رذاذ عبدالله
3 - 9 - 2011, 10:16 PM
بعد إغلاقه لأسباب اقتصادية
مثقفون يطالبون بدعم اتحاد الكتّاب الفلسطينيين
http://im9.gulfup.com/2011-09-03/1315073714421.jpg (http://www.gulfup.com/)
لم تبتعد الحركة الثقافية عن واقع القضية الفلسطينية وظلت تسير معها حيث اتجهت مساراتها، وقد أفرزت هذه القضية حراكاً ثقافياً واسعاً، واكب معظم مراحل الثورة الفلسطينية وما تبعها من نشاط سياسي في سبيل إرجاع الحقوق . وقد برزت في المشهد الفلسطيني أسماء أدبية لم تقل شهرة عن أسماء السياسيين والمقاتلين بل وفاقتهم في أحيان كثيرة، ومن تلك الأسماء عز الدين مناصرة وسميح القاسم وغسان كنفاني وناجي العلي ومحمود درويش وتوفيق زيّاد ومريد البرغوثي وغيرهم الكثير ممن حملوا شعلة الأدب لتضيء الحالة الفلسطنية التي كانت تعاني حشرها في الظلام .
هذا كله يشير إلى أن الثقافة الفلسطينية أنجزت لقضيتها الكثير، ولم تقف على جانب الطريق، لتنظر إليها عن بعد، بل كانت إحدى ركائز الصمود والنضال في المجتمع الفلسطيني، حيث كان للكلمة وقع الرصاصة . ولذلك كان من غير الممكن الفصل بين الثقافة وما يجري على الأرض الفلسطينية من وقائع ومتغيرات . وبعد مضي عقود على ما تواجهه القضية من احتلال وقتل وتهويد، نسمع مؤخراً عن إغلاق الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين بسبب الظروف الاقتصادية التي تحاصر المجتمع الفلسطيني .
يقول الشاعر مراد السوداني الأمين العام للاتحاد ورئيس بيت الشعر الفلسطيني، إن الثقافة الفلسطينية هي رأس الحربة في منازلة النقيض وسياقاته وأدواته، وهي التي حفظت الوعي والذاكرة الفلسطينية من الخلخلة والمحو والتغريب والاستلاب والعدمية، وبالتالي الثقافة الفلسطينية هي آخر ما تبقى لنا بعد سقوط كل شيء، وهي واجبة الوجود في ظل العصف الاحتلالي للأرض المحتلة، وعليه فإن إعلاء المقولة الثقافية بات الهاجس الأهم الذي لا بد من تصليبه والحفاظ عليه من غوائل الاستهداف والفبركة الاحتلالية، ففلسطين غرتها ثقافة المواجهة وأساسها المكين . ويعتقد السوداني أنه لا بد للسياسي الفلسطيني الإدراك، وإن متأخراً، أن الثقافة الفلسطينية هي جوهرنا الأبقى والأنقى، وعليه لابد ومن الواجب أن تمنح الفضاء الواسع والأكيد، ولا بد من تعزيز البنى الثقافية على كافة المستويات ولا بد لدائرة الثقافة والإعلام في منظمة التحرير من إيلاء المؤسسات الثقافية الفلسطينية الأهمية اللازمة . ويؤكد أن الشلل والغياب الذي لحق بدائرة الثقافة والإعلام بعد اوسلو حتى اللحظة أصاب الثقافة الفلسطينية في مقتل، كذلك فإن السلطة الوطنية والحكومة الفلسطينية لم تمنحا الثقافة الفلسطينية اهتماماً يليق بما اجترحه المبدعون الفلسطينيون .
وأضاف السوداني: لا بد للمؤسسات الثقافية العربية والاتحادات والروابط الثقافية وذوي الاختصاص من الانتباه لضرورة دعم الثقافة الفلسطينية لأنها تتعرض في هذه اللحظات تحديدا والقدس حصراً لأشرس هجمة إلغاء احتلالية تجند المليارات لتغييب الوعي الفلسطيني وتفكيكه . وهناك أزمة نشر في فلسطين حيث يمنع دخول أي كتاب للأرض المحتلة وكذلك يمنع خروج الكتب من فلسطين ولا يوجد لدينا دار نشر وتوزيع وطنية، فلو قامت كل دولة عربية بطباعة عدد محدود من الكتب لانكسر الحصار تماما عن الابداع الفلسطيني، وتم تعميمه في بعدنا العربي . وهنا لا بد من شكر وزارة الثقافة الجزائرية التي طبعت مائة كتاب دعما للثقافة الفلسطينية متمنيا استنساخ هذه المبادرة من قبل جامعة الدول العربية ووزارات الثقافة والمؤسسات والمراكز ذات الصلة والاتحادات والروابط الثقافية لتأكيد سياق الدعم لثقافة فلسطين المهددة بالاستهداف .
وقال السوداني إن بيت الشعر الفلسطيني هو الآخر توقفت موازناته بعد رحيل ياسر عرفات، وعانى ولما يزل من مواصلة فعله الثقافي فتوقفت (مجلة الشعراء) و(مجلة أقواس) و(مجلة الاسرى)، ونسعى حالياً لإطلاق هذه المجلات، ورغم ذلك قام بيت الشعر بإطلاق الأعمال الشعرية الناجزة لخالد ابو خالد في ثلاثة مجلدات والأعمال الشعرية لمحمد لافي إضافة لطباعة ما يزيد على عشرين إصدارا للشعراء الفلسطينيين في فلسطين والمنافي وكذلك الشعراء العرب، وإضافة للحراك الثقافي في المناطق الفلسطينية وفي المنافي من أمسيات وفعاليات ثقافية وتكريم للمبدعين وكذلك توثيق إرث المبدعين الراحلين الذين لم تنتبه لهم المؤسسة الرسمية، وقام بيت الشعر عبر دائرة التوثيق والأدب الشعبي بجمع ابداعات ما يزيد على مائة وخمسين زجالا وحداء فلسطينياً في الداخل والخارج بعمل غير مسبوق أشرف عليه الشاعر والباحث نجيب صبري حيث صدر المجلد الأول وستصدر قريباً أربعة مجلدات في ذات السياق حفظا للذاكرة والتراث الذي يتعرض للنهب والتغييب، إضافة لجمع أشعار شاعر الثورة الفلسطينية أبو عرب وكذلك (حسون فلسطين) يوسف الحسون حيث تم جمع تراثه في ثلاثة مجلدات، كما قام بيت الشعر بتكريم العديد من المبدعين الفلسطيينين والعرب في الوطن والمنافي تعزيزا لدور المبدعين وتاكيداً عليه .
وقبل أشهر تم اللقاء بهيئة بيت الشعر في المغرب من أجل دفع الجهود نحو تأسيس بيت الشعر العربي توحيدا لهذه البيوت وتعزيزا لدورها، وتم إنجاز أنطولوجيا الشعر الفلسطيني في جزأين بالتعاون مع بيت الشعر الجزائري الذي أصدر هذه المختارات ونعمل حاليا على إصدار أنطولوجيا للشعر المغربي، بالنسبة للاتحاد العام للكتاب والادباء قمنا باصدار الاعمال الكاملة للشاعر الكبير الراحل يوسف الخطيب في ثلاثة مجلدات إضافة إلى ثلاثة أقراص ليزرية بصوته .
وأشار إلى قيام الاتحاد بطباعة الديوان الجديد للشاعر الكبير علي الخليلي الذي يعكف الاتحاد على إطلاق أعماله الشعرية في ثلاثة مجلدات قريبا، كما قام الاتحاد العام للكتاب بإطلاق جائزة نجمة كنعان لتكريم المبدعين الفلسطينيين في ظل غياب جائزة فلسطين التي توقفت برحيل محمود درويش، وقام اتحاد الكتاب بتوقيع وثيقة تعاون مع اتحاد كتاب المغرب مؤخرا . كما تمت مخاطبة اتحاد كتاب الجزائر ورابطة الكتاب الاردنيين لتوقيع وثيقة تعاون معهما تفكيكا للحصار المضروب على الاتحاد العام للكتاب والادباء الفلسطينيين . وفي ظل إغلاق الاتحاد العام للكتاب والأدباء لعدم دفع أجرة المقر في غزة منذ عام 2005 حتى الان ومقر الضفة والذي لم تسدد أجرة مقره منذ عام ،2009 فإن الاتحاد يواصل دوره ويؤكد أن المقاومة الثقافية الفلسطينية ستظل وستبقى تؤكد على دور المثقف . ويؤكد الاتحاد أنه قطع شوطا في توحيد الثقافة الفلسطينية في الداخل والخارج على شفة الثقافة الواحدة والموحدة بما فيها فلسطين المحتلة العام 48 .
وحول التعاون بين المؤسسات الثقافية العربية قال السوداني إن التعاون مع المؤسسات الثقافية العربية لا يرتقي إلى المستوى المطلوب، حيث هناك تقصير عربي واضح وصارخ في ما يتعلق بدعم الثقافة الفلسطينية، فلا يوجد لدينا دار نشر وتوزيع وطنية، ولا توجد مجلات ثقافية أو فرقة قومية أو مركز للترجمة إضافة إلى غياب الجوائز، هذا الغياب والحصار للثقافة الفلسطينية يتطلب إسهامات عربية دعماً لصمود المثقف الفلسطيني لمواجهة أدوات النهب الاحتلالية . وأضاف “وقعنا ونحاول توقيع وثائق تعاون مع الاتحادات العربية والمؤسسات ذات الصلة ولكن الأمر يحتاج إلى استراتيجية عربية تدعم المؤسسات الثقافية في فلسطين وهذا ما تم بحثه في اجتماع المكتب الدائم للاتحاد العام للادباء والكتاب العرب مع أمين عام جامعة الدول الدول العربية بالقاهرة . فلا يعقل أن يصل الأمر إلى إغلاق الاتحاد العام للكتاب والادباء الفلسطينين في ظل الحصار المضروب على الثقافة الفلسطينية . فالثقافة الفلسطينية جزء من الثقافة العربية وعليه لا بد من إعادة إنتاج المقولة الثقافية بما هو جدير بفلسطين وتضحياتها .
بدوره قال الشاعر يوسف عبدالعزيز “أصِبتُ بالصّدمة، حين سمعت بخبر إغلاق مقرّ الاتّحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين في كلّ من رام الله وغزّة . وفيما مضى كنت أتابع أخبار الكتّاب الفلسطينيين والثقافة الفلسطينية، في (الضّفة الغربية وقطاع غزّة وفلسطين المحتلّة عام 1948)، وكنت أشعر بالأسى لحالة الازدراء التي يتمّ النّظر من خلالها لهذه الثقافة، سواء على مستوى الاهتمام بالكتّاب الفلسطينيين، أو على مستوى بناء الثقافة الفلسطينية ونشرها والتّرويج لها .
ورأى أن هذه الثقافة لا تحظى إلا بالدّرجة الأخيرة من اهتمام المسؤولين الفلسطينيين، لنقل إنّ التعامل معها كان يتمّ باعتبارها نوعاً من الديكور لتجميل حالة الخراب الجاثم على صدر الشعب الفلسطيني، المتمثّل بالحكم الفلسطيني تحت الاحتلال، ولكنّي لم أكن أتوقّع أن يتم اللجوء إلى عزل الثقافة الفلسطينية والسخرية منها على هذه الصورة المتمثّلة بعدم إنفاق أيّة أموال عليها، ممّا أدّى إلى إغلاق مقرّي الاتحاد في رام الله وغزّة، وما جرى يتعدّى في اعتقادي العزل والسخرية السّابقين، وينطوي تحت بند محاربة الثقافة الوطنية الديمقراطية في فلسطين، وأنا أعتقد أنّ السّبب المباشر في هذه الحرب على الثقافة يتمثّل في الدور الخطير الذي تقوم به في فضح المؤامرات التي تحاك ضدّ الشّعب الفلسطيني، وإلا ما معنى أن تقوم انتخابات ديمقراطية للاتحاد العام للكتّاب الفلسطينيين، ويتم اختيار أمانة عامّة ورئيس للاتّحاد، ثمّ يجري إيقاف المخصّصات المالية عن الاتحاد؟ تلك قمّة المهزلة .
وأكد أنه لا يمكن تحت أيّ صورة من الصّور الاستغناء عن الثقافة والأدب في فلسطين، فالثقافة أساس هذه الحياة وشرطها الأهمّ في التّطوّر والدّيمومة . وبغير هذه الثقافة تصبح الجماهير مجرّد قطيع هائم على وجهه في البراري، ويسهل على أعداء الشعب الفلسطيني أن يحوّلوه إلى عبيد في حظيرة “شعب الله المختار” وعودةً إلى الدّور العظيم الذي لعبته الثقافة القومية في فلسطين نجد أنّ الثورات الفلسطينية المتعاقبة ما كان لها أن تشتعل، وتمتدّ في أوساط الشعب الفلسطيني بمعزل عن المثقّفين الفلسطينيين الطّليعيين، وخير مثال على ذلك ثورة الشعب الفلسطيني الحديثة في السّتينيّات حين برز في قيادتها عدد مهمّ من الشعراء والكتّاب الكبار أمثال محمود درويش وغسّان كنفاني وكمال ناصر وعلي فودة ومعين بسيسو وماجد أبو شرار ووائل زعيتر، وغيرهم .
وأشار عبدالعزيز إلى أن الثورة المسلّحة التي لا يدعمها الوعي ولا الثقافة هي مجرّد صيحة في واد، سرعان ما تتلاشى، ولهذا السّبب بالذّات تعمل الصّهيونية جاهدةً على تحطيم روح الشعب الفلسطيني بالحدّ من التّعليم وتوجيه الشباب نحو أعمال السّخرة في المستعمرات الصهيونية، وحصار الجامعات وإغلاقها، كما تعمد إلى اعتقال المثقّفين الفلسطينيين ومطاردتهم ومنع كتبهم من النشر والتوزيع . ولن ننسى أنّها قامت بدم بارد بتصفية عدد كبير من كبار الكتّاب الفلسطينيين وعلى رأسهم الروائي غسّان كنفاني .
ورأى عبدالعزيز أن من أجل مستقبل الأجيال القادمة، ومن أجل إنقاذ الأرض والإنسان والثقافة لا بدّ من إشعال الثورة الجديدة، والتّخلّص من كلّ ذلك العفن الذي يطغى على المشهد، والبدء من جديد . وأعتقد أنّ الشعب الفلسطيني سوف يستعيد زمام المبادرة في القريب العاجل، وسوف ينطلق مرّةً أخرى لينزع بيت العنكبوت الصهيوني، ويتخلّص إلى أبد الإبدين من شُذّاذ الآفاق هؤلاء الذين عاثوا في الأرض فساداً . مثل هذه اللحظة تقترب، وقد عجّلت بها الثورات العربية التي انطلقت في كلّ مكان في الوطن العربي الكبير، ولقد تعاظم نهر الثورة العربية وتعاظمت الروافد التي تصبّ فيه، وعمّا قريب سيلقي هذا النهر العظيم بحممه وبراكينه في قلب فلسطين، ولن يكون هناك مفرّ من تحرير فلسطين وتطهيرها من الدّنس الصّهيوني .
وعن تعاون المؤسسات قال عبدالعزيز “انطلقت رياح الثورة في كلّ مكان في العالم العربي، فيما المثقّفون العرب كانوا غائبين، وفيما مؤسّساتهم كانت مشغولة بالثرثرات والندوات التي لا طائل وراءها . لقد كانوا طوال الفترة الماضية مسلوبي الإرادة، وقد كانوا معنيين بكلّ ما يجمّل صورة الفرعون الأوحد الذي كان يحكم شعوبهم بالنار والحديد، وكان يرمي لهم بالفتات من مائدته العامرة . لقد فشلت الثقافة الرسمية والمعارِضة معاً ومؤسّساتهما، اللتان هما وجهان لعملة واحدة، في العمل على تحقيق أيّ شيء من طموح الإنسان العربي في التحرّر والوحدة والديمقراطية والتّقدّم . ونحن الآن نعيش في زمن اسمه زمن الثّورة العربية . لقد شهدنا الزلزال المنتظر، ولا بدّ أن يمتدّ هذا الزلزال في كلّ اتّجاه، ويتعمّق حتى يطال كلّ شيء، ومن أوائل الأشياء التي لا بدّ لها أن تنهار لتتخلّق ثانيةً بروح وفهم جديدين هي الثقافة العربية ودورها ومؤسّساتها .
وقال الشاعر عبدالسلام عطاري إن موضوع إغلاق الاتحاد يعني أن ثمة خللاً في جهاز البلاد الفكري، وثمة علة تستشري في وعيها، للأسف الشديد أن نصل إلى هذه الحالة من دون أن يهز قرار إغلاق الاتحاد لمقراته شعرة أو رمش المستويين السياسي والثقافي، فهذه مأساة، بلاد بلا قلعة تحصن وعي أجيالها هي بلاد ستبقى تحت وطأت البؤس وعرضة للتهشيم، فمن الأولى أن تعي الحكومة والمؤسسة الرسمية دور الاتحاد التاريخي واليومي ودوره في الحفاظ على الهوية والتاريخ والحكاية، ومن الأجدر أن يتم الانفاق بسخاء لا بتجفيف منابع الاتحاد وحصاره ومحاربته، في اللحظة التي نطالع كيف يتم دعم الاتحادات والروابط الثقافية في الوطن العربي في ذات اللحظة التي تغلق بها مقرات قائد الحراك الثقافي العربي التاريخي اتحاد الكتاب الفلسطينيين .
وبين عطاري أن الحالة الفلسطينية لم تبق لها غير جبهة الثقافة والمثقفين بعد ما وصلت إليه الجبهات الأخرى من حالة سبات، تراجع، موات سمها ما شئت . وهي الحالة التي نحاول أن نبقى خلفها ونتسمر من أجل البقاء والحفاظ على هويتنا الوطنية والقومية رغم ما ينهش بها، وما يحاول أن يقوم به البعض خدمة لأجندتهم الشخصية .
وعن إمكانية إعادة الدعم المتواصل للثقافة قال إن هذا الأمر يتعلق برسم السياسي والمثقف معاً، السياسي عليه أن يؤمن بأن المثقف بوصلته ودربته ووعيه وعقله الذي يستنير به وعليه أيضا أن يوفّر أسس مقومات الإبداع من البنية التحية والخدماتية التي تقي المثقف المبدع حالة الاستعطاء والاسترضاء، وتأمين فضاءات الابداع حتى يكتمل المشهد الواعي للثقافة الوطينة الفلسطينية، وأما في ما يتعلق بالمثقف فهو مطالب بالكف عن حالة التذمر والخروج منها وعليه أن يبحث عن مهبط لرؤيته النقدية حتى تستقيم ويبنى عليها وترفع وترتفع بالحياة وشأنها اليومي وأن يأخذ دوره ومكانته فلا أحد يمنح أحد مكانه فنحن في زمن الاستيلاء والاجتياحات والتغيير، نحن في زمن الشعب يريد، رغم أن هذا الشعار هو شعار شعبنا التاريخي وحركته الوطنية التي قادت على مر العقود حركة التغيير في الوطن العربي .
أما الشاعر صلاح أبولاوي فرأى أن الثقافة الوجه الحضاري للمجتمعات وكلما ازدهر المجتمع ازدهرت الحركة الثقافية فيه، وبالتالي فهي تعبير مباشر ومرآة للزمن تنقل الحدث كما عاشه أهله سلبا وإيجابا ، ولذلك فإن ما حدث للاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين هو نتيجة لما وصلت إليه الحالة الفلسطينية من انهيار معنوي وإنساني وحضاري في الوقت الذي تمور فيه الأرض من حولها مطالبة بالتغيير، وحول السؤال عن إمكانية الاستغناء عن الثقافة في الحياة الفلسطينية، قال أبو لاوي يمكن إحالة أي أحد إلى روح شاعرنا الكبير محمود درويش الذي استطاع بالشعر أن يجعل القضية الفلسطينية قضية عالمية مهدت الطريق لانطلاق السياسي الفلسطيني ليجلس إلى جانب أقرانه من الدبلوماسيين في العالم أجمع، بغض النظر عن رأيي الشخصي بهذا السياسي الذي لم يعرف كيف يدافع عن قضيته ووطنه بل وفرط فيهما للأسف الشديد، فلا يمكن لأي أمة أن تتقدم إلا بوجود أدباء ومبدعين فيها يرفعونها على أجنحة إبداعاتهم ويرقون بها إلى مصاف الأمم المتحضرة، واعتبر أبو لاوي أنه بالثورة وحدها ثقافيا واجتماعيا يمكن الخروج من عنق زجاجة السياسي المعتم وكسر حواجزه التي يحاول من خلالها تطويع المثقف وتحويله إلى ردّاح أو بهلوان ينفذ أوامره . ولأننا نحن الفلسطينيين أبناء الأرض التي حملت رسالات السماء على مرّ العصور .
مثقفون يطالبون بدعم اتحاد الكتّاب الفلسطينيين
http://im9.gulfup.com/2011-09-03/1315073714421.jpg (http://www.gulfup.com/)
لم تبتعد الحركة الثقافية عن واقع القضية الفلسطينية وظلت تسير معها حيث اتجهت مساراتها، وقد أفرزت هذه القضية حراكاً ثقافياً واسعاً، واكب معظم مراحل الثورة الفلسطينية وما تبعها من نشاط سياسي في سبيل إرجاع الحقوق . وقد برزت في المشهد الفلسطيني أسماء أدبية لم تقل شهرة عن أسماء السياسيين والمقاتلين بل وفاقتهم في أحيان كثيرة، ومن تلك الأسماء عز الدين مناصرة وسميح القاسم وغسان كنفاني وناجي العلي ومحمود درويش وتوفيق زيّاد ومريد البرغوثي وغيرهم الكثير ممن حملوا شعلة الأدب لتضيء الحالة الفلسطنية التي كانت تعاني حشرها في الظلام .
هذا كله يشير إلى أن الثقافة الفلسطينية أنجزت لقضيتها الكثير، ولم تقف على جانب الطريق، لتنظر إليها عن بعد، بل كانت إحدى ركائز الصمود والنضال في المجتمع الفلسطيني، حيث كان للكلمة وقع الرصاصة . ولذلك كان من غير الممكن الفصل بين الثقافة وما يجري على الأرض الفلسطينية من وقائع ومتغيرات . وبعد مضي عقود على ما تواجهه القضية من احتلال وقتل وتهويد، نسمع مؤخراً عن إغلاق الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين بسبب الظروف الاقتصادية التي تحاصر المجتمع الفلسطيني .
يقول الشاعر مراد السوداني الأمين العام للاتحاد ورئيس بيت الشعر الفلسطيني، إن الثقافة الفلسطينية هي رأس الحربة في منازلة النقيض وسياقاته وأدواته، وهي التي حفظت الوعي والذاكرة الفلسطينية من الخلخلة والمحو والتغريب والاستلاب والعدمية، وبالتالي الثقافة الفلسطينية هي آخر ما تبقى لنا بعد سقوط كل شيء، وهي واجبة الوجود في ظل العصف الاحتلالي للأرض المحتلة، وعليه فإن إعلاء المقولة الثقافية بات الهاجس الأهم الذي لا بد من تصليبه والحفاظ عليه من غوائل الاستهداف والفبركة الاحتلالية، ففلسطين غرتها ثقافة المواجهة وأساسها المكين . ويعتقد السوداني أنه لا بد للسياسي الفلسطيني الإدراك، وإن متأخراً، أن الثقافة الفلسطينية هي جوهرنا الأبقى والأنقى، وعليه لابد ومن الواجب أن تمنح الفضاء الواسع والأكيد، ولا بد من تعزيز البنى الثقافية على كافة المستويات ولا بد لدائرة الثقافة والإعلام في منظمة التحرير من إيلاء المؤسسات الثقافية الفلسطينية الأهمية اللازمة . ويؤكد أن الشلل والغياب الذي لحق بدائرة الثقافة والإعلام بعد اوسلو حتى اللحظة أصاب الثقافة الفلسطينية في مقتل، كذلك فإن السلطة الوطنية والحكومة الفلسطينية لم تمنحا الثقافة الفلسطينية اهتماماً يليق بما اجترحه المبدعون الفلسطينيون .
وأضاف السوداني: لا بد للمؤسسات الثقافية العربية والاتحادات والروابط الثقافية وذوي الاختصاص من الانتباه لضرورة دعم الثقافة الفلسطينية لأنها تتعرض في هذه اللحظات تحديدا والقدس حصراً لأشرس هجمة إلغاء احتلالية تجند المليارات لتغييب الوعي الفلسطيني وتفكيكه . وهناك أزمة نشر في فلسطين حيث يمنع دخول أي كتاب للأرض المحتلة وكذلك يمنع خروج الكتب من فلسطين ولا يوجد لدينا دار نشر وتوزيع وطنية، فلو قامت كل دولة عربية بطباعة عدد محدود من الكتب لانكسر الحصار تماما عن الابداع الفلسطيني، وتم تعميمه في بعدنا العربي . وهنا لا بد من شكر وزارة الثقافة الجزائرية التي طبعت مائة كتاب دعما للثقافة الفلسطينية متمنيا استنساخ هذه المبادرة من قبل جامعة الدول العربية ووزارات الثقافة والمؤسسات والمراكز ذات الصلة والاتحادات والروابط الثقافية لتأكيد سياق الدعم لثقافة فلسطين المهددة بالاستهداف .
وقال السوداني إن بيت الشعر الفلسطيني هو الآخر توقفت موازناته بعد رحيل ياسر عرفات، وعانى ولما يزل من مواصلة فعله الثقافي فتوقفت (مجلة الشعراء) و(مجلة أقواس) و(مجلة الاسرى)، ونسعى حالياً لإطلاق هذه المجلات، ورغم ذلك قام بيت الشعر بإطلاق الأعمال الشعرية الناجزة لخالد ابو خالد في ثلاثة مجلدات والأعمال الشعرية لمحمد لافي إضافة لطباعة ما يزيد على عشرين إصدارا للشعراء الفلسطينيين في فلسطين والمنافي وكذلك الشعراء العرب، وإضافة للحراك الثقافي في المناطق الفلسطينية وفي المنافي من أمسيات وفعاليات ثقافية وتكريم للمبدعين وكذلك توثيق إرث المبدعين الراحلين الذين لم تنتبه لهم المؤسسة الرسمية، وقام بيت الشعر عبر دائرة التوثيق والأدب الشعبي بجمع ابداعات ما يزيد على مائة وخمسين زجالا وحداء فلسطينياً في الداخل والخارج بعمل غير مسبوق أشرف عليه الشاعر والباحث نجيب صبري حيث صدر المجلد الأول وستصدر قريباً أربعة مجلدات في ذات السياق حفظا للذاكرة والتراث الذي يتعرض للنهب والتغييب، إضافة لجمع أشعار شاعر الثورة الفلسطينية أبو عرب وكذلك (حسون فلسطين) يوسف الحسون حيث تم جمع تراثه في ثلاثة مجلدات، كما قام بيت الشعر بتكريم العديد من المبدعين الفلسطيينين والعرب في الوطن والمنافي تعزيزا لدور المبدعين وتاكيداً عليه .
وقبل أشهر تم اللقاء بهيئة بيت الشعر في المغرب من أجل دفع الجهود نحو تأسيس بيت الشعر العربي توحيدا لهذه البيوت وتعزيزا لدورها، وتم إنجاز أنطولوجيا الشعر الفلسطيني في جزأين بالتعاون مع بيت الشعر الجزائري الذي أصدر هذه المختارات ونعمل حاليا على إصدار أنطولوجيا للشعر المغربي، بالنسبة للاتحاد العام للكتاب والادباء قمنا باصدار الاعمال الكاملة للشاعر الكبير الراحل يوسف الخطيب في ثلاثة مجلدات إضافة إلى ثلاثة أقراص ليزرية بصوته .
وأشار إلى قيام الاتحاد بطباعة الديوان الجديد للشاعر الكبير علي الخليلي الذي يعكف الاتحاد على إطلاق أعماله الشعرية في ثلاثة مجلدات قريبا، كما قام الاتحاد العام للكتاب بإطلاق جائزة نجمة كنعان لتكريم المبدعين الفلسطينيين في ظل غياب جائزة فلسطين التي توقفت برحيل محمود درويش، وقام اتحاد الكتاب بتوقيع وثيقة تعاون مع اتحاد كتاب المغرب مؤخرا . كما تمت مخاطبة اتحاد كتاب الجزائر ورابطة الكتاب الاردنيين لتوقيع وثيقة تعاون معهما تفكيكا للحصار المضروب على الاتحاد العام للكتاب والادباء الفلسطينيين . وفي ظل إغلاق الاتحاد العام للكتاب والأدباء لعدم دفع أجرة المقر في غزة منذ عام 2005 حتى الان ومقر الضفة والذي لم تسدد أجرة مقره منذ عام ،2009 فإن الاتحاد يواصل دوره ويؤكد أن المقاومة الثقافية الفلسطينية ستظل وستبقى تؤكد على دور المثقف . ويؤكد الاتحاد أنه قطع شوطا في توحيد الثقافة الفلسطينية في الداخل والخارج على شفة الثقافة الواحدة والموحدة بما فيها فلسطين المحتلة العام 48 .
وحول التعاون بين المؤسسات الثقافية العربية قال السوداني إن التعاون مع المؤسسات الثقافية العربية لا يرتقي إلى المستوى المطلوب، حيث هناك تقصير عربي واضح وصارخ في ما يتعلق بدعم الثقافة الفلسطينية، فلا يوجد لدينا دار نشر وتوزيع وطنية، ولا توجد مجلات ثقافية أو فرقة قومية أو مركز للترجمة إضافة إلى غياب الجوائز، هذا الغياب والحصار للثقافة الفلسطينية يتطلب إسهامات عربية دعماً لصمود المثقف الفلسطيني لمواجهة أدوات النهب الاحتلالية . وأضاف “وقعنا ونحاول توقيع وثائق تعاون مع الاتحادات العربية والمؤسسات ذات الصلة ولكن الأمر يحتاج إلى استراتيجية عربية تدعم المؤسسات الثقافية في فلسطين وهذا ما تم بحثه في اجتماع المكتب الدائم للاتحاد العام للادباء والكتاب العرب مع أمين عام جامعة الدول الدول العربية بالقاهرة . فلا يعقل أن يصل الأمر إلى إغلاق الاتحاد العام للكتاب والادباء الفلسطينين في ظل الحصار المضروب على الثقافة الفلسطينية . فالثقافة الفلسطينية جزء من الثقافة العربية وعليه لا بد من إعادة إنتاج المقولة الثقافية بما هو جدير بفلسطين وتضحياتها .
بدوره قال الشاعر يوسف عبدالعزيز “أصِبتُ بالصّدمة، حين سمعت بخبر إغلاق مقرّ الاتّحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين في كلّ من رام الله وغزّة . وفيما مضى كنت أتابع أخبار الكتّاب الفلسطينيين والثقافة الفلسطينية، في (الضّفة الغربية وقطاع غزّة وفلسطين المحتلّة عام 1948)، وكنت أشعر بالأسى لحالة الازدراء التي يتمّ النّظر من خلالها لهذه الثقافة، سواء على مستوى الاهتمام بالكتّاب الفلسطينيين، أو على مستوى بناء الثقافة الفلسطينية ونشرها والتّرويج لها .
ورأى أن هذه الثقافة لا تحظى إلا بالدّرجة الأخيرة من اهتمام المسؤولين الفلسطينيين، لنقل إنّ التعامل معها كان يتمّ باعتبارها نوعاً من الديكور لتجميل حالة الخراب الجاثم على صدر الشعب الفلسطيني، المتمثّل بالحكم الفلسطيني تحت الاحتلال، ولكنّي لم أكن أتوقّع أن يتم اللجوء إلى عزل الثقافة الفلسطينية والسخرية منها على هذه الصورة المتمثّلة بعدم إنفاق أيّة أموال عليها، ممّا أدّى إلى إغلاق مقرّي الاتحاد في رام الله وغزّة، وما جرى يتعدّى في اعتقادي العزل والسخرية السّابقين، وينطوي تحت بند محاربة الثقافة الوطنية الديمقراطية في فلسطين، وأنا أعتقد أنّ السّبب المباشر في هذه الحرب على الثقافة يتمثّل في الدور الخطير الذي تقوم به في فضح المؤامرات التي تحاك ضدّ الشّعب الفلسطيني، وإلا ما معنى أن تقوم انتخابات ديمقراطية للاتحاد العام للكتّاب الفلسطينيين، ويتم اختيار أمانة عامّة ورئيس للاتّحاد، ثمّ يجري إيقاف المخصّصات المالية عن الاتحاد؟ تلك قمّة المهزلة .
وأكد أنه لا يمكن تحت أيّ صورة من الصّور الاستغناء عن الثقافة والأدب في فلسطين، فالثقافة أساس هذه الحياة وشرطها الأهمّ في التّطوّر والدّيمومة . وبغير هذه الثقافة تصبح الجماهير مجرّد قطيع هائم على وجهه في البراري، ويسهل على أعداء الشعب الفلسطيني أن يحوّلوه إلى عبيد في حظيرة “شعب الله المختار” وعودةً إلى الدّور العظيم الذي لعبته الثقافة القومية في فلسطين نجد أنّ الثورات الفلسطينية المتعاقبة ما كان لها أن تشتعل، وتمتدّ في أوساط الشعب الفلسطيني بمعزل عن المثقّفين الفلسطينيين الطّليعيين، وخير مثال على ذلك ثورة الشعب الفلسطيني الحديثة في السّتينيّات حين برز في قيادتها عدد مهمّ من الشعراء والكتّاب الكبار أمثال محمود درويش وغسّان كنفاني وكمال ناصر وعلي فودة ومعين بسيسو وماجد أبو شرار ووائل زعيتر، وغيرهم .
وأشار عبدالعزيز إلى أن الثورة المسلّحة التي لا يدعمها الوعي ولا الثقافة هي مجرّد صيحة في واد، سرعان ما تتلاشى، ولهذا السّبب بالذّات تعمل الصّهيونية جاهدةً على تحطيم روح الشعب الفلسطيني بالحدّ من التّعليم وتوجيه الشباب نحو أعمال السّخرة في المستعمرات الصهيونية، وحصار الجامعات وإغلاقها، كما تعمد إلى اعتقال المثقّفين الفلسطينيين ومطاردتهم ومنع كتبهم من النشر والتوزيع . ولن ننسى أنّها قامت بدم بارد بتصفية عدد كبير من كبار الكتّاب الفلسطينيين وعلى رأسهم الروائي غسّان كنفاني .
ورأى عبدالعزيز أن من أجل مستقبل الأجيال القادمة، ومن أجل إنقاذ الأرض والإنسان والثقافة لا بدّ من إشعال الثورة الجديدة، والتّخلّص من كلّ ذلك العفن الذي يطغى على المشهد، والبدء من جديد . وأعتقد أنّ الشعب الفلسطيني سوف يستعيد زمام المبادرة في القريب العاجل، وسوف ينطلق مرّةً أخرى لينزع بيت العنكبوت الصهيوني، ويتخلّص إلى أبد الإبدين من شُذّاذ الآفاق هؤلاء الذين عاثوا في الأرض فساداً . مثل هذه اللحظة تقترب، وقد عجّلت بها الثورات العربية التي انطلقت في كلّ مكان في الوطن العربي الكبير، ولقد تعاظم نهر الثورة العربية وتعاظمت الروافد التي تصبّ فيه، وعمّا قريب سيلقي هذا النهر العظيم بحممه وبراكينه في قلب فلسطين، ولن يكون هناك مفرّ من تحرير فلسطين وتطهيرها من الدّنس الصّهيوني .
وعن تعاون المؤسسات قال عبدالعزيز “انطلقت رياح الثورة في كلّ مكان في العالم العربي، فيما المثقّفون العرب كانوا غائبين، وفيما مؤسّساتهم كانت مشغولة بالثرثرات والندوات التي لا طائل وراءها . لقد كانوا طوال الفترة الماضية مسلوبي الإرادة، وقد كانوا معنيين بكلّ ما يجمّل صورة الفرعون الأوحد الذي كان يحكم شعوبهم بالنار والحديد، وكان يرمي لهم بالفتات من مائدته العامرة . لقد فشلت الثقافة الرسمية والمعارِضة معاً ومؤسّساتهما، اللتان هما وجهان لعملة واحدة، في العمل على تحقيق أيّ شيء من طموح الإنسان العربي في التحرّر والوحدة والديمقراطية والتّقدّم . ونحن الآن نعيش في زمن اسمه زمن الثّورة العربية . لقد شهدنا الزلزال المنتظر، ولا بدّ أن يمتدّ هذا الزلزال في كلّ اتّجاه، ويتعمّق حتى يطال كلّ شيء، ومن أوائل الأشياء التي لا بدّ لها أن تنهار لتتخلّق ثانيةً بروح وفهم جديدين هي الثقافة العربية ودورها ومؤسّساتها .
وقال الشاعر عبدالسلام عطاري إن موضوع إغلاق الاتحاد يعني أن ثمة خللاً في جهاز البلاد الفكري، وثمة علة تستشري في وعيها، للأسف الشديد أن نصل إلى هذه الحالة من دون أن يهز قرار إغلاق الاتحاد لمقراته شعرة أو رمش المستويين السياسي والثقافي، فهذه مأساة، بلاد بلا قلعة تحصن وعي أجيالها هي بلاد ستبقى تحت وطأت البؤس وعرضة للتهشيم، فمن الأولى أن تعي الحكومة والمؤسسة الرسمية دور الاتحاد التاريخي واليومي ودوره في الحفاظ على الهوية والتاريخ والحكاية، ومن الأجدر أن يتم الانفاق بسخاء لا بتجفيف منابع الاتحاد وحصاره ومحاربته، في اللحظة التي نطالع كيف يتم دعم الاتحادات والروابط الثقافية في الوطن العربي في ذات اللحظة التي تغلق بها مقرات قائد الحراك الثقافي العربي التاريخي اتحاد الكتاب الفلسطينيين .
وبين عطاري أن الحالة الفلسطينية لم تبق لها غير جبهة الثقافة والمثقفين بعد ما وصلت إليه الجبهات الأخرى من حالة سبات، تراجع، موات سمها ما شئت . وهي الحالة التي نحاول أن نبقى خلفها ونتسمر من أجل البقاء والحفاظ على هويتنا الوطنية والقومية رغم ما ينهش بها، وما يحاول أن يقوم به البعض خدمة لأجندتهم الشخصية .
وعن إمكانية إعادة الدعم المتواصل للثقافة قال إن هذا الأمر يتعلق برسم السياسي والمثقف معاً، السياسي عليه أن يؤمن بأن المثقف بوصلته ودربته ووعيه وعقله الذي يستنير به وعليه أيضا أن يوفّر أسس مقومات الإبداع من البنية التحية والخدماتية التي تقي المثقف المبدع حالة الاستعطاء والاسترضاء، وتأمين فضاءات الابداع حتى يكتمل المشهد الواعي للثقافة الوطينة الفلسطينية، وأما في ما يتعلق بالمثقف فهو مطالب بالكف عن حالة التذمر والخروج منها وعليه أن يبحث عن مهبط لرؤيته النقدية حتى تستقيم ويبنى عليها وترفع وترتفع بالحياة وشأنها اليومي وأن يأخذ دوره ومكانته فلا أحد يمنح أحد مكانه فنحن في زمن الاستيلاء والاجتياحات والتغيير، نحن في زمن الشعب يريد، رغم أن هذا الشعار هو شعار شعبنا التاريخي وحركته الوطنية التي قادت على مر العقود حركة التغيير في الوطن العربي .
أما الشاعر صلاح أبولاوي فرأى أن الثقافة الوجه الحضاري للمجتمعات وكلما ازدهر المجتمع ازدهرت الحركة الثقافية فيه، وبالتالي فهي تعبير مباشر ومرآة للزمن تنقل الحدث كما عاشه أهله سلبا وإيجابا ، ولذلك فإن ما حدث للاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين هو نتيجة لما وصلت إليه الحالة الفلسطينية من انهيار معنوي وإنساني وحضاري في الوقت الذي تمور فيه الأرض من حولها مطالبة بالتغيير، وحول السؤال عن إمكانية الاستغناء عن الثقافة في الحياة الفلسطينية، قال أبو لاوي يمكن إحالة أي أحد إلى روح شاعرنا الكبير محمود درويش الذي استطاع بالشعر أن يجعل القضية الفلسطينية قضية عالمية مهدت الطريق لانطلاق السياسي الفلسطيني ليجلس إلى جانب أقرانه من الدبلوماسيين في العالم أجمع، بغض النظر عن رأيي الشخصي بهذا السياسي الذي لم يعرف كيف يدافع عن قضيته ووطنه بل وفرط فيهما للأسف الشديد، فلا يمكن لأي أمة أن تتقدم إلا بوجود أدباء ومبدعين فيها يرفعونها على أجنحة إبداعاتهم ويرقون بها إلى مصاف الأمم المتحضرة، واعتبر أبو لاوي أنه بالثورة وحدها ثقافيا واجتماعيا يمكن الخروج من عنق زجاجة السياسي المعتم وكسر حواجزه التي يحاول من خلالها تطويع المثقف وتحويله إلى ردّاح أو بهلوان ينفذ أوامره . ولأننا نحن الفلسطينيين أبناء الأرض التي حملت رسالات السماء على مرّ العصور .