رذاذ عبدالله
21 - 8 - 2011, 05:53 AM
ثلاث روايات ومبدع مغترب يحكي وجع العراق
* الدستور الأردنيـــة
http://im9.gulfup.com/2011-08-20/1313891572981.jpg (http://www.gulfup.com/)
مستقبله في الكتابة انبثق من هجرته إلى كندا، ربما كتب بعض القصص القصيرة الناجحة تحت عنوان "مكان لممارسة الحلم" (2003)، وربما كانت ثمة محاولات تتكسر "تحت ظل المطر" (1996) لكن البدايات في السرد والمغامرة واكتشاف الجحيم كان في روايته "تحت سماء الكلاب" (2005)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت؛ ثم المزيد من تأثيث منزل الرواية في عمله الخطير الجرئ الذي لا يضاهى "بوهيميا الخراب" (2009)، منشورات التنوير، بيروت، الرواية التي مزقت الزمن إلى اشلاء، وقالت الكثير عن تأريخ العراق السياسي المعاصر من حروب ونزوات وقسوة وشخوص يقول عنهم: "أي تشابه بينهم وبين الحقيقة محض مصادفة"، لكن العكس يلعب لعبته عندما نرى ونقرأ الأسماء ونعرف كل شيء عنهم، فقد جلسنا معهم، وسافرنا واياهم، أكلنا وشربنا ونمنا وبكينا وحاربنا وربما كان مصيرهم هو نفسه مصيرنا: "كنت شيئا زجاجيا أخاف ان يتحطم". هل يمكن القول: كنا شيئا من الزجاج نخاف أن يتحطم؟
نعم، ثلاث روايات وليس من أحد يكتب عنها، الثالثة ـ "أوراق الزمن الداعر"، (2010) ـ مليئة بالخوف والأخطاء والأساطير والهواجس والجنون، إذا حسبنا عدد صفحاتها مع الرواية الأولى والثانية لحصلنا على أكثر من ألف ومائة صفحة محشوة حتى آخرها بعشرات النساء الخنزيرات والحسناوات والرجال المخبولين والتقاليد المشوهة والعادات الهستيرية والشرطة والجندرمة بأنواعها والسادة والعبيد في كل زمان ومكان من زمكان العراق.
عبد الستار ناصر
أبطال الرواية ينامون ويستيقظون تحت سماء الكلاب، والمؤلف صلاح صلاح يكتب أوراق الزمن الداعر من دون أن يأتي على ذكر اسمه، مع أنه بطل الحكايات جميعها، هو بوهيميا الرعب والخراب، هو الباحث عن مكان لممارسة الحلم، هو الأول والتالي، هو الضاحك الباكي، هو الميت الحي، هو القاتل والمقتول، هو المستلب وهو الظافر، هو الموروث الشعبي على طول الروايات وامتدادها، هو البطل الأوحد، لكن لا أحد يكتب عن تلك الاعمال، بينما (الشللية) تعمل في النهار والليل حتى تضئ مالايستحق الاضاءة وتكتب عن السواد بقوة القصف حتى تبيض جبهته، أعرف نوعا من النقد يباع في وضح التبعثر والصباح وينفخ الكاتب حتى يكون بثقل الدب القطبي!
بوهيميا الخراب تبدأ من مدينة بعقوبة، مدينة العشق والبرتقال والدم، من منارات الجوامع من نغمات الطيور في قرية الغرانيق والعالم السحري، أعني الذي كان سحريا ذات يوم، والذي صار مزبلة وحاوية كبيرة لمشهد مفزع للفضلات وكاتدرائية للرصاص والسرطانات والوحوش البشرية التي تحمل أسماء أصدقاء وأعداء وأبجديات وفانتازيا وتعاويذ، وليس غريباً أن تقرأ أسماء أدباء وصعاليك وشعراء ومهلوسين داخل صندق النفتالين، وقد تقرأ نجوماً في الفن مشطوب عليهم وآخرين ينهضون كما العنقاء بعد أن حكم عليهم بالاعدام وقد يشربون الشاي في مقهى القيامة: "كنت اشعر وقتها أني هش للغاية وعبارة عن حيوان حقير وكريه". أبطال نحبهم وآخرون كما الجنرالات نخاف الاقتراب منهم، كلهم يكتب عنهم صلاح صلاح دون مهابة منهم ولا خوف، حميد المختار ولطفية الدليمي وحسن النواب وعالية ممدوح يأتي بهم إلى الحارات والدرابين والأزقة جنبا إلى جنب مع ابراهيم البهرزي وكولالة نوري وجان دمو وصلاح زنكنة وشوقي كريم ومحمد خضير، ولماذا يخاف اذا كان يكتب عن الساسة والحشاشين وتجار المخدرات والجلادين وباعة السلاح؟
ليست رواية من النوع العابر، إنها مشاعر ونزوع إلى الحرية، كل وأحدة من الروايات الثلاث تحكي عن الانهيار الكبير والهمجية والبحث عن الشهوات الدفينة وأخطاء الآباء والخيانات الجميلة لدى الأمهات، إذ لا أحد معصوم من الخطيئة الكبرى، لاسيما "بوهيميا الخراب"، التي اقتربت من السادية والمازوكية في وقت وأحد، كلاب مسعورة وكيبلات بالبلاستيك وضرب من المساء حتى الصباح، لا فرق بين مذنب وبرئ، المهم أن تعوي في حضرة الجلاد: "لا نجوم، هناك أشياء كالحة، أصوات الطائرات تمزق الدهشة وأنا أتسمر في مكاني كأنما في صلاة عميقة"، ويستمر الكاتب في أسلوبه الطري اللاذع، عشرات الصفحات من اللغة الصادمة كما الخمرة المعتقة: "فحيح الأفاعي يرميني إلى تدفقات الأنهار والفجر واستيلاء هولاكو على منابع الأنهار، أغرق إلى الأبد في لجة من الطين، أغرق في السبخ والملح وحروب الشهوات المخبولة"، ثم يستكين ويهدأ وهو يتذكر حسين مردان وغائب طعمة فرمان ولميعة عباس عمارة وليلى العطار وفؤاد التكرلي ونازك الملائكة ويوسف العاني وحياة شرارة التي انتحرت اعتراضاً على حياة موبؤة بالخيبات والعهر ومطرزة بالفجور والمومياءات والخرفان والتصحر، قتلت نفسها عندما رأت الفراغ هو الحاكم والرعاة هم السادة ولم يعد من شئ غير سقط المتاع والسفلس والشعارات الخالية من أية معنى والتي يرفعها الاقزام لعلهم يزدادون طولاً، الاقزام رافعوا نياشين السلطان في المناسبات الوطنية عسى ولعل وربما يحصلون على فراش من حرير في الجنائن المعلقة أو الجنائز المعلقة، حياة شرارة التي أهدى إلى روحها الرواية طبعاً: "ماتت البارات وماتت الأزاهير وماتت زهرة السوسن والغاردينيا والليلك"، وبعد كل موت يظهر السندباد يأكل الهندباء على بوابات الوطن الهائم المشوش الداكن، بعد كل موت تأتي اللغة مثل بريق الأمومة تخفف المرارة وتعطي الرواية دفقاً طيباً حتى تقول شيئاً كونيا ً وفلسفة مختلفة، يقول: "كنت أعرف أن لطفية الدليمي تعطف علينا، نحن الجيل القذر في معادلة الحياة"، من "بوهيميا الخراب".
والعطف لغة صاعدة في الروايات الثلاث، لا يرفضها الجيل الذي يوصف بالقذارة، جان مو وحسين الصعلوك وشوقي كريم وجمال السوداني وعبد الامير جرص، ثمة متعة واطراء وبعض الرغبة الجنسية، حتى تأخذ حالة العطف مداها في "أوراق الزمن الداعر"، تحكي عن الجيل الروائي الذي خرج من حروب وحصارات وكمية مذهلة من (العطف) وهو جيل الجنون بامتياز وقح جرئ يصعب تفسيره، وصلاح صلاح وأحد من أبرز أبناء هذا الجيل، كان يمكنه أن يمو ت برصاصة بلهاء في الحرب، كان يمكنه أن يقتل على يد وأحد من أبطال الرواية، كان يمكنه أن يشنق نفسه بنفسه، ماالمانع؟ الرواية في آخر المطاف عملية مجنونة يكتبها انسان مجنون، أعني الرواية التي تتناغم مع الروح والجسد وليست الرواية المكتوبة من كلمات وسطور وحروف وفوارز ونقاط ولا شئ سوى ذلك!
على نسق وأحد من هجرته، من بغداد إلى كردستان إلى تركيا إلى كندا، كان يفكر ماذا يفعل مع هذه الشخصيات؟ أبطاله المخابيل في "تحت سماء الكلاب"، الرواية التي تدور أحداثها في شمال العراق، الديانات السرية، طقوس الغرباء، البرد القاتل، الزوجة والاطفال، العرب والتركمان والكرد والمسيحيون والصابئة، إلى نهاية المقابر في دهوك وأربيل والسليمانية، أعني إلى نهاية الرعب الملفوف بقماش أبيض: "لماذا تحجب وجهك وتحسبني عدواً لك؟"
تلك الشخصيات والأماكن في روايات صلاح صلاح كلها هشة وقوية، مدينة الكاظمية وكربلاء وبغداد هشة وقوية، لا تدري لماذا تجتمع القوة مع الهشاشة، فهذا علي السوداني وذاك ضياء سالم وبينهما كريم حسن علو وأحلام منصور وشوقي كريم.. كلهم على جانب من الهشاشة والقوة، مرة متوهجة وأخرى غائمة، مرة نهلستية وأخرى عاشقة متصوفة لا تدري ملامحها من كثرة اختلافها مابين القوة والهشاشة، تحت سماء الكلاب تبدأ بالهشاشة وتنتهي بالقوة، أوراق الزمن الداعر: "انتبه إلى العناوين: الكلاب، الداعر، الخراب"، تبدأ بالقوة وتنتهي بالهشاشة أو العكس، وكذلك مدينة بعقوبة والأعظمية ونينوى وحتى الحروب التي تقصم الظهور وتهشم البيوت والجنود وتحول الوطن إلى أشلاء وأطلال وشظايا، كلها تبدأ هشة وتنتهي في غاية القوة والقسوة والدمار: "حسين الصعلوك كان عبارة عن حشرة ضارة يظهر فجأة ويختفي فجأة، متحجراً مرة، ضعيفاً مرة وقويأً مرة ومفرغاً من الروح تماماً".
الهشاشة والقوة سمة لاذعة في كتابات صلاح صلاح، وهي تعبير يطارد أبطاله مهما بلغت مشاعرهم من رهافة أو سفالة، مهما بلغت الروح من نعومة أو خشونة، وقد أدهشني حقاً كيف أنه لا ينسى أفعال وأسماء ونزوات وأخطاء أبطاله على كثرتهم، بينما قرأت روايات ينسى كاتبها اسم (البطلة)، بعد ثلاثين أو أربعين صفحة من أحداثها، فتراها سلوى بدلاً من سلمى، أو موسى في مكان عيسى، وعلى كثرتهم، أيضاً، لا ينسى صلاح صلاح المذاهب والطوائف والقبائل التي ينتسب إليها أبطاله، فهذا شيعي أو سني أو بهائي وذاك يزيدي أو مسيحي ومعهم صابئي، إلى جانب الأرمني واللآشوري والعبري والكلداني والزرادشتي وما يستوجب على كل وأحد منهم أن يفعله من تقاليد وطقوس ونحر الذبائح وطريقة الملبس وأبجديات المناسبات الدينية وأعيادهم وتواريخها.
نعم، أكثر من الف ومائة صفحة مزحومة بالأحداث والمعلومات والأحزاب والمعارك والحكايات والفصول الزمنية، أعترف أن هذه الروايات تحتاج إلى أكثر من ناقد حتى يسبر أعماقها ويكشف عن ربيعها وصيفها وشتائها وخريفها وأوراقه، حيث يرى في كل ورقة قصة مفتوحة على أبواب قصة مسبوكة أخرى، ولابد للنقد ذات التفاتة حظ أن يعرف ماذا تخبئ تلك الأعمال البعيدة عن الشللية العمياء البغيضة التي ترفع من تشاء دون حق، بالقدر الذي تهبط بالآخر نزولاً إلى أسفل ما تشاء، ومن دون حق، أيضاً.
- تحت سماء الكلاب، المؤسسة العربية للدراسات النشر، بيروت، 2005، منعت من التوزيع في كافة الدول العربية عدا بيروت.
- بوهيميا الخراب، التنوير لطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 2009
- اوراق الزمن الداعر، التنوير لطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 2010
- المؤلف من مواليد بغداد ويعيش في هاملتون، كندا
* الدستور الأردنيـــة
http://im9.gulfup.com/2011-08-20/1313891572981.jpg (http://www.gulfup.com/)
مستقبله في الكتابة انبثق من هجرته إلى كندا، ربما كتب بعض القصص القصيرة الناجحة تحت عنوان "مكان لممارسة الحلم" (2003)، وربما كانت ثمة محاولات تتكسر "تحت ظل المطر" (1996) لكن البدايات في السرد والمغامرة واكتشاف الجحيم كان في روايته "تحت سماء الكلاب" (2005)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت؛ ثم المزيد من تأثيث منزل الرواية في عمله الخطير الجرئ الذي لا يضاهى "بوهيميا الخراب" (2009)، منشورات التنوير، بيروت، الرواية التي مزقت الزمن إلى اشلاء، وقالت الكثير عن تأريخ العراق السياسي المعاصر من حروب ونزوات وقسوة وشخوص يقول عنهم: "أي تشابه بينهم وبين الحقيقة محض مصادفة"، لكن العكس يلعب لعبته عندما نرى ونقرأ الأسماء ونعرف كل شيء عنهم، فقد جلسنا معهم، وسافرنا واياهم، أكلنا وشربنا ونمنا وبكينا وحاربنا وربما كان مصيرهم هو نفسه مصيرنا: "كنت شيئا زجاجيا أخاف ان يتحطم". هل يمكن القول: كنا شيئا من الزجاج نخاف أن يتحطم؟
نعم، ثلاث روايات وليس من أحد يكتب عنها، الثالثة ـ "أوراق الزمن الداعر"، (2010) ـ مليئة بالخوف والأخطاء والأساطير والهواجس والجنون، إذا حسبنا عدد صفحاتها مع الرواية الأولى والثانية لحصلنا على أكثر من ألف ومائة صفحة محشوة حتى آخرها بعشرات النساء الخنزيرات والحسناوات والرجال المخبولين والتقاليد المشوهة والعادات الهستيرية والشرطة والجندرمة بأنواعها والسادة والعبيد في كل زمان ومكان من زمكان العراق.
عبد الستار ناصر
أبطال الرواية ينامون ويستيقظون تحت سماء الكلاب، والمؤلف صلاح صلاح يكتب أوراق الزمن الداعر من دون أن يأتي على ذكر اسمه، مع أنه بطل الحكايات جميعها، هو بوهيميا الرعب والخراب، هو الباحث عن مكان لممارسة الحلم، هو الأول والتالي، هو الضاحك الباكي، هو الميت الحي، هو القاتل والمقتول، هو المستلب وهو الظافر، هو الموروث الشعبي على طول الروايات وامتدادها، هو البطل الأوحد، لكن لا أحد يكتب عن تلك الاعمال، بينما (الشللية) تعمل في النهار والليل حتى تضئ مالايستحق الاضاءة وتكتب عن السواد بقوة القصف حتى تبيض جبهته، أعرف نوعا من النقد يباع في وضح التبعثر والصباح وينفخ الكاتب حتى يكون بثقل الدب القطبي!
بوهيميا الخراب تبدأ من مدينة بعقوبة، مدينة العشق والبرتقال والدم، من منارات الجوامع من نغمات الطيور في قرية الغرانيق والعالم السحري، أعني الذي كان سحريا ذات يوم، والذي صار مزبلة وحاوية كبيرة لمشهد مفزع للفضلات وكاتدرائية للرصاص والسرطانات والوحوش البشرية التي تحمل أسماء أصدقاء وأعداء وأبجديات وفانتازيا وتعاويذ، وليس غريباً أن تقرأ أسماء أدباء وصعاليك وشعراء ومهلوسين داخل صندق النفتالين، وقد تقرأ نجوماً في الفن مشطوب عليهم وآخرين ينهضون كما العنقاء بعد أن حكم عليهم بالاعدام وقد يشربون الشاي في مقهى القيامة: "كنت اشعر وقتها أني هش للغاية وعبارة عن حيوان حقير وكريه". أبطال نحبهم وآخرون كما الجنرالات نخاف الاقتراب منهم، كلهم يكتب عنهم صلاح صلاح دون مهابة منهم ولا خوف، حميد المختار ولطفية الدليمي وحسن النواب وعالية ممدوح يأتي بهم إلى الحارات والدرابين والأزقة جنبا إلى جنب مع ابراهيم البهرزي وكولالة نوري وجان دمو وصلاح زنكنة وشوقي كريم ومحمد خضير، ولماذا يخاف اذا كان يكتب عن الساسة والحشاشين وتجار المخدرات والجلادين وباعة السلاح؟
ليست رواية من النوع العابر، إنها مشاعر ونزوع إلى الحرية، كل وأحدة من الروايات الثلاث تحكي عن الانهيار الكبير والهمجية والبحث عن الشهوات الدفينة وأخطاء الآباء والخيانات الجميلة لدى الأمهات، إذ لا أحد معصوم من الخطيئة الكبرى، لاسيما "بوهيميا الخراب"، التي اقتربت من السادية والمازوكية في وقت وأحد، كلاب مسعورة وكيبلات بالبلاستيك وضرب من المساء حتى الصباح، لا فرق بين مذنب وبرئ، المهم أن تعوي في حضرة الجلاد: "لا نجوم، هناك أشياء كالحة، أصوات الطائرات تمزق الدهشة وأنا أتسمر في مكاني كأنما في صلاة عميقة"، ويستمر الكاتب في أسلوبه الطري اللاذع، عشرات الصفحات من اللغة الصادمة كما الخمرة المعتقة: "فحيح الأفاعي يرميني إلى تدفقات الأنهار والفجر واستيلاء هولاكو على منابع الأنهار، أغرق إلى الأبد في لجة من الطين، أغرق في السبخ والملح وحروب الشهوات المخبولة"، ثم يستكين ويهدأ وهو يتذكر حسين مردان وغائب طعمة فرمان ولميعة عباس عمارة وليلى العطار وفؤاد التكرلي ونازك الملائكة ويوسف العاني وحياة شرارة التي انتحرت اعتراضاً على حياة موبؤة بالخيبات والعهر ومطرزة بالفجور والمومياءات والخرفان والتصحر، قتلت نفسها عندما رأت الفراغ هو الحاكم والرعاة هم السادة ولم يعد من شئ غير سقط المتاع والسفلس والشعارات الخالية من أية معنى والتي يرفعها الاقزام لعلهم يزدادون طولاً، الاقزام رافعوا نياشين السلطان في المناسبات الوطنية عسى ولعل وربما يحصلون على فراش من حرير في الجنائن المعلقة أو الجنائز المعلقة، حياة شرارة التي أهدى إلى روحها الرواية طبعاً: "ماتت البارات وماتت الأزاهير وماتت زهرة السوسن والغاردينيا والليلك"، وبعد كل موت يظهر السندباد يأكل الهندباء على بوابات الوطن الهائم المشوش الداكن، بعد كل موت تأتي اللغة مثل بريق الأمومة تخفف المرارة وتعطي الرواية دفقاً طيباً حتى تقول شيئاً كونيا ً وفلسفة مختلفة، يقول: "كنت أعرف أن لطفية الدليمي تعطف علينا، نحن الجيل القذر في معادلة الحياة"، من "بوهيميا الخراب".
والعطف لغة صاعدة في الروايات الثلاث، لا يرفضها الجيل الذي يوصف بالقذارة، جان مو وحسين الصعلوك وشوقي كريم وجمال السوداني وعبد الامير جرص، ثمة متعة واطراء وبعض الرغبة الجنسية، حتى تأخذ حالة العطف مداها في "أوراق الزمن الداعر"، تحكي عن الجيل الروائي الذي خرج من حروب وحصارات وكمية مذهلة من (العطف) وهو جيل الجنون بامتياز وقح جرئ يصعب تفسيره، وصلاح صلاح وأحد من أبرز أبناء هذا الجيل، كان يمكنه أن يمو ت برصاصة بلهاء في الحرب، كان يمكنه أن يقتل على يد وأحد من أبطال الرواية، كان يمكنه أن يشنق نفسه بنفسه، ماالمانع؟ الرواية في آخر المطاف عملية مجنونة يكتبها انسان مجنون، أعني الرواية التي تتناغم مع الروح والجسد وليست الرواية المكتوبة من كلمات وسطور وحروف وفوارز ونقاط ولا شئ سوى ذلك!
على نسق وأحد من هجرته، من بغداد إلى كردستان إلى تركيا إلى كندا، كان يفكر ماذا يفعل مع هذه الشخصيات؟ أبطاله المخابيل في "تحت سماء الكلاب"، الرواية التي تدور أحداثها في شمال العراق، الديانات السرية، طقوس الغرباء، البرد القاتل، الزوجة والاطفال، العرب والتركمان والكرد والمسيحيون والصابئة، إلى نهاية المقابر في دهوك وأربيل والسليمانية، أعني إلى نهاية الرعب الملفوف بقماش أبيض: "لماذا تحجب وجهك وتحسبني عدواً لك؟"
تلك الشخصيات والأماكن في روايات صلاح صلاح كلها هشة وقوية، مدينة الكاظمية وكربلاء وبغداد هشة وقوية، لا تدري لماذا تجتمع القوة مع الهشاشة، فهذا علي السوداني وذاك ضياء سالم وبينهما كريم حسن علو وأحلام منصور وشوقي كريم.. كلهم على جانب من الهشاشة والقوة، مرة متوهجة وأخرى غائمة، مرة نهلستية وأخرى عاشقة متصوفة لا تدري ملامحها من كثرة اختلافها مابين القوة والهشاشة، تحت سماء الكلاب تبدأ بالهشاشة وتنتهي بالقوة، أوراق الزمن الداعر: "انتبه إلى العناوين: الكلاب، الداعر، الخراب"، تبدأ بالقوة وتنتهي بالهشاشة أو العكس، وكذلك مدينة بعقوبة والأعظمية ونينوى وحتى الحروب التي تقصم الظهور وتهشم البيوت والجنود وتحول الوطن إلى أشلاء وأطلال وشظايا، كلها تبدأ هشة وتنتهي في غاية القوة والقسوة والدمار: "حسين الصعلوك كان عبارة عن حشرة ضارة يظهر فجأة ويختفي فجأة، متحجراً مرة، ضعيفاً مرة وقويأً مرة ومفرغاً من الروح تماماً".
الهشاشة والقوة سمة لاذعة في كتابات صلاح صلاح، وهي تعبير يطارد أبطاله مهما بلغت مشاعرهم من رهافة أو سفالة، مهما بلغت الروح من نعومة أو خشونة، وقد أدهشني حقاً كيف أنه لا ينسى أفعال وأسماء ونزوات وأخطاء أبطاله على كثرتهم، بينما قرأت روايات ينسى كاتبها اسم (البطلة)، بعد ثلاثين أو أربعين صفحة من أحداثها، فتراها سلوى بدلاً من سلمى، أو موسى في مكان عيسى، وعلى كثرتهم، أيضاً، لا ينسى صلاح صلاح المذاهب والطوائف والقبائل التي ينتسب إليها أبطاله، فهذا شيعي أو سني أو بهائي وذاك يزيدي أو مسيحي ومعهم صابئي، إلى جانب الأرمني واللآشوري والعبري والكلداني والزرادشتي وما يستوجب على كل وأحد منهم أن يفعله من تقاليد وطقوس ونحر الذبائح وطريقة الملبس وأبجديات المناسبات الدينية وأعيادهم وتواريخها.
نعم، أكثر من الف ومائة صفحة مزحومة بالأحداث والمعلومات والأحزاب والمعارك والحكايات والفصول الزمنية، أعترف أن هذه الروايات تحتاج إلى أكثر من ناقد حتى يسبر أعماقها ويكشف عن ربيعها وصيفها وشتائها وخريفها وأوراقه، حيث يرى في كل ورقة قصة مفتوحة على أبواب قصة مسبوكة أخرى، ولابد للنقد ذات التفاتة حظ أن يعرف ماذا تخبئ تلك الأعمال البعيدة عن الشللية العمياء البغيضة التي ترفع من تشاء دون حق، بالقدر الذي تهبط بالآخر نزولاً إلى أسفل ما تشاء، ومن دون حق، أيضاً.
- تحت سماء الكلاب، المؤسسة العربية للدراسات النشر، بيروت، 2005، منعت من التوزيع في كافة الدول العربية عدا بيروت.
- بوهيميا الخراب، التنوير لطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 2009
- اوراق الزمن الداعر، التنوير لطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 2010
- المؤلف من مواليد بغداد ويعيش في هاملتون، كندا