصبا وهو الراعي الصغير، الشاعر الذي يريق تحت شرفتها الغناء، “حتى إذَا ما أشْرَقَ الصبحُ، اختَفَى وَلَم يَبِن” . و”العَينَان الخَضرَاوَان/ مروَحَتَان/ فِي شُباكِ الصيفِ الحَران/ أغنِيَتَان مُسَافِرَتَان/ أبحَرَتَا مِن شَبابَاتِ الرعيَان/ بِعَبِيرِ حَنَان/ بِعَزَاءٍ مِن آلِهَةِ النورِ إلَى مُدُنِ الأحزَان” .
حالة رومانسية تذكر بشعراء “أبوللو” والشابي وأبي ماضي، كأنها هاربة من الماضي الشعري القريب، مناخاً ولغةً وصورة . هو مناخ الحب الأسيان، والعذاب العذب، والمشاعر الناعسة، والعلاقة المحكومة بالإخفاق، بما هي علاقة السماوي المتسامي النبيل بالأرضي المتدني العادي . علاقة تناقض بين النور والظلمة، بين الأبيض الشاهق والأسود الكابي، اللذين جمعتهما المصادفة العابرة في الزمان أو المكان .
يؤكد ذلك ويتولد عنه، إحساس عميق بالاغتراب في هذا العالم، بما يقترب من الشعور الراسخ باللاجدوى: “إنكِ لاَ تَدرِين/ مَعنَى أن يَمشِي الإنسَانُ وَيَمشِي بَحثاً عَن إنْسَانٍ آخَر/ حَتى يَتَآكَلَ فِي قَدَمَيْه النعْل . ./ أمس الأول/ أعلَنتُ اسْتِسْلاَمِي . . وَكَسَرْتُ السيْفَ/ . .وَأخِيراً عُدْت/ أحْمِلُ فِي صَدرِي صَمتَ الطاعَة . . وَرَجِعتُ بِدُونِ كِتَاب/ غَيرَ كِتَابِ المَوتَى” .
لكنها ليست حالة خالصة من الرومانسية، إذ تتقاطع معها في أشكال استثنائية نزعاتٌ حسية واضحة، وصارخة أحياناً . ذلك بالتحديد ما يمايز هذه الرومانسية عن رومانسية “أبوللو” الصافية، النموذجية .
يرسي هذه الحالة الرومانسية رصيدٌ لغوي ينتمي إلى الأسلاف الأبوللونيين: الحور، وادي القمر، شبابات الرعيان، آلهة النور، مدن الأحزان، ضفاف القمر، عطر الغاب، الأمل الظليل، بصمات الذكرى، نجم الشوق، أمسياته الملونة، بحيرة القمر، مدى الحقيقة، حلمي الشهيد، شاء الهوى، الأحزان النشوى، لظى الأنفاس، الغيرة العمياء، شرفة وردية، الأجفن الساهرة، مشرقة كالصباح، دمع النهر، هوانا مات، الوحشة السوداء، رحلة الصدى، إلخ .
فهي إذاً لغة “وظيفية” كأداة، بلا قيمة في ذاتها . قانونها هو الوضوح والمباشرة، المستند إلى تحدد الإحساس، والبلورة القَبْلِية للموقف، وتأطير الحلم أو الرغبة .
وهو ما يتجلى بصورة أوضح في القصائد السياسية الاجتماعية التاريخية، المؤسسة على انقسام العالم إلى قياصرة وعبيد، إلى قصور وأكواخ، إلى ملوك وفلاحين، إلى تخمة وجوع . هو الانقسام الحدي القاطع الذي لا حل له “لاَ تَحلُمُوا بِعَالَمٍ سَعيد/ فَخَلفَ كُل قَيصَرٍ يَمُوتُ قَيصَرٌ جَدِيد” . وهي نتيجة أفضت إليها كيفية النظر للعالم في أبدية انقسامه إلى طرفين متقابلين، متضاربين، كالانقسام السابق بين النور والظلمة . ثنائية قطبية متضادة، أبديّاً، أي ميتافيزيقيّاً، لتصبح السكونية هي قدر العالم ومصيره .
رؤية تبدو في القصائد كما لو كانت بديهيةً أو قانوناً طبيعيّاً . لذا، يتم التعبير عنها بأقصر الطرق: المباشرة والتقريرية، بما يليق بالحقائق المقررة . فاللغة هنا توصيلية، كما في القصائد السابقة، أي نثرية أوجِينِي! . . مَن أُوجِينِي؟!/ وَتَزَاحَمَ قَومٌ حَولَ فَقِيهِ القَرْيَة:/ “مَن أُوجِينِي . . يا سَيدَنَا؟”/ فَتَحَمْحَمَ . . ثُم أجَاب:/ أُوجِينِي فَخرُ الكَاثُولِيك!” . فلا حاجة إلى لغة خاصة، متميزة، طالما أن الحقائق المدركة سلفاً مبلورة تماماً، في ما يسبق القصيدة .
ذلك ما يكشف أحد الأسباب الرئيسية في فقر الصورة الشعرية، ونثرية القصيدة، فهذه القصائد الأخيرة مبنية على الأفكار الذهنية، التي يصبح “الشكل الشعري” وسيلة انتقالها من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، بحيث تصبح القصيدة بذلك عمليةً “إجرائية”، أو شكلاً خاصّاً للفكرة .
والانتظام الموسيقي يكتمل باللجوء المبالغ إلى التقفية، الموحدة في المقطع الواحد بشكل متتال أحياناً وتبادلي، أحياناً أخرى، والتقفية المتنوعة نسبيّاً من مقطع إلى آخر، في القصيدة الواحدة، وإن كنا لا نعدم سيادة نمط واحد من التقفية على طول القصيدة، كما لا نعدم القصيدة العمودية ذاتها في الديوان .
ثوابت “العيون الخضر” هي الثوابت الشعرية لأمل دنقل، في رحلته القصيرة . ولهذا، لم يجد هو نفسه غضاضةً في أن يضم إحدى قصائده إلى ديوانه الأول، وأن يضم قصيدتين منه إلى الديوان الثاني، وأن ينشر بعضاً منه في ديوان ثالث لاحق . فهي ثوابته التي لم يتجاوزها، ولم تحدث لديه قطيعة شعرية معها، بأي معنًى أو مستوى، وكأن رحلته دائرية .
ولعل المتغير الأساسي في هذه الرحلة يكمن في “التناسب” بين الهموم الشعرية، لا في الهموم ذاتها، فقد انقلب هذا التناسب المتحقق في “العيون الخضر” بين “الخاص” و”العام” رأساً على عقب، تماماً، ففيما كان “الخاص”/ الذاتي هو الغالب في قصائد المخطوط، جاء “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” انقلاباً لهذا التناسب ونفياً له . تمثل الهزيمة 1967 جذر هذا الانقلاب وحافزه، حيث نفَى الهم “العام” “الخاص”، ودفعه إلى الظل، واكتسب صوت “الرفض” في القصيدة نبرةً سياسيةً اجتماعيةً طاغية، تجد جذورها في القصائد القليلة “العامة” التي يضمها المخطوط القديم، لكنها تتجاوزها في هذا السياق عمقاً ومدى، كأن قصائد المخطوط كانت بحثاً عن “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة”، أو انتظاراً للهزيمة، لبلورة الاختيار المتعثر، والخطوات المترددة .
لكن “الرفض” ذاته قديم لدى أمل دنقل، لكنه في دواوين الهزيمة ارتبط، مباشرةً، بالجرح المفتوح، صارخاً بالسياسي والاجتماعي، تلك الصرخة التي كان ينتظرها الجميع من دون أن يجرؤ أحد على إطلاقها . إنه “الرافض” القديم، “المرفوض” القديم، الخارج على النظام بلا مكان له ولا باب يفتح أمامه طَارِقاً بَابَ المدِينَة/ “افتَحُوا البَاب”/ فَمَا رَد الحَرَس/ “افتَحُوا البَابَ . . أنَا أطلُبُ ظِلا”/ قِيل . .كَلا . فهو المؤهل إذاً بحكم هذه اللاعلاقة، إلى إشهار قطيعته مع النظام الذي لم يفسح له مكاناً، ولم يفتح أمامه باباً، وبحكم العلاقات المجهضة السابقة مع العالم في “العيون الخضر” .
يصبح رفض العالم جوهر القصيدة ووجهها الجلي . وكما في السابق، فأركان العالم واضحة ومحددة بالأبيض والأسود . لا رمادي، أو ظلال بينية . والتناقضات حدية، لا شبهة فيها . واليقين في سلامة الرؤية مطلق، بلا اهتزاز أو شعرة من الشك والمراوغة والإجابات الجاهزة . فهي في جوهرها قصيدة اليقين النهائي، الثابت . وهي في جوهرها “تعليق على ما حدث” في مرحلة انتقالية حرجة، وشهادة دامغة عليه .
ومن أجل أن تتحقق بهذه الصفة، وهذه الفعالية الصارخة، تستعيد القصيدة ثوابتها القديمة: المباشرة، والتقريرية، حتى لو تهددتها النثرية: قُلتُ لَكُم مِرَاراً/ إن الطوَابِيرَ التِي تَمُر في اسْتِعْرَاضِ عِيدِ الفِطْرِ وَالْجَلاَء/ فَتَهْتِفَ النسَاءُ فِي النوَافِذِ انْبِهَارَا/ لاَ تَصْنَعُ انْتِصَارَا، فالقصيدة أداة جذابة لتوصيل الفكرة . وضرورتها تكمن في كفاءة توصيل الفكرة إلى المتلقي، وتحريضه أشْهِرُوا الأسلِحَة!
فهي قصيدة مؤسسة على الفكري، الذهني، وعلى توصيله إلى المتلقي، بلا عناء أو لبس، لحفزه على تبني الموقف القاطع نفسه . والموسيقا أداة لضبط تسلسل هذا “الموقف” من ناحية وأداة لضبط حركة المتلقي داخل القصيدة، وتنظيم توجهه إلى تبني هذا الموقف بسلاسة مباشرة، واستقامة، من ناحية أخرى، تتجلى هذه “الخدمة” الموسيقية في اعتماد أحادية “التفعيلة”، وكثرة التقفية، فأحادية التفعيلة تسوق القارئ سوقاً في مجرى القصيدة، بلا تردد، والتقفية توصد أمامه أبواب الانفلات من المجرى، حيث توصد نهايات الأبيات بقوة زاعقة، وتضبط خطواته المنتظمة في تقدمه خلال القصيدة . أداتان تقليديتان، تنتميان في جذورهما إلى عصر الإنشاد والخطابة، وتمثلان مرتكزين أساسيين في تجربة أمل دنقل الإبداعية، وتضمنان له مسبقاً تواصلاً مع السائد في الذوق الشعري، ذلك السائد الذي تخطته قصيدة الرواد نفسها .
ثوابت عديدة وجهت وحكمت قصيدته، قصيدة مرحلة الهزيمة، منذ أصولها الأولى حتى منتهاها، بلا تساؤل، أو سؤال، أو مغامرة . قصيدة مثقلة بالأزمة، لا ممتلكةً لها، أو مسيطرةً بالوعي والشعور عليها، دون أن تملك القصيدة القدرة على استيعابها شعريّاً، وتجاوزها . فالأزمة/ الهزيمة التاريخية تبدو بذلك كأنها قدر العالم، وجوهره الأبدي وشرط الوجود .
تلك مع ثوابت أخرى أزمة القصيدة .
لعل ذلك ما وجه “الاستلهام التاريخي” إلى لحظات الانكسار التاريخية هزيمة سبارتاكوس، وانحطاط عصر كافور في مصر، وخديعة أبي موسى الأشعري، وانكسار الانتفاضة الطلابية ،1972 وأسطورة العشاء الأخير السابق على الصلب، إلخ . كأن الانكسار والهزيمة القانون الوجودي الثابت، المدعم بوقائع التاريخ . وجود شامل من الإحباط والآمال المحكومة حتميّاً بالإجهاض فَلْتَرفَعُوا عُيُونَكُم لِلثائِرِ المَشْنُوق/ فَسَوفَ تَنْتَهُون مِثْلَه غَداً . وذلك هو جذر “العدمية” الفاشي في رحلته الشعرية .
عدمية مؤسسة على يقين بالفساد الجوهري للعالم، ويقين باستحالة إصلاحه . هي عدمية اليأس من العالم، حيث لا تفضي حركته إلا إلى إعادة إنتاج متكررة للفساد . ذلك يعني ثبات فساد العالم وأبديته لاَ تَحْلُمُوا بِعَالَمٍ سَعِيد/ فَخَلْفَ كُل قَيْصَرٍ يَمُوت قَيْصَرٌ جَدِيد . ذلك هو القانون الذي اعتُمِد منذ الخطوات الأولى حتى الأخيرة .
ثوابت يكشفها المخطوط المكتشف لديوان أول مجهول لأمل دنقل، ويكشف الحلقة المفقودة في تطوره الشعري البدئي، ويضيء الأصول الأولى ل”البكاء . .”، و”التعليق . .”، ويضبط السياق الشعري لشاعرنا الراحل، ويحدد مزيداً من التحديد تخومه وأبعاده .
وتلك هي القيمة الأساسية لاكتشاف المخطوط، الذي لم يُنشر حتى الآن .