رذاذ عبدالله
15 - 8 - 2011, 04:04 PM
محمد القيسي.. الشاعر الجوال في ذكراه الثامنة
* الدستور الأردنية
http://www.alrams.net/up2/uploads/images/alrams.net-309b138a3a.jpg (http://www.alrams.net/up2/uploads/images/alrams.net-309b138a3a.jpg)
الشاعر الجوال، الذي جعل حياته تخفق مثل "راية في الريح"، من خلال الغناء، والمشاكسة، والحلم، ذلك هو الشاعر محمد القيسي، الذي مرت ذكرى رحيله الثامنة، بصمت خجول، قبل أيام.
على مقربة من مدينة يافا سنة 1944 ولد القيسي، وقد طالته عصى الشتات صغيرا، فترات متراوحة وطويلة، بعد نزوح أهله إلى الضفة الشرقية من نهر الأردن، وعاش، لاحقا، أجواء ومناخات مختلفة، بين السعودية والكويت وليبيا، ليواصل ترحاله وتنقلاته بين بغداد ودمشق وبيروت، حتى استقر، أخيرا، في عمان، رغم أن رائحته ما زالت عابقة في كل مدينة عاشها، على مدى مشواره الحافل بالمدن.
من خلال اشتغاله على تحويل حياته إلى بدايات متجددة، وأسئلة تتوالد في عروقه، استطاع القيسي أن يختلف كثيرا عن جيل الستينيات، في مشهد الشعر العربي، رغم تشابه بداياته ببداياتهم، حيث كانت مجموعته الأولى "راية في الريح - 1968" لبنة من البناء العام للقصيدة الفلسطينية الوطنية، التي غلب عليها العام على حساب الخاص، والخطابية ذات النزعة المسلحة بالأيدلوجيا على التأمل والاستبطان.
كانت الأجواء العامة في نهاية الستينيات وبداية السبعينات، وما رافقها من هزيمة حزيران، وصعود نجم المقاومة الفلسطينية، تعلى من شأن الأطروحات التي تحول الشعر إلى فعل مقاوم، ووسيلة من وسائل التعبئة الجماهيرية، غير أن القيسي قرر أن ينحاز إلى خصوصية التجربة، وسبر أغوار النفس البشرية، على حساب تلك المفاهيم السائدة.
لقد وافق القيسي بين قضية الوطن المستلب من جهة وقضية الشعر بوصفه قيمة جمالية، من خلال مجموعاته التي تلت مرحلة البدايات، من مثل: "إناء لأزهار سارا"، و"منازل في الأفق"، وغيرها من الأعمال اللاحقة، لكي يحول دون أن يتحول الشعر إلى شعارات فارغة من الداخل، أو لافتات للرفض والشجب، حيث جعل من فلسطين رمزا لكل ما هو متعذر الوصول إليه، ولكل ما هو مسجون خلف قضبان، أو أسلاك شائكة، أو خلف جدار، فقد ذهب القيسي لاعتبار أن المقيد لا يمكنه أن يحرر وطنا مقيدا، كما اعتبر اللغة المكبلة غير قادرة على أن تقترح شكلا أو فضاء للحرية.
بات الشعر عند القيسي منهاج حياة، وبابا للمعاينة والمعايشة والكشف، فكانت حياته مزيجا من الفروسية والصعلكة، جاعلا من قصائده أناشيد لا تنتمي لمكان معين، ولا تعدم علاقتها بالمكان، ما رسخ لديه الشعور بأنه في المكان وخارجه، في آن معا.
راية في الريح
أصدر القيسي نحو ثمانية وثلاثين كتاباً إبداعياً، ففي مجال الشعر: راية في الريح – دمشق 1968، خماسيات الموت والحياة – بيروت 1970، رياح عز الدين القسام – بغداد 1974، الحداد يليق بحيفا – بيروت 1975، إناء لأزهار سارا، زعتر لأيامها – بيروت 1979، اشتعالات عبد الله وأيامه – بيروت 1981، كم يلزم من موت لنكون معاً – دمشق 1983، الوقوف في جرش – عمان 1984، منازل في الأفق – دمشق 1985، كتب الفضة – مشتملاً علي الوقوف والمنازل – بغداد 1986، كل ما هنالك – بيروت 1987، الأعمال الشعرية 64-84 – بيروت 1987، عازف الشوارع – عمان 1987، كتاب حمدة – بيروت 1988، مضاء بجمالها ومضاء أنا بحزني – باريس 1990، مجنون عبس – عمان 1991، كل هذا الهاء وكل شفيف – باريس 1992، صداقة الريح – عمان 1993، اذهب لأرى وجهي- (طبعة مزيدة من كل هذا البهاء ) . ناي على أيامنا – بيروت 1996، ماء القلب – فلسطين 1998، مخطوطات الموسيقي الأعمى – بيروت 1999، الأعمال الشعرية – المجلد الأول، الثاني، الثالث، 1999، مخطوط في العشق – مختارات – القاهرة 2000، الايقونات والكونشرتو – بيروت 2001، منمنمات أليسا – بيروت 2002 أما في مجال الكتابة النثرية فقد أصدر القيسي الكتب السردية التالية: أرخبيل المسرات الميتة – عمان 1982، الهواء المقنع – 15 عاماً في الاعتقال الصهيوني – تونس 1986، عائلة المشاة – عمان 1990، الموقد واللهب – حياتي في قصيدة – عمان 1994، كتاب الابن: سيرة الطرد والمكان – بيروت 1997، الدعابة المرة: مقاربات القصيدة، المرأة، المنفى- دمشق 2002، ثلاثية حمدة: كتاب حمدة، كتاب الابن، كتاب أوغاريت – بيروت 1997.
الحديقة السرية وشقيقاتها
أولى روايات القيسي كانت "الحديقة السرية"، وهي مرآة رحيبة عن المثقف الذي يتطلع إلى أن يكون مطلقا، أو أن يكون فيه من المطلق شيء، حيث يضع داخله الأماكن المرئية واللامرئية، ويولج في روحه ما اقتضى من الأزمنة، ليعطف المكان على الزمان، ويحيلهما معا إلى تجربة مطلقة. في "الدعابة المرة" يرى القيسي نفسه في هذا الكتاب وخارجه، كما يقول، ويراه: "كنصوص شفوية عن القصيدة والكتابة والمرأة والمنفى، وعن أماكن التجوال، وأشياء أخرى، هي في أساسيات مكونات حياتي الخاصة ومعناها العميق. كان يمكن الجلوس إلى كتابتها، لكنه ما كان لهذه الكتابة إن تمت، ان تحتشد بمساحة الصدق ودرجات البساطة التي تتكشف عنها المادة الشفوية، ذلك أن الجلوس إلى طاولة الكتابة، يستدعي أدوات صناعتها، بينما الشفوية تنطلق من دفء العفوية والبساطة التي أشار إليها بورخيس. بلى أراه كنصوص شفوية، لا مكتوبة ومنولوجات، يحدث أحياناً أن تتقارب لغة وشجى، بمعنى وقوفها الحر خارج حقل التنظير، أو الأفكار الإقصائية النافية لغيرها. هي لا تنشغل بذلك أو تكرس له جهداً، بل ترتسم كشبابيك أو نوافذ، غير شبابيك ونوافذ القصيدة، وإن كانت محكومة بجدلية هذه الفضاءات، التي تتقاطع ولا تتصادم. وهو في مستوى آخر - إضافة إلى كونه نصوصاً شفوية ومنولوجات - دعابة ما، قد تأخذ هيئة سيرة شفوية لتجربة الكتابة والقصيدة، يرصد القول فيها تحولات هذه الكتابة، وتطور مفهومها، عبر هذا الإمتداد الزمني الطويل نسبياً، وما طال الذات من نضج، ووعي معرفي، هو بالضرورة وراء هذا المنجز الكتابي وأشكاله المتغيرة".
في مجموعته "منمنمات أليسا – 2002" يختزل القيسي تجربة عميقة وثرّة في الحياة والشعر، ويشتغل على تخليق حكمة الغناء، وإطلاق غناء الحكمة؛ إنها تقطير لصفاء التجربة واحتدامها معاً، وارتفاع بحساسية شعرية إلى مصاف البكارة والطبيعة، من خلال عودة إلى الينابيع الأولى، التي أفلتت، في لحظة إعجاز خاطفة، من غبار الآلة وضجيج الثرثرة.
في هذه المنمنمات يغذ القيسي سيره المتفرد نحو أسطرة اليومي، نحو بعث الحياة في العادي واللاممكن، نحو تقييد الفلسفة شعرياً وإطلاق الشعر بحرية الفلسفة، في رهان جمالي لا يتوقف عند حدود إحتمالين متخاصمين، بل يذهب أبعد وأمضى في التماعة السيف في الذاكرة.
كما أصدر القيسي رواية "شرفة في قفص - 2004"، حيث أخذته إلى حانات كثيرة ومطاعم في لندن، وتعرف خلالها على معالم لندن وزواياها، حيث أنفق الليل الطويل لا يتعتعه سكر غير الهوى. وكما يقول عنها: "أخذني إلى بلاط شوارع وحارات من القدس التي لا اعرف، وتطوف بي التلال والأسواق، ويمشي خارج الأسوار وداخلها متحسسا الحجارة والغصات والنبيذ في مطاعم إيطالية أو عربية، قبل أن يجمعه سقفها في حارة يهودية مغلقة تماما عن بني جلدتي".
* الدستور الأردنية
http://www.alrams.net/up2/uploads/images/alrams.net-309b138a3a.jpg (http://www.alrams.net/up2/uploads/images/alrams.net-309b138a3a.jpg)
الشاعر الجوال، الذي جعل حياته تخفق مثل "راية في الريح"، من خلال الغناء، والمشاكسة، والحلم، ذلك هو الشاعر محمد القيسي، الذي مرت ذكرى رحيله الثامنة، بصمت خجول، قبل أيام.
على مقربة من مدينة يافا سنة 1944 ولد القيسي، وقد طالته عصى الشتات صغيرا، فترات متراوحة وطويلة، بعد نزوح أهله إلى الضفة الشرقية من نهر الأردن، وعاش، لاحقا، أجواء ومناخات مختلفة، بين السعودية والكويت وليبيا، ليواصل ترحاله وتنقلاته بين بغداد ودمشق وبيروت، حتى استقر، أخيرا، في عمان، رغم أن رائحته ما زالت عابقة في كل مدينة عاشها، على مدى مشواره الحافل بالمدن.
من خلال اشتغاله على تحويل حياته إلى بدايات متجددة، وأسئلة تتوالد في عروقه، استطاع القيسي أن يختلف كثيرا عن جيل الستينيات، في مشهد الشعر العربي، رغم تشابه بداياته ببداياتهم، حيث كانت مجموعته الأولى "راية في الريح - 1968" لبنة من البناء العام للقصيدة الفلسطينية الوطنية، التي غلب عليها العام على حساب الخاص، والخطابية ذات النزعة المسلحة بالأيدلوجيا على التأمل والاستبطان.
كانت الأجواء العامة في نهاية الستينيات وبداية السبعينات، وما رافقها من هزيمة حزيران، وصعود نجم المقاومة الفلسطينية، تعلى من شأن الأطروحات التي تحول الشعر إلى فعل مقاوم، ووسيلة من وسائل التعبئة الجماهيرية، غير أن القيسي قرر أن ينحاز إلى خصوصية التجربة، وسبر أغوار النفس البشرية، على حساب تلك المفاهيم السائدة.
لقد وافق القيسي بين قضية الوطن المستلب من جهة وقضية الشعر بوصفه قيمة جمالية، من خلال مجموعاته التي تلت مرحلة البدايات، من مثل: "إناء لأزهار سارا"، و"منازل في الأفق"، وغيرها من الأعمال اللاحقة، لكي يحول دون أن يتحول الشعر إلى شعارات فارغة من الداخل، أو لافتات للرفض والشجب، حيث جعل من فلسطين رمزا لكل ما هو متعذر الوصول إليه، ولكل ما هو مسجون خلف قضبان، أو أسلاك شائكة، أو خلف جدار، فقد ذهب القيسي لاعتبار أن المقيد لا يمكنه أن يحرر وطنا مقيدا، كما اعتبر اللغة المكبلة غير قادرة على أن تقترح شكلا أو فضاء للحرية.
بات الشعر عند القيسي منهاج حياة، وبابا للمعاينة والمعايشة والكشف، فكانت حياته مزيجا من الفروسية والصعلكة، جاعلا من قصائده أناشيد لا تنتمي لمكان معين، ولا تعدم علاقتها بالمكان، ما رسخ لديه الشعور بأنه في المكان وخارجه، في آن معا.
راية في الريح
أصدر القيسي نحو ثمانية وثلاثين كتاباً إبداعياً، ففي مجال الشعر: راية في الريح – دمشق 1968، خماسيات الموت والحياة – بيروت 1970، رياح عز الدين القسام – بغداد 1974، الحداد يليق بحيفا – بيروت 1975، إناء لأزهار سارا، زعتر لأيامها – بيروت 1979، اشتعالات عبد الله وأيامه – بيروت 1981، كم يلزم من موت لنكون معاً – دمشق 1983، الوقوف في جرش – عمان 1984، منازل في الأفق – دمشق 1985، كتب الفضة – مشتملاً علي الوقوف والمنازل – بغداد 1986، كل ما هنالك – بيروت 1987، الأعمال الشعرية 64-84 – بيروت 1987، عازف الشوارع – عمان 1987، كتاب حمدة – بيروت 1988، مضاء بجمالها ومضاء أنا بحزني – باريس 1990، مجنون عبس – عمان 1991، كل هذا الهاء وكل شفيف – باريس 1992، صداقة الريح – عمان 1993، اذهب لأرى وجهي- (طبعة مزيدة من كل هذا البهاء ) . ناي على أيامنا – بيروت 1996، ماء القلب – فلسطين 1998، مخطوطات الموسيقي الأعمى – بيروت 1999، الأعمال الشعرية – المجلد الأول، الثاني، الثالث، 1999، مخطوط في العشق – مختارات – القاهرة 2000، الايقونات والكونشرتو – بيروت 2001، منمنمات أليسا – بيروت 2002 أما في مجال الكتابة النثرية فقد أصدر القيسي الكتب السردية التالية: أرخبيل المسرات الميتة – عمان 1982، الهواء المقنع – 15 عاماً في الاعتقال الصهيوني – تونس 1986، عائلة المشاة – عمان 1990، الموقد واللهب – حياتي في قصيدة – عمان 1994، كتاب الابن: سيرة الطرد والمكان – بيروت 1997، الدعابة المرة: مقاربات القصيدة، المرأة، المنفى- دمشق 2002، ثلاثية حمدة: كتاب حمدة، كتاب الابن، كتاب أوغاريت – بيروت 1997.
الحديقة السرية وشقيقاتها
أولى روايات القيسي كانت "الحديقة السرية"، وهي مرآة رحيبة عن المثقف الذي يتطلع إلى أن يكون مطلقا، أو أن يكون فيه من المطلق شيء، حيث يضع داخله الأماكن المرئية واللامرئية، ويولج في روحه ما اقتضى من الأزمنة، ليعطف المكان على الزمان، ويحيلهما معا إلى تجربة مطلقة. في "الدعابة المرة" يرى القيسي نفسه في هذا الكتاب وخارجه، كما يقول، ويراه: "كنصوص شفوية عن القصيدة والكتابة والمرأة والمنفى، وعن أماكن التجوال، وأشياء أخرى، هي في أساسيات مكونات حياتي الخاصة ومعناها العميق. كان يمكن الجلوس إلى كتابتها، لكنه ما كان لهذه الكتابة إن تمت، ان تحتشد بمساحة الصدق ودرجات البساطة التي تتكشف عنها المادة الشفوية، ذلك أن الجلوس إلى طاولة الكتابة، يستدعي أدوات صناعتها، بينما الشفوية تنطلق من دفء العفوية والبساطة التي أشار إليها بورخيس. بلى أراه كنصوص شفوية، لا مكتوبة ومنولوجات، يحدث أحياناً أن تتقارب لغة وشجى، بمعنى وقوفها الحر خارج حقل التنظير، أو الأفكار الإقصائية النافية لغيرها. هي لا تنشغل بذلك أو تكرس له جهداً، بل ترتسم كشبابيك أو نوافذ، غير شبابيك ونوافذ القصيدة، وإن كانت محكومة بجدلية هذه الفضاءات، التي تتقاطع ولا تتصادم. وهو في مستوى آخر - إضافة إلى كونه نصوصاً شفوية ومنولوجات - دعابة ما، قد تأخذ هيئة سيرة شفوية لتجربة الكتابة والقصيدة، يرصد القول فيها تحولات هذه الكتابة، وتطور مفهومها، عبر هذا الإمتداد الزمني الطويل نسبياً، وما طال الذات من نضج، ووعي معرفي، هو بالضرورة وراء هذا المنجز الكتابي وأشكاله المتغيرة".
في مجموعته "منمنمات أليسا – 2002" يختزل القيسي تجربة عميقة وثرّة في الحياة والشعر، ويشتغل على تخليق حكمة الغناء، وإطلاق غناء الحكمة؛ إنها تقطير لصفاء التجربة واحتدامها معاً، وارتفاع بحساسية شعرية إلى مصاف البكارة والطبيعة، من خلال عودة إلى الينابيع الأولى، التي أفلتت، في لحظة إعجاز خاطفة، من غبار الآلة وضجيج الثرثرة.
في هذه المنمنمات يغذ القيسي سيره المتفرد نحو أسطرة اليومي، نحو بعث الحياة في العادي واللاممكن، نحو تقييد الفلسفة شعرياً وإطلاق الشعر بحرية الفلسفة، في رهان جمالي لا يتوقف عند حدود إحتمالين متخاصمين، بل يذهب أبعد وأمضى في التماعة السيف في الذاكرة.
كما أصدر القيسي رواية "شرفة في قفص - 2004"، حيث أخذته إلى حانات كثيرة ومطاعم في لندن، وتعرف خلالها على معالم لندن وزواياها، حيث أنفق الليل الطويل لا يتعتعه سكر غير الهوى. وكما يقول عنها: "أخذني إلى بلاط شوارع وحارات من القدس التي لا اعرف، وتطوف بي التلال والأسواق، ويمشي خارج الأسوار وداخلها متحسسا الحجارة والغصات والنبيذ في مطاعم إيطالية أو عربية، قبل أن يجمعه سقفها في حارة يهودية مغلقة تماما عن بني جلدتي".