المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مائة وخمسون عاما على كتابة 'البؤساء':عودة المخطوطة الأصلية إلى بلجيكا



رذاذ عبدالله
23 - 8 - 2011, 03:07 AM
مائة وخمسون عاما على كتابة 'البؤساء':عودة المخطوطة الأصلية إلى بلجيكا

* القدس العربي



http://im9.gulfup.com/2011-08-22/1314054298101.jpg (http://www.gulfup.com/)




تحتفل مدينة واترلو البلجيكية بمرور مائة وخمسين عاما على انتهاء الكاتب الفرنسي الشهير فيكتور هوغو من كتابة رائعته الخالدة 'البؤساء:'. ويأتي الاحتفال بهذا الحدث الثقافي في سياق متميز تمثل في عودة المخطوطة الأصلية للرواية من موضعها في المكتبة الوطنية الفرنسية وحلولها بفضاء متحف ويلنغتون الواقع في قلب مدينة واترلو الواقعة على بعد عشرين كيلومترا جنوب بروكسيل لفترة تمتد من 30 حزيران/يونيو إلى 30 ايلول/سبتمبر. من عام 2011.

وتتمثل المحطة الرئيسة لهذا الاحتفاء في المعرض الذي يحتضنه متحف ويلنغتون والذي سوف يضم بالإضافة إلى المخطوطة الثمينة عددا وفيرا من الصور واللوحات والمنحوتات وملصقات الأفلام والعروض المسرحية والمقتنيات التي تؤرخ، من جهة، لمقام الشاعر الكبير ببلجيكا، وتسلط الضوء من جهة أخرى على تاريخ تلقي هذا العمل الاستثنائي عبر وسائط مختلف الأشكال التعبيرية.

يحتضن المعرض بالإضافة إلى ذلك مختلف الطبعات الخاصة بالرواية والترجمات الوفيرة التي أنجزت لها بمختلف لغات العالم. يكون في المقدور والحالة هاته أن يعثر المتلقي في هذا المعرض على طبعات صينية ويابانية وعبرية وروسية واسكندنافية وفارسية للرواية. بيد أننا سوف نباغت في هذا الصدد بغياب الترجمة العربية؛ وهو ما يكشف للعيان المنزلة المتردية التي تحظى بها الذات العربية وإسهامها 'الثقافي' في العالم..

يمكن النظر إلى استضافة بلجيكا لمخطوطة البؤساء باعتباره محاولة لتسليط الضوء على محطة رئيسة في تاريخها الحديث. ينبغي التنويه في هذا الخصوص بأن هذا البلد الصغير شكل دائما أرض استقبال للعديد من المنفيين الباحثين عن الحرية والعدالة رغم بعض الفواصل الرديئة التي تمثلت في طرد أو إبعاد بعضهم، ويمكن أن نمثل لذلك بالوجوه البارزة لكومونة باريس. غير أن اللافت في هذا التاريخ الخاص يتمثل في احتضان بلجيكا للعديد من روائع الأدب العالمي؛ بما يستلزمه ذلك من تاريخية الكتابة والنشر والتلقي. يمكننا أن نشير على سبيل التمثيل إلى ديوان 'فصل في الجحيم' للشاعر الفرنسي آرثر رامبو الذي صدر لأول مرة عام 1873 عن دار أليانس تيبوغرافيك ببروكسيل.

غير أن الوجه البارز الذي طبع بحضوره هذا التاريخ يتمثل في الشاعر فيكتور هوغو. ولعل في الخاصية الاستثنائية للرجل الذي كان مثقفا إنسيا ومناهضا بشراسة للاستبداد وتمثيلاته علاوة على الفترة الطويلة التي استغرقها مقامه والتي تربو على العقدين ما يمكن أن يفسر ذلك. كانت للمحطة البلجيكية التي استغرقت أربعة عشر عاما، وتحديدا في الفترة الفاصلة ما بين 1837 و 1871 تأثير دال على تطور المشروع الإبداعي للرجل؛ إذ عمقت من حدة التزامه بمناهضة الاستبداد الذي جسده الإمبراطور لويس نابليون والذي تمثلت آثاره الكارثية في ثورة كومونة باريس، ورسخت وعيه بضرورة ارتباط الأدب بالدفاع عن المهمشين والمنبوذين من لدن الطبقة المهيمنة في المجتمع حسب تعبيره.

ربما في هذا السياق، كانت رواية 'البؤساء' التي شرع في كتابتها عام 1845 والتي اختار لها في البداية عنوان 'كتاب البؤس' تعبيرا جليا عن هذا التحول الرئيس. كانت سيرة الرجل في هذا البلد قد انتهت بطريقة مأساوية بعد تعرضه لهجوم قاده نجل وزير الداخلية البلجيكي كرفين دولدطينهوف على منزله في شارع لي باريكاد على مقربة من لا كران بلاس ببروكسيل وزاد من حدته تأليب الرأي العام ضده إثر رفض السلطات البلجيكية استقبال بعض ثوار كومونة باريس؛ وهو ما حذا بالبرلمان البلجيكي إلى التصويت على قرار بطرده من بلجيكا. وفي 30 ايار/مايو من عام 1871، أصدر الملك ليوبولد الثاني مرسوما يقضي بإبعاد الشاعر الكبير عن التراب البلجيكي وكلف وزير الداخلية بالسهر على إدخاله حيز التنفيذ. وبعد أيام قليلة من صدور هذا المرسوم،غادر هوغو بالفعل بلجيكا في اتجاه الدوقية الكبرى للوكسمبورغ.

كتب فيكتور هوغو بتاريخ30 حزيران/يونيو 1861 كلمة 'نهاية' أسفل المخطوطة، وأضاف إليها التوقيت وهو الثامنة والنصف صباحا. حدث ذلك داخل فضاء فندق لي كولون الذي كان يطل على نصب الأسد والذي وقع اختيار الشاعر عليه لسبب بسيط تمثل في وجوده على مرمى حجر من ميدان معركة واترلو ونصب الاسد. كتب إلى صديقه أوغست فاكري في اليوم ذاته: '...هل تعرف أين قدر لهذا الكتاب أن يستشرف نهايته؟ في الميدان الذي شهد معركة واترلو؛ حيث أوجد منذ أسابيع. لقد وصل بي الأمر حد أن اتخذت لنفسي كهفا قرب نصب الأسد. وفي هذا الميدان، وفي شهر واترلو، خضت معركتي، وأتمنى أن لا أكون قد منيت بالهزيمة' شكل ذلك مفتتح تحول هذه الرواية إلى أسطورة في تاريخ الأدب العالمي. أقام الناشر البلجيكي للرواية حفل استقبال في بروكسيل على شرف فيكتور هوغو بتاريخ 16 ايلول/سبتمبر 1862، حضره ثمانون مدعوا من رجال السياسة والأدب جاءوا من فرنسا وبلجيكا وإنكلترا وإيطاليا وإسبانيا، نذكر من بينهم هيكتور مالو، ثيودور دي بانفيل.، لويس بلان، ورئيس مجلس النواب البلجيكي ديزيري فيرفورت وعمدة بروكسيل أندري فونطيناس، والمصورين الفوتوغرافيين الشهيرين كاجار ونادار. كانت علاقة هوغو بفضاء واترلو شديدة التميز؛ إذ حرص الشاعر منذ معاودته كتابة روايته 'البؤساء' عام 1860 بعد انقطاع دام اثني عشرة سنة على زيارة الفضاء الذي شهد معركة واترلو والتي قضى فيها القائد الإنكليزي ويلينغتون نهائيا على الأطماع التوسعية لنابليون بونابرت. كان راغبا في الحقيقة في إيجاد صلة وصل بين شخصية تينارديي اللص والمحتال وشخصية الكولونيل بونميرسي، وسوف يعثر مع اطراد إقامته في واترلو التي استغرقت شهرين وزيارته إلى الميدان الذي شهد معركتها الحاسمة على مسوغ لهاته العلاقة؛ إذ سوف يتخيل فيكتور هوغو لقاء الشخصيتين في الميدان باعتبارهما محاربين في الجيش الإمبراطوري.

صدرت الرواية بتاريخ 30 آذار/مارس 1862 عن دار النشر البلجيكية فيربوكهوفن آن سي التي يملكها ألبير لاكروا تنفيذا لعقد كان من شروطه أن تكون الطبعة البلجيكية التي قام هوغو بتصحيحها أساسا للطبعة الفرنسية أو 'الوطنية' التي سوف تصدر بعد أيام من ذلك وتحديدا في 2 نيسان/أبريل، وكانت المحصلة صدور الرواية في ثمانية أجزاء بشكل متزامن تقريبا في بلجيكا وفرنسا. حظيت الرواية باستقبال متميز من لدن القراء الذين هرعوا بالمئات إلى المكتبات لاقتناء نسخهم. يمكننا أن نقتصر فيما يهم التلقي النقدي على مقالة الشاعر شارل بودلير في جريدة لوبلوفار بتاريخ 20 نيسان/أبريل 1862 والتي نوه فيها بالجرأة التعبيرية للرواية والخطاب الصريح الذي وجهته إلى المجتمع الفرنسي كي يتخلى عن أنانيته المفرطة. لم يسلم هذا النقد من الحدة التي استشرفت ذروتها في مقالة الكاتب جول باربي دورفيلي المنشورة بجريدة لو بيي والتي انتقدت بشراسة الرواية بالاحتكام إلى المسبقات الأخلاقية الجاهزة بسبب خلخلتها للمؤسسات الاجتماعية القائمة.

لا يمكننا أن نفصل هذا الحدث الثقافي عن السياق السياسي البلجيكي الراهن الذي يتسم باستشراف الصراع بين المجموعة الفلامانية الناطقة بالهولندية والمجموعة الوالونية الناطقة بالفرنسية ذروته. ربما كان هذا الاهتمام بمرور مائة وخمسين عاما على انتهاء فيكتور هوغو من كتابة 'البؤساء' قرينة دالة على رغبة في تحدي النزعة الوطنية الشوفينية الفلامانية التي تدعو إلى استقلال جهة الفلاندر عن بلجيكا. وتكون هذه الاستضافة لمخطوطة البؤساء والحالة هاته تعبيرا عن هذا التوق إلى استعادة الصلات الوثيقة بفرنسا والذي لا تتردد بعض التنظيمات السياسية الوالونية المتشددة إلى إسباغ بعد سياسي عليه بالدعوة إلى إلحاق جهة والونيا بالتراب الفرنسي. وبمعزل عن هذا التأويل، أجدني مشدودا إلى هذا الاهتمام الضافي في السياق الغربي للقيمة الثقافية لعبور الذات المبدعة في المكان؛ بما يستدعيه ذلك من إيلاء الأهمية للآثار المادية التي ترتبت عن ذلك. في هذا السياق، إذن، تمثل استضافة مخطوطة 'البؤساء' دليلا على وعي راسخ داخل المنظومة الثقافية الغربية بضرورة الوصل بين المكان وتاريخه الثقافي؛ وهو ما نفتقر إليه بطريقة مؤسية في ثقافتنا العربية المعطوبة..